الخميس , 8 ديسمبر 2016

أيها المتظاهرون كفى

الحمد لله القوي المتين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد، أيها الإخوة المتظاهرون ـ جنبكم الله إلحاق الضر بأنفسكم وبالمسلمين ـ:

إن هذه المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات والعصيانات التي تقومون بها للمطالبة بعزل حاكمكم وإسقاط ولايته، أو اعتراضاً على بعض تصرفاته وأفعاله وقراراته لا يليق أن تخرج عنكم، وتمشون فيها، وتكونون في عداد أهلها، وتنتظمون في سلك دعاتها أو المؤيدين أو الداعمين لها.

وذلك لأنكم لستم كغيركم من البشر، أنتم أكرم وأجل، أنتم مؤمنون بالله ورسوله ودينه وشرعه، ولكم شريعة عزيزة رفيعة جليلة تحكمكم وتضبط تعاملكم وتصرفكم مع بعضكم البعض، ومع حكامكم وولاتكم ونوابهم، ومع غير أهل دينكم ممن في بلدانكم وفي غيرها.

وكان الواجب عليكم مع ولاتكم وحكامكم إذا صدرت عنهم أمور لا تُرضى ولا تجوز أن تتعاملوا وفق ما جاء فيها من نصوص، وتتلقوها بالقبول والرضا والتسليم والفرحة والسرور، وتكونوا على يقين جازم أن الصلاح لكم ولأحوالكم إنما هو في العمل بها.

فإن استأثر حاكمكم عليكم بالأموال والثروات والمشاريع والعطاءات، وضيق عليكم في الأرزاق المعيشة، فقد بين لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم الطريقة التي تعاملونه بها، فقال:(( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) رواه البخاري ومسلم.

وإن كان حاكمكم يمنع عنكم حقوقكم التي أوجبها الله عليه جهتكم، فقد بين لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم الطريقة التي تعاملونه بها، حيث أخرج الإمام مسلم أن سلمة بن يزيد الجعفي ـ رضي الله عنه ـ قال:(( يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )).

وإن كان حاكمكم لا يهتدي ولا يستن بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، ويضربكم ويأخذ أمولكم، فقد بين لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم الطريقة التي تعاملونه بها، حيث أخرج الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )).

وإن كنتم لا تحبون حاكمكم وتكرهون ما يفعل من أمور، فقد بين لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم الطريقة التي تعاملونه بها، فقال:(( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، أَلاَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ )) رواه مسلم.

وقال لكم صلى الله عليه وسلم أيضاً:(( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )) رواه مسلم.

أيها الإخوة المتظاهرون ـ جعلكم الله من المقتدين المهتدين بنبيه الكريم وأصحابه ـ:

إنكم بالمشاركة في هذه المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات التي تطلبون بها عزل حاكمكم وإسقاط ولايته أو رفض قراراته وأوامره لا تسيرون على هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولا تستنون بسنته، ولا تقتدون بأصحابه الكرام ـ رضي الله عنهم ـ وإنما تقتدون وتهتدون بصنفين مذمومين قد تكاثرت النصوص الشرعية في ذمهما، وتكريه وتبغيض سلوك طريقهما، والزجر والتحذير من الركون إليهما.

الصنف الأول: وهم الخوارج المنافقون.

حيث تواعدت أعداد من شباب أهل مصر والعراق على الخروج إلى المدينة النبوية لمطالبة ولي أمر المسلمين جميعاً عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ بأن يعزل نفسه عن ولاية أمر المسلمين، ويسقط ولايته.

فلما وصلوا إلى المدينة حاصروه في داره، وطالبوه بذلك، فأبي أن يستجيب لهم، فضيقوا عليه الخناق واستمروا في حصاره حتى منعوا عنه وعن أهله الماء والطعام، ثم ختموا الأمر بأن قتلوه وهو صائم لله، يقرأ القرآن.

