الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المظاهرات.. سنة أولى ابتدائي في مدرسة ليلية

المظاهرات.. سنة أولى ابتدائي في مدرسة ليلية

عندما تتجاهل الحكومات، مسائل الفساد فإن الأمر سيصبح لدى الشعوب سيان، وسيجد الناس أن لا شيء يستحق الصبر والتضحية والانتظار طويلا.

بلغ اليأس في تونس منتهاه وخرجت الجموع إلى الشارع وسقط نظام زين العابدين بن علي. لا نعلم متى ستنتهي الأزمة هناك ومتى سيوافق الشعب على حكومة جديدة ومجلس نيابي منتخب جديد لكن الأرجح أنها ستنتهي قريباً وينعم أهل تونس بالهدوء والبناء بحول الله.

كان طبيعياً أن تنتشر عدوى تونس إلى مصر كون الأخيرة تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة وبطالة استمرت لعقود دون أي حلول جذرية تبعث على الطمأنينة والأمل. خرج المصريون في يوم ٢٥ يناير في أكبر مظاهرات تشهدها مدن مصر بعد رحيل عبدالناصر.

لكن مصر ليست تونس. وبالتأكيد هي ليست إسبانيا التي تعاني من بطالة تزيد في نسبتها عن بطالة مصر.

إنها تصرفات السنة الأولى للحرية كما يقال وهي تشبه إلى حد بعيد تصرفات طلاب المرحلة الابتدائية عندما يجدون أنفسهم في ممارسات لا يقدم عليها إلا من تخرج من الجامعة وجرب العمل والتضحية والعطاء.

هذا إذا كنا نتحدث عن مظاهرات متمدنة وراقية.

بالتأكيد ليس عندي أي اعتراض على رغبة الجماهير المصرية التي اكتظت بها ميادين وشوارع مصر وأرى أن مطالباتهم مشروعة وأن التغيير في مصر أصبح حتمياً وضرورياً. غير الطبيعي في كل هذه المشاهد هي الأفعال والمطالبات والشعارات التي ارتفعت من بين هذه الجموع ونجح مروجوها في تنفيذها وتمريرها فوق أكتاف هؤلاء الطلبة الأبرياء.

أقصد بذلك تلك المطالبات التي اختلطت بها رغبات بعض الأحزاب والأقليات وأخرجتها عن السياق والمنطق والمعقول.

لقد ذهلت كثيراً من أعمال المتظاهرين في اليوم الأول من الخروج الكبير وخصوصاً تلك التصرفات المشينة التي استهدفت حرق مكاتب الشرطة وبعض العربات والسطو على مكائن الصرف الآلي وسرق الأموال العامة وتحطيم فترينات المتحف المصري العريق وكسر أبواب السجون وإطلاق سراح المجرمين وخصوصاً أفراداً من “حزب الله” ومن جماعة “الإخوان المسلمين”.

منذ متى والتظاهر والاحتجاج يعني التدمير والتحطيم والحرق وإطلاق سراح المجرمين؟.

هل يمكن أن يصدق عاقل أن الطلبة المصريين الشباب كان في أجندتهم تنفيذ مثل هذه الأعمال التي لا يقدم عليها أي مواطن مصري مخلص لبلاده ومقدراتها؟

ما هي فائدة الشباب من إحراق مراكز الشرطة وما هي فائدة الشباب من إطلاق سراح المساجين أو كسر آلات الصرف وكيف تم كل ذلك وبهذه الدقة بواسطتهم وفي اليوم الأول على افتراض أن لا أحد غيرهم تدخل في الأمر؟ هذا أكثر ما يلفت نظر أي متابع حول ما جرى في مصر.

في تونس وللمقارنة لم يقدم الشباب التونسي على هذا الحجم من التخريب كون معظم الأحزاب المعارضة وخصوصاً جماعة “الإخوان المسلمين” هناك تدرك أبعادها وتدرك رغبات الشعب التونسي.

في ظني وفي ظن الكثيرين ممن تناولوا هذا الحدث الكبير أن جماعة “الإخوان المسلمين” هي التي باشرت هذه الأعمال وتوجهت مباشرة إلى البنى التحتية لتدمرها. من هنا بدأ تشويه الحركة الشبابية والاحتجاج السلمي واتضح ذلك جلياً بعيد خطاب الرئيس مبارك والذي أتى متناغماً مع مطالب المعارضين.

