الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأسباب التي تجعل الشباب يلتحق بالجماعات الإرهابية وعلاجها ..

الأسباب التي تجعل الشباب يلتحق بالجماعات الإرهابية وعلاجها ..

الحمد لله ربالعالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى منسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى الدين. أما بعد:

يوم الخامس عشر من الشهرالجاري جويلية 2009 كنت مسافرا من الجزائر العاصمة إلى ولاية جيجل وأثناء الطريق فوجئت بمكالمة هاتفية من جريدة النهار ، ودون مقدمات سألني أحدهم بعض الأسلئة عن الأسباب التي تجعل الشباب الأحداث يلتحقون بالجماعات المسلحة ، وكيف تتم عملية لما يسمى بغسيل الدماغ لتوريطهم في استباحة الدماء البريئة ، يطلب مني أن أجيبه على سؤاله من خلال تجريبتي في ميدان الدعوة إلى الله، ومناقشاتي للبعض منهم الذين كنت سببا في رجوعهم وعزوفهم عن هذا الطريق الخاطئ حسب ما بلغ السائل ؟فقد ألقي إليه أني كنت سببا في رجوع الكثير منهم عن فكرة الجهاد والصعود للجبال والتكفير بالجهل والعناد.

ترددت في الأول عن الإجابة طالبا منه أن يؤخر هذا الأمر إلى وقت لاحق يكون فيه اللقاء بيننا والسؤال والجواب مباشرة ، فلما ألح علي ، وقال أن الأمر ضروري استرسلت معه في الجواب الذي دام ما يقرب من ثلث ساعة، وفي نهاية الحوار قال لي :ستجد مقالك على صفحات الجريدة ،وفي اليوم الموالي وأنا أتصفح الجريدة رأيت أن السائل [ ياسين ـ ب ] الذي أجرى الحوار معي قد صاغه بطريقته – الصحفية- حيث تصرف فيه وبتر بعض فوائده ،مما أخل بالمقصود منه ، ومن أهم ذلك أن المرصد المحاور شخّص الداء ولم يعط العلاج لهذه الظاهرة التي وصفتها له ،ولا النصيحة التي قدمت إليه ليبلغها،إلى من يريد منهم ممن يرجى أن يعود ، لذا وجدت نفسي مضطرا لأن أعقب عليه لاسترجاع ما حذف من الحوار الذي لم يدم طويلا،واستدراكا لبعض الفوائد التي فاتتني أثناء الإجابة ،رجاء أن يعم به النفع، وأن لا يقرأ قراءة سلبية تبرئة للذمة عند الله تعالى :

فأقول وبالله تعالى استعين :

إن هذه الظاهرة – التحاق الشباب بالجماعات التكفيرية المسلحة أيام العشرية السوداء – له أسباب كثيرة ،تختلف نوعا ما عن الدوافع التي تجعل الأحداث صغار السن اليوم ينجرون بسرعة وسهولة وراء هذه الظاهرة المرضية الخطيرة.

منها أن الأحوال التي يعيشها العالم بصورة عامة ، والعالم الإسلامي بصورة خاصة غير الظروف والأحوال التي نعيشها اليوم ،فكلما كثر الضغط والتضييق على المسلمين ، كثر مقابل ذلك التشدد والتطرف ،والعنف ،والميل إلى الانتقام من المسلمين الذين يراهم أصحاب الفكر المتطرف حجر عثر أمامهم لمحاربة الكفار –زعموا- مما ولد فتاوى منحرفة خاطئة نتج عنها الخروج وتكفير المجتمعات التي وقعت في معالم الجاهلية الأولى- بزعمهم – وكان ظهور هذا التيار في سجون مصر بقيادة سيد قطب المنظر الكبير لفكر الخوارج في القرن العشرين،ومن مصر إلى سورية الذي أقيم له فيها معسكرات جهادية بحجة مقارعة اليهود في فلسطين، ومنها إلى إيران يحمله الفكر الرافضي الخبيث ثم أفغنستان ، ثم إلى العالم الإسلامي ،الذي ما زال يعاني من تبعاته وويلاته إلى يوم الناس هذا ، حيث تعاطف المسلمون ، مع قضية فلسطين والجمهورية الإسلامية الشيعية – الموعومة – جهلا منهم بحقيقتها -وأفغنستان ، ولم تسلم الجزائر من ذلك فكانت أول بادرة خروج سنة 1985م بقيادة مصطفى بويعلي ،وإن كان مصطفى مات فإن هذا الفكر لم يمت ، ولم يُقض عليه ،بحيث كانت بعض الأقلام والكتب والصيحات تغذيه ، مثل ،كتب المدودي ، وسيد قطب ،وأشرطة عبد الحميد كشك ،التي كان يتولى توزيعها الإخوان المسلمون ،أضف إلى ذلك ما كانت الجزائر تعيشه في تلك الحقبة من الاضطرابات مما ولد الانفجار الشعبي سنة 1988م.