وقد كان المحرك لهؤلاء القوم على هذه الجريمة الشنيعة عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه، حيث دخلوا في الإسلام تظاهراً لا حقيقة، فلما جاء عهد خلافة عثمان ـ رضي الله عنه، أخذوا يثيرون الفتن حوله بين الناس في الأمصار، وكان جل كلامهم في بابين، هما: باب الاقتصاد، وباب المناصب.
وكان الهدف من وراء ذلك هو إضعاف الدولة الإسلامية، وتمزيق وحدتها، وتفكيكها إلى دويلات،ووقف انتشار هذا الدين بين الناس في أقطار الدنيا، لأنهم عجزوا عن مجابهته في العلن.

وصدق الله عز وجل إذ يقول: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }.

وقال سبحانه: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }.

وقال جل وعلا: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }.

وقد صح عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عثمان ـ رضي الله عنه ـ عن مطالبتهم إياه بذلك، فقال له:(( يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوماً فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه)) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

الصنف الثاني:

وهم الكفار من يهود ونصارى وشيوعيين وبوذيين وما نجم عنهم من مذاهب بعثية واشتراكية وماركسية وعلمانية ولبرالية وغيرها.
ولا أجدني في حاجة للتعداد، فالتأريخ القريب دون البعيد لثورات ومظاهرات واحتجاجات واعتصامات وعصيانات الشوارع في بلدانهم لا يكاد يغيب أو يخفى عن عاقل راشد بصير، وكما قيل: الحر تكفيه الإشارة.

وفي تقرير هذا يقول العلامة المصلح الكبير محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ:الخروج بتظاهرات أو مظاهرات وإعلان عدم الرضا وإعلان التأييد أو الرفض لبعض القرارات أو بعض القوانين، هذا نظام يلتقي مع الحكم الذي يقول: الحكم إلى الشعب أو من الشعب إلى الشعب.اهـ

وقال أيضاً عن هذه المظاهرات:

تلقيناها من جملة ما تلقيناها من عادات الغربيين ونظمهم.اهـ

وقال العلامة المصلح صالح بن فوزان الفوزان ـ سلمه الله ـ:والمظاهرات ليست من أعمال المسلمين، وما كان المسلمون يعرفونها.اهـ

فحذار أيها المؤمن بالله ورسوله أن تنجر إلى طريقة هذين الصنفين، وأن تشبه فعالك فعالهم، ويكونوا أسوتك وقدوتك، فإنك بهذا تخسر ولا تربح، تُفسد ولا تصلح، تغوى ولا ترشد، تضل ولا تهتدي.

وقد ثبت عن أرحم الخلق بك وأنصحهم لك وهو النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لك وللمؤمنين محذراً ومنفراً ومبغضاً: (( من تشبه بقوم فهو منهم )) أخرجه أبو داود وغيره.

أيها الإخوة المتظاهرون ـ جملكم الله بطاعته وطاعة رسوله ـ:

إذا قال لكم ولي أمركم وحاكمكم:

لا تتظاهروا في الشوارع، ولا تتجولوا في هذه الساعة من الليل، واتركوا الاعتصامات والمسيرات والاحتجاجات.

فرددتم عليه بقولكم:

لا لن نستجيب لك، ولن نرضخ لأوامرك، وسنخرج لنتظاهر، بل ونستمر فيما نحن فيه من اعتصامات ومظاهرات ومسيرات واحتجاجات.

فهل تطيعون في ردكم هذا وتستجيبون لنبيكم صلى الله عليه وسلم؟ أم تطيعون أنفسكم وتستجيبون لأهوائكم ورغباتكم؟

هل تطيعون وتستجيبون لرسولكم صلى الله عليه وسلم؟

أم تطيعون وتستجيبون للسياسيين والإعلاميين وقادة الأحزاب الاشتراكية والعلمانية واللبرالية والشيوعية، والأحزاب المتسمية بأسماء دينية كالإخوان المسلمين والتكفير والهجرة والجهاد؟.

