الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » انتفاضة مصر إصلاحية لا بوعزيزية!

انتفاضة مصر إصلاحية لا بوعزيزية!

ربما كان أهم من ردود الأفعال الدولية المتوترة والمتواترة تجاه ما يحدث في مصر، هذا الخيال البوعزيزي الكامن وراء مشهدها الراهن، والذي هرب من أمامه الرئيس التونسي في 14 كانون الثاني (يناير) الماضي، دون إدراك فارقين مهمين بين المشهدين المصري والتونسي:

أولهما أن هروب بن على جاء فجأة فلم يتوقعه مؤيدوه أو معارضوه، فنجحت الثورة سريعاً، بينما جاء رحيل مبارك مطلباً رفضه ويرفضه معه كذلك أركان النظام (النائب – الحكومة – الجيش)، وكذلك كثيرون رفضوا شخصنة التغيير التي تعيق عملية التغيير ذاتها، بل قد تنتج الانقلاب عليها، متى تغير الشخص، واكتفينا، ولم تتغير هندسة السياسة والدولة.

وثانيهما أن الحالة التونسية التي أعقبت الهروب المفاجئ لم تكن مثالية، ولم تنجح الشرعية الثورية التي أعقبتها- ولا أقول أنتجتها- في هندسة الدولة والحكومة الجديدة بعد، في ظل سيطرة عدم الثقة وتحفز الفرقاء وتخوين الرفقاء… ما يجعل فزاعة «الفوضى» وخطورة الفراغ الدستوري والسياسي، وذلك في مصر الأكثر اتساعاً وتنوعاً، ذات شرعية، حيث قد يحرق المجتمع الدولةَ من دون أن يجددها!

وفي سياق استهجان البعض لبدء الحوار الوطني بين القوى السياسية المختلفة ونائب الرئيس، يؤكدون الشرعية الثورية الجديدة التي ترفض الترقيع الدستوري أو السياسي، بل تضرب الضربة القـاضية أعداءها، رغم أن الـشرعية الثورية لا يمكن تمكينها دون تقويض كامل لأركان النظام القديم، وهو ما يهدد بصدام محتمل قد لا تحمد عقباه بين حركة احتجاجية سلمية ونظام لا زال يحتفظ بالكثير من القدرة التفاوضية والمناورة السياسية، وربما لا يعطي لمعارضيه ما يريدونه مرة واحدة.

ولا يصح في هذا السياق الدفع بإمكانية الحوار باليأس من إمكانية إصلاحه وعدمية إعطاء الفرصة مئتي يوم بعد أن أعطوها ثلاثين عاماً! وهو ما يتجاوز حقيقة أن ما حملته ثورة الشباب في 25 كانون الثاني أدهش الجميع بمن فيهم الشباب أنفسهم، والنظام الذي لم يتصور كل هذا الإصرار المبدع والجسور الذي لم يتعود عليه من قبل عتقائه، كما أدهش النخب التي أخذت بعد الثورة التونسية تنظّر لتفسير «ضعف الفعل الثوري عند المصريين» وغيبة تأثير القوى الإلكترونية الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي على الأرض. ومن هنا كان يوم 25 كانون الثاني لحظة فاصلة في تاريخ مصر، لا يستطيع أن ينكرها أحد، وقد نالت مطالبها المشروعة إجماعاً دولياً ووطنياً غير مسبوق.

لكن بينما أرادتها القوى الجديدة لحظة بوعزيزية أرادها آخرون ثورة إصلاحية، لأن الأولى قد لا تنجح في مصر التي تختلف عن تونس من وجوه عدة… وهنا كان الخلاف بين من رحبوا بالحوار وقبلوه وبين من أراد النهاية انطلاقاً فقط من ميدان التحرير! وتوزعت النخب بين الموقفين بينما الناس والاقتصاد يشكون الحال ويزداد ميلهم كل يوم للحوار.

وبينما أكدت رموز سياسية تبعيتها المطلقة لشباب ميدان التحرير، وأن لا رأي لهم، تحول آخرون كانوا في حضن الدولة إلى حضن الميدان، كما أراد كل الطامحين لسدة السلطة التماهي مع الميدان حتى يحمله إلى ما يطمح إليه، دون تمارين سياسية بعيداً من تصلبات الطرفين.

هذا بينما حاول اتجاه آخر البحث عن مخارج سياسية آمنة للظرف الدقيق، تضم مستقلين اصطلح على تسميتهم لجنة الحكماء وكذلك رؤساء أحزاب الوفد والتجمع والناصري وبعض الأحزاب الأخرى، وأخيراً انضم إليهم الإخوان المسلمون، وهم جميعاً لم يزايدوا على الشباب كما لم يفرطوا فيهم، ساعين لتقريب وجهات النظر بين الثورة والسلطة، واستعادة الثقة عبر عدد من الإجراءات الفورية تتضمن الإفراج الفوري عمن اعتقل من الشباب، وتأمين خروج آمن ودستوري ينفي إمكانية الصدام الناتجة من التماسّ الملتهب بين «ارحل» اليوم، والرحيل بعد مئتي يوم!

ولكن ما إن بدأ الحوار حتى غدا التخوين والاتهام علامة على كل من شارك فيه أو دعا إليه، فالحوار محاولة التفاف على الثورة، وائتلاف المعارضة أحزاب كرتونية، رغم أن بعض شبابها وشيوخها في الميدان حتى تاريخه، وأن من مثلوا الشباب ليسوا شرعيين، كما تم اتهام الإخوان المسلمين بأنهم أداة من أدوات النظام! وكأن حديث الإصلاح ولد في 25 كانون الثاني ومع هؤلاء فقط، وعلى المصريين جميعاً أن يستأذنوهم قبل أن يخوضوا فيه!

فليس التخوين واحتكار مصر سمة كثير من شباب التحرير فقط، بل من مدعي البطولة أيضاً في مختلف وسائل الإعلام العربية، فقد ابتسم المذيع المصري في القناة العربية مظهراً شماتته بعد مقاطعة بعض الدهماء لخطبة شيخ أزهري معروف في ميدان التحرير، ذكر فيها طمأنينته وتصديقه لحديث رئيس الوزراء الجديد، فقاطعوه بهتافات لا تليق. ابتسم المذيع دون أن يقول « هذا لا يجوز» مؤكداً لكثيرين أنها فرصة ادعاء البطولة مع احترامي للصادقين الذين يؤمنون بحق الاختلاف والاعتراف!

-- الحياة - هاني نسيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*