ثانيا : غياب الوعي الإسلامي الصحيح المعتدل، فلم يكن هناك علماء وطلاب علم بالحجم الكافي كما وكيفا على منهج السلف ، لأن التيار الخارجي يتبنى قضايا الأمة مما جعل الكثير من الناس ينجر وراءه حتى على مستويات عالية ، ففي سنة 85 19 م تعرضت لمسآلة بعدما منعت من العودة لمقاعد الدراسة في الحجاز ،حذرت من خلالها من المد الشيعي الرافضي، والفكر الخارجي وخطرهما فهما وجهان لعملة واحدة ..

ثالثا: فتح الدولة لباب الحزبية ،والسماح بتكوين أحزاب إسلامية ، فتكونت هياكل تنظيمية على رصيد الواقع الأليم التي كانت تعاني منه الأمة ، فإن تكوين أحزاب إسلامية مزق الأمة -أيدي سبأ – إلى طوائف كفرت بعضها البعض مما سهل للفكر الخارجي أن ينتشر بسهولة ، مستغلا هذه الأوضاع مركزا على عواطف الأمة وجراحاتها،في غياب الرقابة الشرعية والقانونية ، مما مكن له أن يعبث بعقول كثير من الشباب ،وقد عانيت اصطداما عنيفا ، ومرارة شديدة ، وظروفا قاسية في مواجهة ذلك التيار المتطرف ونقض شبهاته ،على مستوى الولاية التي أسكنها وبعض ولايات الوطن المجاورة ..وتعرضت للاغتيال مرتين ، ولكن الله سلم ، إذ لم يبلغ الكتاب أجله .

أما اليوم ، وإن كنا نلمس تحسن كبير على مستوى الوعي الإسلامي السني السلفي،وانتشار كثير من طلبة العلم ممن ينتهجون منهج الوسطية والاعتدال، فالعالم تغير وازداد شراسة في اضطهاد المسلمين والتضييق عليهم ،وغزو بلادهم ماديا ومعنويا ، خاصة بعدالحادي عشر من سبتمبر ، وإن ظروف الأمة الإسلامية بعامة والجزائرية بخاصة بعدخروجها من النفق المظلم، وانتصارها على التيار الجارجي التكفيري المجرم ، انقلبت مماأعطى الشرعية الدينية لكثير من الجماعات الحركية الجهادية الضالة … وأصبحت تستعطف الشباب بهذه العاطفة الدينية ، والحمية الإسلامية.

إن الأسباب التي جعلت هذه الظاهرة المرضية الخطيرة تعود في بلادنا إلى الواجهة بعد أن كادت تنقرض كثيرة منها : الجهل بالدين القويم في الحديث ،والقديم ،وظاهرة الفساد الكبير الذي استشرى في الأمة في أغلب جوانب الحياة، والحرمان ، والبطالة ، والفقر ، وعدم الفلاح في الدراسة ، ورفقاء السوء من المغرضين المستأجرين وتخلي الأولياء عن التربية السليمة المستقيمة في البيت، والمدرسة ، وما ينشره الإعلام من الصور الفضيحة للجرائم التي يرتكبها أعداء الإسلام بالمسلمين مما يحرك الصخور ويلهب القلوب،وما يكتبه أصحاب الأقلام المشبوهة ،غيرة على محارم وأعراض المسلمين ، وسكوت أولياء أمور المسلمين عن ردة الفعل، ودغدة عواطف الشباب الملتهبة بالمظاهرات التحريضية ،والإضرابات الجاهلية ، التي في غالب الأحيان يكون وراءها دعاة التكفير ،وسكوت بعض الأئمة وطلبة العلم ، وتخليهم عن واجب الحسبة والنصح ، والتوعية الشاملة لأسباب أو أخرى مما جعل الظاهرة تتفاقم ،وتنتشر بين الشباب خاصة .
هذه هي بعض الأسباب التي جعلت كثير من الشباب يدفع بنفسه للموت في سبيل الضلالة وجريمة قتل الأنفس البريئة.

وهذه الأسباب في مجملها ، مع الترغيب الكبير في الاستشهاد والحصول على أعلى درجات الجنان ، ومقاعد الصدق والرضوان عند الرحيم الرحمان ،وملاعبة الحورالعين بدلا من حور الطين ، يندفع الشاب كالليث للحصول على إحدى الحسنيين ،الشهادة بالعمليات الانتحارية ،والثمرة يجنيها قادتهم في الدولة الإسلامية- المزعومة – خياليا ، أوالانتصار ويشترك فيه الكبار والصغار .

مع أن أجدادهم خرجوا يطلبون المال، والسلطان متأولين آي القرآن.

