الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كيف تختلف دول الخليج العربي عن تونس ومصر؟

كيف تختلف دول الخليج العربي عن تونس ومصر؟

هناك الكثير ممن يراهن على إحداث التغير في المنطقة بشكل عام، بما فيها منطقة الخليج العربي، وترى مثل هذه الأصوات التي بدأت تتعالى أن التغير مسألة وقت، وفق نموذجي تونس ومصر.. وهذه الأصوات التي بدأت تتعالى هي نفس الأصوات التي كنا نسمعها بعيد احتلال العراق للكويت، وبعيد أي حدث آخر إقليمي أو دولي..

وهذه أصوات اعتادت عليها منطقة الخليج تكرارا ومرارا.. فهي سيناريوهات أقرب للأماني منها إلى الواقع..

تختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي في بنيتها المجتمعية والاقتصادية والسكانية عن باقي الدول العربية، حيث الهيكلية السكانية مبنية على نظام القبيلة كسياج محوري ومكون أساسي في التركيبة السكانية، وهو يختلف عن كثير من المجتمعات العربية الأخرى في المشرق أو المغرب العربي. كما أن الأوضاع الاقتصادية في دول مثل تونس ومصر وغيرها من الدول غير النفطية هي أوضاع ضاغطة جدا على الحكومات والشعوب بينما دول مجلس التعاون الخليجي هي دول نفطية ذات مقدرات مالية هائلة، واستطاعت أن تهيئ بنى اقتصادية ممتازة في جميع دولها. كما أن الأوضاع الاقتصادية للأفراد هي أفضل مما عليه الأحوال لدى الأفراد في الدول العربية الأخرى.

وهناك عامل آخر مختلف عن بعض الدول العربية وهو أن دول الخليج العربي لم يعرف عنها أنها دول قمعية، وذات سطوة أمنية على مجريات السكان والحياة في هذه المجتمعات. فهي دول تحترم الجميع، والسكان بمختلف شرائحهم ومناطقهم وخلفياتهم.. كما أن قنوات التواصل السياسي مع كبار الشخصيات من ملوك ورؤساء وأمراء دول المنطقة هي مفتوحة ولا توجد حواجز تقف دون تظلم فرد، أو شكوى شخص، أو طلب مواطن.. في حين أن بعض الدول العربية الأخرى هي ذات سياسات أمنية طاغية على حياة الناس والمواطنين هناك، ويمكن أن يطلق عليها بأنها دول بوليسية في الإجمال كما كانت تونس ومصر وربما غيرها كذلك.

وهناك سبب آخر يكمن في شخصية الفرد الخليجي فهي شخصية متزنة مبنية على أساس الاحترام والتقدير للكبير وعلى الاهتمام ورعاية الصغير، وهي شخصية تقدر ولي الأمر وملتزمة بقواعد الشريعة الإسلامية التي تحث على علاقة احترام وتقدير بين الناس وولاة أمورهم. والشخصية الخليجية هي شخصية تدرك أهمية وحدة مجتمعاتها وترابطهم كأفراد ضمن منظومة تلاحمية مع المؤسسات والدولة في حماية كيان المجتمع واستمراره..

وعندما نؤكد هنا على أن النموذج الخليجي يتفرد عن باقي النماذج السياسية الأخرى في الوطن العربي وفي منطقة الشرق الأوسط، فإننا نؤكد في نفس الوقت أن هناك مساحات واسعة ومجالات كثيرة لتطوير وبناء المجتمعات والدول الخليجية بشكل أفضل. ويجب أن ندرك تماما أن القيادات الخليجية حريصة على أمن واستقرار بلدانها، وفي نفس الوقت هي شديدة الحرص على تبني أي أفكار ومقترحات للتطوير.. وفي ظني الشخصي أن هناك عوامل أساسية تحتاج إلى وقفات جادة خلال هذه الفترة، ويجب ألا ينظر لها أبدا أنها ردة فعل، بل ستكون استجابة لتوجهات المجتمع، ودراسة لأحواله قبل أي شيء آخر.. ومن هذه الأمور:

1- توسيع نطاق المشاركة السياسية، وإتاحة الفرصة لأكبر قدر من المواطنين في خوض تجربة مثل هذه المشاركة على مستوى مجالس الشورى والبرلمانات أو المناطق او البلديات أو حتى بالجامعات وغيرها. وهناك دول في المجلس حظيت بمثل هذه التجارب، ودول تسعى من سنوات إلى ذلك.