هل أنتم عاصون لله ربكم أم مطيعون؟ هل أنتم على هدي محمد صلى الله عليه وسلم تسيرون أم على هدي الخوارج والمنافقين والكافرين بالله ورسوله والضالين المنحرفين؟.

ألم يأمركم نبيكم صلى الله عليه وسلم بأن تسمعوا وتطيعوا لولاة أمركم وإن منعوكم حقوقكم واستأثروا بالأموال وجار وظلم.

ألم يقل سلمة بن يزيد الجعفي ـ رضي الله عنه ـ:(( يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) رواه مسلم.

ألم يقل حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ:(( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) رواه مسلم.

ألم يقل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه لسويد بن غَفَلة:(( يَا أَبَا أُمَيَّةَ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِى، فَأَطِعِ الإِمَامَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ يَنْقُصُ دِينَكَ فَقُلْ سَمْعٌ وَطَاعَةٌ دَمِى دُونَ دِينِي )) رواه ابن أبي شيبة وغيره بسند صحيح.

ولقد بين الله جل وعلا في سورة الأحزاب حال أهل الإيمان مع النصوص الشرعية التي فيها بيان حكمه وقضائه في سائر الأمور والأحداق والوقائع فقال :
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِيناً }.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )) رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )) رواه البخاري ومسلم.

وقال العلامة المصلح الكبير عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ رداً على من يدعون إلى تغيير الحاكم بالقوة ومبيناً أن الواجب أن يسيروا على وفق ما جاء في النصوص الشرعية: فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا عل مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية فيقفون مع النصوص كما جاءت، وليس له الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة بالطرق الطيبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن حتى ينجحوا، وحتى يقل الشر أو يزول، ويكثر الخير، هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.اهـ

أيها الإخوة المتظاهرون في مصر ـ ردكم الله إلى ما يرضيه رداً جميلاً ـ:

لقد جرت هذه المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات التي تقومون بها هذه الأيام في بلادكم مصر ـ سلمها الله وحماها ـ إلى شرور عظيمة، وفساد عريض، وضرر محقق كبير؟
 فكم من نفس سفك دمها؟
وكم من أسرة رملت ويتمت؟
وكم من جسد أصيب وجرح؟
وكم من متجر سرق ونهب؟
وكم من مركبة أتلفت ودمرت؟
وكم من المراكز والمتاجر والمراكب أحرقت وأفسدت؟
وكم من طريق قطع وعطل؟
وكم من امرأة أو صغير أو شيخ خوف وأرعب؟
وكم من مريض أعيق عن الخروج لعلاجه ودوائه؟
وكم من صلاة ضيعت وأخرت؟
وكم من عابر سبيل أخيف وأهين ونهب؟
وكم من مدرسة أقفلت وأغلقت؟
وكم من أسرة فقيرة لم يخرج وليها لكسب الرزق وجلب القوت لها؟
وكم وقعت من خسائر في الاقتصاد وبنيته؟
وكم أضعف من الأمن ورجالاته؟
وكم سُمع من سب ولعن وشتم؟
وكم من فوضى عارمة حلت وانتشرت؟
وكم أفلت من المجرمين من السجون والعقوبة؟.

قد يكون كثير منكم لم يباشر بيده بعض هذه الجرائم الفظيعة، والكبائر الشنيعة، والمنكرات الغليظة، أو تكون مظاهرته على حد قوله سلمية، لكنه يعتبر متسبباً في حصولها، ومتسبباً في استمرارها، ومتسبباً في تزايدها، وذلك لأنه لو لم توجد هذه المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات لما حصل شيء من تلك الأضرار والكوارث والشرور.