سألني صاحبي هذا السؤال : لماذا يتأثر هؤلاء الشباب الصغارأكثر من تأثر الكبار بهذه الظاهرة ؟

فقلت : لأن الشاب الحدث ما زال على البراءة،والفطرة السليمة ـ ولم يتذوق طعم الحياة الدنيا ، فأي شيء غرسته فيه أثمر وبسرعة وقوة ، خاصة جانب الخير ، فكيف إذاكان البذر والثمار رضوان الله تعالى في جنات عرضها السموات والأرض ؛فحاله كالطفل الصغيرالذي إذا أخرجت له حَلوةً من جيبك ورآها اندفع إليها ليأخذها حتى لو كانت أمامه عقبات ومخاطر ، فلا يتركها حتى ينالها ، فإن لم ينالها بالراحة نالها بالصراخ والبكاء …ولأن هؤلاء الشباب الأحداث ما تذوقوا حلاوة الدنيا كما قلت ، فليس عندهم ما يخافون على فواته ،إلا حياتهم فقد سخروها في سبيل الجنان ورضوان الرحمان بفتاوى أئمة الضلالة والبهتان في هذا الزمان.

فإن الشاب الذي يعيش الحرمان ، والفقر المذقع ،والظروف القاسية ، ويُوحى إليه أنه مهمش في المجتمع ، والأسرة ، بمجرد ما يجد من يحتضنه ليجد فيه متنفسه سيندفع إليه ويتمسك به ، وخاصة إذا حُدث بما يوافق فطرته ـ فكيف إذا وصف له الجنان ،والحور العين ، ورضوان الله ، بمجرد ما تزهق روحه في سبيل الله، وأن فلان وعلان ممن سبقه هو الآن ينعم في الجنان، وما يحكى له عن كرامات الأفغان ، فلا تشك حينئذ في انطلاقه كالليث الضاري إلى ساحة الموت ، لا يأبه بصيحات أمه ،ولا أمته وبلاده ، ولا يرده عن قصده إلا عالم سني سلفي يغسل له دماغه بإبطال الشبه والتأويلات التي ألقيت عليه.

علاج الظاهرة :

إن ظاهرة التكفير والخروج على الحكام ليست وليدة الساعة ،فإن الناظر في تاريخ هذه الأمة يرى أنها تخبو حينا وتطفو حينا آخر بسبب قوة العوامل الداخلة عليها وضعفها ، وأنه بإحصاء جميع الخروج الذي كان في الأمة عبر تاريخها بدأ بظهوره أيام علي رضي الله عنه لم نجد خروجا واحدا نجح، وكان القضاء عليه بأمرين اثنين لاثالث لهما ، وهما تعاون العلماء والأمراء، تعاون القلم بالكلمة الهادفة الصافية السنية السلفية العادلة المربية مع سيف الحق البتار، تعاون قوة الحجة بقوة السيف.

ثانيا:

لا ينبغي إعمال القوة والسيف لوحده ، قبل إقامة الحجة والإعذار إلى القوم لأن فيهم الكثير من المغرر بهم، فالسبيل الوحيد لقطع الطريق أمام هؤلاء الأغرار الأغمار ورد من ضل منهم هو فتح بابالحوار معهم، وأن يبقى مفتوحا لمن أراد أن يلجه منهم ، وتيسير السبل للعلماء وطلبة العلم والدعاة السنيين المعتدلين لمناقشتهم، وكشف انحرافاتهم بالحجة والبرهان، بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، فإذا كان الله يأمرنا أن نجادل أهل الكتاب وهم كفار بالتي هي أحسن فمن باب أولى وأولى أن نجادل أبنائنا الذين قصروا في حق الله بالفهم الخاطئ لمراده، وفي حق أنفسهم وذويهم وأمتهم بالتي هي أحسن، وإذا كان الله يأمرنا أن ندفع بالتي هي أحسن مع العدو ليدفعه ذلك أن يكون وليا حميما فمن باب أولى أن ندفع بالتي هي أحسن مع إخواننا وأبنائنا المغرر بهم الذين بغوا علينا فإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره ،أما رؤوسهم فلا مطمع في رجوعهم إلا أن يشاء الله ، فهذا ما فعله أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وغيره إذ أرسل إليهم ابن عباس فحاورهم وأثمر حواره فرجع منهم الكثير، وبقية ثلة قليلة قاتلهم وكاد أن يأتي عليهم لولا تراجعهم ،وأخذه العهد على نفسه أن لا يبدأهم بالقتال…

هذا نداء ناصح مشفق :

ثالثا:

ومما ينبغي الاهتمام به لعلاج هذه الظاهرة ، العناية والاهتمام البالغ بالشباب ، من الوالدين بالنصح والتوجيه ، والتفقد ، ومن المسؤولين بتوفير مقاعد للاحتراف في مؤسسات التكوين والتأهيل ، ودور العلم الاستثائية لمن لفظتهم المدرسة النظامية مع مراعاة ميولهم ، وتوفير أماكن الشغل والعمل حسب أعمارهم ومستوايتهم ، وتعاون المجتمع معهم، ونزول ذوي الاختصاصات التربوية إلى ساحاتهم، وفتح المجال أمامهم للاحتاك بالعلماء وطلبة العلم، مع توعية الشاملة من العلماء،ومستمرة. فمسؤولية التعاون على صلاح البلاد والعباد مشتركة بين الجميع.

قال تعالى :{{ وتعاونوا على ابر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان }}

وسبحناك اللهم وبحمدك أشهد ان لا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك.

-- سحاب نت يوسف لعويسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*