2- تعاني دول الخليج العربي بدرجات متفاوتة من مشكلة البطالة، وهي مشكلة تورق مئات الألوف من مواطني هذه الدول، وتحتاج إلى وقفات جادة لحل هذه المشكلة بشكل جذري. وهناك حلول ممكنة، ولكن تحتاج إلى تضافر القطاعين الخاص والحكومي في هذا المجال.

3- تعاني بعض دول الخليج من مشكلة السكن، فقد تصل نسبة من لا يملك مسكنا إلى حوالي ستين أو سبعين في المائة من السكان، وهذه مشكلة كبيرة تورق الكثير من مواطني بعض هذه الدول بدرجات متفاوتة. ولاشك ان الحلول كذلك ممكنة في هذا الخصوص.

4- تطوير الإعلام بمؤسساته المختلفة.. حيث إن الإعلام هو قنوات التواصل بين القيادات والمواطنين، ويجب ان نعترف ان الإعلام وخاصة في بعض دول الخليج العربي لم يلب احتياجات المواطن حيث أصبح غريبا عنه، ولم يشعر المواطن أنه جزء من هذه المنظومة. والحكم العام على أداء القيادة والمؤسسات الحكومية يأتي من الإعلام، فإذا كانت الصورة قاتمة فإن هذا ينعكس جليا في الصورة العامة للدولة لدى المواطن. كما أن الإعلام الرسمي هو إعلام تقليدي مبني على مفاهيم الإعلام القديم، ولم يتكيف أو يتفاعل مع وسائل وشبكات الإعلام الجديد.. ونعلم ان مصادر المعلومات للمواطنين في كل دول العالم أصبحت معتمدة على الإعلام الجديد في مجتمعات ذات قوة إعلامية هائلة، فماذا سيكون عليه الحال في مجتمعات ذات إعلام تقليدي، وإعلام رسمي بحت. فلاشك أن العلاقة مع الإعلام ستكون علاقة منقطعة تماما. والإعلام هو واجهة النظام السياسي، وهو وسيلة معرفة نبض الشارع، وهو قنوات قراءة هموم الناس ومعرفة تطلعاتهم، فإذا غابت مثل هذه الأمور عن الإعلام، فسيصبح الإعلام أداة معطلة في المجتمع، وتصبح عبئا على أي نظام سياسي، بل قد تكون أحد عوامل التأثير السلبي في المجتمع.

وأخيرا، فكما أوضحنا فإن من يغني على أن نغمة التغير قادم هم أشخاص ومؤسسات وربما وسائل إعلام غربية، تحاول زعزعة الاستقرار والأمن في منطقة الخليج.. ونحن بدورنا نعلم أن التاريخ لا يتكرر لمجرد حدوثه في مكان آخر قريب أو بعيد، ولكن القراءة المتعمقة لتاريخ المجتمع وخصوصية المنطقة يجعل الإنسان يدرك مدى الاختلاف في البنية الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتنا الخليجية عن غيرها من المجتمعات العربية الأخرى، وفي نفس الوقت ندرك أننا لسنا مجتمعات ملائكية أبدا، فلنا أخطاؤنا ولنا مشاكلنا، والمهم أننا نحتاج أن نبدأ في مواجهة مشاكلنا ووضع الحلول المباشرة لها. ولربما لو وضعت دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجيات واضحة، وحلولا مشتركة، وبرامج عمل واحدة لكان أجدى حيث سيكون ذلك عملا مجلسيا مهما لنقل دوله إلى مصاف الدول المتقدمة، والارتقاء بمواطني دول المجلس إلى القرن الحادي والعشرين وهم سياج واحد لوحدة خليجية مشتركة.

-- صحيفة الجزيرة - د. علي بن شويل القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*