فبدلاً من تهدئة المظاهرة والاحتفال بتحقيق المطالب قوبل ذلك الخطاب بالرفض الكامل وحتى بعد أن خرج للمرة الثانية ليؤكد عزمه على الرحيل وإبعاد ابنه جمال عن الحكم والحزب الوطني.

أعتقد أن الشباب المصري بدأ اليوم يستوعب المشهد وبدأ يكتشف أبعاد اللعبة واستغلال البعض لها للوصول إلى أجندته هو وليس بالضرورة أجندة الشباب وعموم المصريين. فهل هناك فرصة للترميم وإصلاح ما تم اختراقه أم أن الأوان قد فات؟ هذا ما تخبئه الأيام القادمة.
 
إن خروج الناس في مظاهرات حاشدة وفي منطقتنا تحديداً حيث الدساتير لا تصب في صالح التغيير المنشود، لا يعني الانتهاء من الأزمة بل هو بداية لحلها فقط. ما حدث في مصر هو ثورة بكل المقاييس ونتائج هذه الثورة لن تظهر على سطح الواقع إلا بعد عقد أو عقدين.

 سيختلف “مجلس الشعب” المنتخب على الأجندات. وسيتكرر مشهد “مجلس الأمة” الكويتي في “مجلس الشعب” في مصر. قبول التعددية والرأي الآخر كممارسة سياسية يومية ليس بالأمر الهين على شعوب المنطقة التي للتو تمارس حريتها واختيارها. هذا ما يعزز بعض الآراء التي تضع الوقت والفرص أولاً وتنادي بالعمل على التنمية قبل العمل على الديموقراطية.

فهناك من يقول إنه لا قيمة للديموقراطية في غياب الوعي العام بتنمية دخل الأفراد وقدرتهم على الإنتاج والإبداع.

شعوب الخليج بشكل عام تركز كثيراً على التنمية الاقتصادية قبل أن تلتفت إلى مواضيع الديموقراطية وإن كانت متوفرة في بعض الدول باستحياء.

هي محقة في ذلك بشرط أن تضمن الحكومات القائمة عدم انتشار الفساد وملاحقة المفسدين المتورطين بنهب المال العام.

وعندما تتجاهل الحكومات، أي حكومات مسائل الفساد فإن الأمر سيصبح لدى الشعوب سيان، وسيجد الناس أن لا شيء يستحق الصبر والتضحية والانتظار طويلاً.

هذا من ناحية فوضى السياسة وحداثة التجربة، أما من الناحية الإعلامية فلا يختلف المشهد كثيراً، فهناك وبجانب معظم القنوات الحكومية، قناة واحدة فقط هي التي سقطت في الاختبار وهي قناة “الجزيرة” التي تبث من دولة قطر والتي تحولت إلى بوق محرض يسعى للفتنة على حساب الخبر والحيادية حتى بدا وكأن مسألة مصر بالنسبة لهذه القناة هي مسألة حياة أو موت لها ولبقائها.

هل ظهر هذا بسبب ميول القناة لتيار الجماعات الإسلامية؟ ربما وربما لأسباب أخرى غير واضحة. بقية القنوات الفضائية الإخبارية تألقت كثيراً ونقلت لنا المشهد بكل وضوح دون تحريض أو تمييع.

وهذا أعتبره نجاحا في زمن الفوضى، وأخص قناة “العربية” التي تبث من دبي إذ تألقت في هذه الأزمة وأثبتت جدارتها ومهنيتها العالية كما فعلت إبان غزو العراق.

كلنا يعرف اليوم أن هذه القناة أصبحت ومنذ تلك الأيام قبل ما يقرب من ثمان سنوات هي القناة المفضلة لدى العراقيين وذلك من واقع الإحصائيات المستقلة. لا يخالجني أي شك في أن قناة “العربية” ستنال رضا ومتابعة وإعجاب الأغلبية من الشعب المصري، كونها قناة سعودية التمويل والقيادة فإن هذا أيضاً يعتبر مكسباً كبيراً يضاف إلى مكتسبات الشباب السعودي الذي تقلد المناصب القيادية في العديد من المجالات الصعبة في السنوات الأخيرة.

-- الوطن أون لاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*