السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مُعَادَلَة التَّغيِيِـر

مُعَادَلَة التَّغيِيِـر

إن تغير الأحوال سنة كونية ماضية ، قد تكون تارة إلى الرفعة والسمو وتارة أخرى إلى الخذلان والضنك .

وتأبى النفس الإنسانية بطبيعتها الذل و تكره السأم  وتسعى دومًا إلى التحول للأفضل ، وإن نفسًا لا تتصف بتلك المعالي لا تستحق الحياة.

ولكن قبل أن يستقيم أي تغيير ويؤتي ثماره لا بد من إعداد روحي ونفسي ثم إعداد واقعي عملي .

قد نجني بعض النتائج الحسنة من ثورة انفعالية أو حماسة وقتية ، لكن بإمعان النظر وبالتدقيق في العواقب تختلف الرؤى وتتبدل النتائج بعد حين .

فقد شارك بعض أفاضل الصحابة – على حين رفض الكثير منهم – في الخروج على نفر من حكام المسلمين لما يرونه فيهم من مخالفة لأمر الله وشرعه ، وحدث نزاع وقتال كما ذكرت كتب التاريخ والسير ، وأريقت الدماء الزكية ووقعت الفتن ولم يتغير شيء ..

نعم لا تعجب لم يتغير شيء ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول تلك الأحداث وأمثالها : “وقلَّ من خرجَ على إمامٍ ذي سلطانٍ إلا كانَ ما تولدَ على فعلِهِ من الشرِّ أعظمَ مما تولدَ من الخيرِ”، حتى قال : “وأما أهلُ الحرةِ وابنُ الأشعثِ وابنُ المهلبِ وغيرُهم فهزموا وهُزمَ أصحابُهم، فلا أقامَوا دينًا ولا أبقَوا دنيَا، والله تعالى لاَ يأمرُ بأمرٍ لا يحصلُ بِهِ صلاحُ الدينِ ولا صلاحُ الدنيا”. 

إن معادلة التغيير قد أجلاها الله بأفصح بيان حين قال جل في علاه  : ” إنَّ الله لا يغيَّر مَا بقومٍ حتَّى يغيِّروا مَا بأنفُسِهم ” ، وكل تغيير عداه ولو حدث فهو تغيير صوري ما لم يواكبه تغيير في النفس ..

كلنا يريد تغيير القادة الظلمة وأصحاب المناصب المفسدين ، لكن أتتوقعون بمجرد الصياح أن يذهب صاحب منصب ما ويأتي بدلا منه أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين الأمة ؟؟ أم معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام مثلا ؟؟ الإجابة بالطبع : لا ، سوف يأتي واحد منا متدين بديننا ومتخلق بأخلاقنا ؟؟ ثم انظروا إلى قدر أخلاقنا وديننا وستعلمون حينئذ حقيقة التغيير ؟؟

وبنظرة خاطفة على تاريخنا الحديث وثوراته المتعددة ، تكاد لا تجد ثورة حدثت في أية بقعة إسلامية إلا وخلفت وراءها واقعًا أشد سوءًا وأضعف قوة و جاهًا.

لكن عندما ثار كثير من الناس على الخرافات والشعوذة باسم الدين أصبحت لا تسمع لها صوتًا ، عندما ثاروا على كثير من الموروثات الفاسدة والتقاليد الخاطئة البالية اندثرت ولم تجد لها أثرًا.

عندما ثاروا على الجهل بعلوم العصر والتقنيات الحديثة أصبحت ترى لنا علماء في أدق و أصعب المجالات العلمية.

عندما ثاروا على ضعف قوتنا العسكرية مقارنة بالغرب وجدت في بلاد الإسلام عامة كل أنواع الأسلحة حتى النووية منها .

ولا يلزم أن تكون الثورة زعيقًا وصياحًا وهياجًا ، إنما الثورة الحقيقية تكمن في الإرادة والتصميم ثم حسن التنفيذ والتطبيق ولو تكلف هذا التغيير بعض الأذى والتضييق ..

وبذلك تتبدل الأحوال وتنصلح .

ومن العجب بمكان ألا نرى ثورات عارمة ولا انتفاضات شعبية كاسحة جراء ما يحدث للمسلمين في أنحاء العالم من قتل وتعذيب بل وإبادات جماعية ؟! لماذا لم نر ثورات عندما عُطلت كثير من أحكام الشريعة الإسلامية في كل أقطار الإسلام تقريبًا ؟! لماذا لم نر ثورات عندما انتشرت الخلاعة والمجون في بلاد الإسلام وعلى أيدي أبنائها ؟!

إنها ليست دعوة للتظاهر مرة أخرى وليست أيضًا دعوة للإحباط ، ولا محاولة لإعاقة الهمم عن إرادة التغيير ، وإنما هي محاولة لصبها في مسار تجني به – بإذن الله وتوفيقه – ثمار تلك الإرادة الطيبة ، وتنأى بها عن أن تتخطفها معاول الظلام أو تهوي بها رياح التهور في مكان سحيق .

-- إضاءات على طريق الحياة - مدونة أبو عبدالله الأسريجي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*