ثم إنكم إذا قلتم سنخرج مسالمين، فلن تستطيعوا أن تُسَيِروا الجميع على طريقتكم، ولن تقدروا على ضبط نفوس غيركم إذا هاجت وأُلهبت حين تُذَكر وتُشعل أكبادها بما ما يحصل من الحاكم من ظلم وجور واستئثار بالأموال والثروات، بل قد تعجزون حتى عن كبح جماح أنفسكم التي هي بين أيديكم.

إنكم ستُسألون يوم القيامة عن ذلك، وستحملون وزراً وإثماً بسبب ما أريق من دماء، وما سلب ونهب وأتلف ودمر وأحرق من أموال، وما حصل من فساد وشر وبلاء، لأن خروجكم هو الذي سبب وجودها، ولو لم تخرجوا وبقيتم في بيوتكم ومدارسكم وأعمالكم لما وجدت، ولكان الناس والبلاد في سلامة منها وعافية.

كيف يطيب لكم عيش ومظاهراتكم قد تسببت في سفك دماء نفوس مسلمة؟.
كيف تهنأ لكم حياة ومظاهراتكم قد تسببت في ترميل نساء وتيتيم أطفال؟.
كيف يرتاح لكم قلب ومظاهراتكم قد تسببت في دخول الحزن والكرب والمصاب على بيوت قُتل أبوها أو أخوها أو ابنها الذي يرعاها وينفق عليها؟.
كيف تهدأ لكم جفون وتنام لكم عيون ومظاهراتكم قد تسببت في إصابة وجرح وتمزيق أبدان ألوف؟.
كيف تتلذذون بشراب وطعام ولباس ومظاهراتكم قد تسببت في سرقة ونهب وإتلاف أموال ألوف؟.

أيها الإخوة المتظاهرون ـ رزقكم الله التوبة والرجوع إليه ـ:

لعل السبب الرئيس أو الأكثر تحريكاً وترويجاً لخروجكم للمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات في الطرقات والميادين العامة والساحات هو:
الاقتصاد.
أو بعبارة أخرى هو:
حطام الدنيا.
حيث ترون الاستئثار بأموال بيت المال وأراضي البلاد ومشاريعها التجارية والحيوية.
وترون تزايد الفقر مع وجود الخيرات والثروات في البلاد.
وترون كثرة البطالة، وتزايد العاطلين عن العمل، وقلة أو ضعف فُرص العمل.
وترون التقصير والخلل في المشاريع المهمة للبلد من طرق ومستشفيات ومياه وغيرها.
وترون غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السلع الضرورية التي يعيش عليها أكثركم.

وهذا الاستئثار والتقصير واقع وظاهر لا يمكن تغطيته ولا يسع أحداً حجب أعينكم عنه، ويشهد لوجوده الشرع والواقع المشاهد من الصغير والكبير.

ولكن الشريعة الإسلامية الرحيمة بكم لم تترككم هملاً، بل بينت لكم في وضوح أنه سيحصل من الولاة شيء من ذلك، وبينت لكم كيف تتعاملون معهم حين وجوده، وأوجبت عليكم لزوم العلاج الذي جاءت به، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) رواه البخاري ومسلم.

فالعلاج والحل إذاً هو:

الصبر الطويل على هؤلاء الولاة ولو امتد إلى يوم القيامة.

وقال صلى الله عليه وسلم:(( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ )) رواه مسلم.

وصح عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لسويد بن غفلة موصياً له: (( يَا أَبَا أُمَيَّةَ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِى، فَأَطِعِ الإِمَامَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ يَنْقُصُ دِينَكَ فَقُلْ سَمْعٌ وَطَاعَةٌ دَمِى دُونَ دِينِي )).

فالعلاج والحل إذاً هو:
 
أداء الحقوق التي أوجبها الله علينا جهة هذا الحاكم كالسمع والطاعة في غير معصية، وترك الخروج عليه، وعدم نزع اليد من الطاعة، وسؤال الله الكريم حقوقنا التي وجبت على الحاكم فلم يؤدها لنا.

بل وأشد من ذلك أن يأتيك حاكمك فيسلبك مالك الذي اكتسبته من عرق جبينك، ويعتدي عليك بالعقوبة والضرب والجلد.

وقد جاء في علاج هذا الحال ما أخبر به حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ حيث قال:(( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) رواه مسلم.

أيها الإخوة المتظاهرون ـ أسعد الله قلوبكم ورزقها الطمأنينة والرضا بما قسم ـ:

اتقوا الله ربكم حق تقواه، واخشوه حق الخشية، وعظموه أحسن تعظيم، وأجلوه أكبر إجلال، وطمأنوا أنفسكم وأريحوها بأن الرزق من عند الله ربكم لا من غيره، وأن ما كُتب لكم منه آت، لن يضيع منه دينار ولا درهم ولا أقل.

أعاش أجدادكم من غير رزق؟ لا والله، أعاش آباؤكم من غير رزق؟ لا والله، أفتعيشون بعدهم من غير رزق؟ لا والله، قال الله جل وعلا : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }.

وقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }.

وقال عز وجل: { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ }.

ألا فلتهدأ النفوس، ولتبرد الأكباد، ولتطب الخواطر، فإنه ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، وعليه هدايتها إلى أسباب الرزق، وعليه إعانتها في تحصيله، ولا تخافوا من الفقر في المستقبل، لا على النفس، ولا على الأهل والعيال، حتى ولو أرهف أهل الاقتصاد والسياسة والإعلام بضعف الاقتصاد، وغلاء الأسعار، وقلة الوظائف، وانخفاض الرواتب، وتزايد البطالة، وارتفاع نسبة الفقر، وذلك لأن أرزاق العباد مكتوبة، ولن يعيش أحد إلا برزق يقتات منه شاء أم أبى، ولن يغادر الدنيا إلا وقد أخذ رزقه كاملاً غير منقوص.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِىيٌ أَوْ سَعِيدٌ )) رواه مسلم.

وقال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: (( إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله )).

أيها الإخوة المتظاهرون ـ قنعكم الله بما يسر لكم من الرزق ـ:

إن نبيكم صلى الله عليه وسلم لم يكن يدعو الله لآل بيته في زمنه وباقي الأزمان بالغنى وسعة الرزق وبسط العيش، بل كان يدعو لهم فيقول:
(( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا )) رواه مسلم.

والقوت هو: الكفاف.

أيها الإخوة المتظاهرون ـ شرح الله صدوركم ـ:

إن كنتم خائفين فلا تخافوا من الفقر، وإن كنتم في قلق فلا تقلقوا من الفقر، ولكن خافوا واخشوا من الدنيا أن تبسط عليكم فتنافسوها فتلتهوا بها وتهلكوا.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ:(( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية لهما: (( وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ )).

واعلموا أنكم لستم والله بأحب إلى الله عز وجل من رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أكرم وأفضل وأعظم منزلة عنده منه، ومع ذلك فقد قبض روحه إليه وهو في عيش قليل ويسير، فقد قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها:(( لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ )) رواه مسلم.

وثبت عن عروة بن الزبير أنه سمع أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول: (( كَانَ يَمُرُّ بِنَا هِلَالٌ وَهِلَالٌ مَا يُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ )) رواه أحمد وغيره.

ثم ماذا على الإنسان من ضير؟
وماذا يلحقه من كدر وضيق لو عاش في دنياه فقيراً، وفي آخرته عزيزاً كريماً؟

أما يسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( قمتُ على بابِ الجنةِ، فإذا عامةُ من دخلها المساكينُ، وإذا أصحابُ الجَدِ محبوسونَ )) رواه البخاري ومسلم.
وأهل الجد هم: أهل الغنى والوجاهة.

أما يُسْكِنُ خنين فؤاده ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يدخلُ الفقراءُ الجنةَ قبلَ الأغنياءِ بخمسِ مائةِ عامٍ )) رواه الترمذي.

-- عبد القادر بن محمد الجنيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*