الخميس , 25 مايو 2017
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العلم يدعو للإيمان: التّوازن

العلم يدعو للإيمان: التّوازن

لو نظر أي واحد منا، إلى إنسان يحاول الوقوف على قدم واحدة، فإنه لاشك سيلاحظ عدم القدرة من هذا الإنسان على الثبات واقفاً، إلا بعد الاتكاء على جدار أو الاعتماد على شاخص: كالعصا أو عمود أو غير ذلك، وكل منا معرض للسفر، فإذا ركب أي فرد منا في سفينة، أو وقف على حافة ماء تحركه الرياح فإنه سيصاب بالدوار.

وهكذا لو سرنا مع الإنسان، في كثير من مواقفه، فإننا سنلاحظ عليه أموراً في نظراته وعدم تركيز العين وفي مشْيتهِ حيث لا تستقيم في بعض المواقف، فيصيبه بعض الترنح والميلان حسبما يسمونه.

وفي بعض الحالات قد يكون هذا الطارئ خطيراً أو قد يودي بالحياة عندما يختل التوازن والإنسان على حافة بئر أو حفرة عميقة، فيدفه ذلك للسقوط فيها، أو سار على جدار شاهق فقد يقع منه، أو غير هذا من مواقف تؤثر من في توازن الإنسان، بأماكن خطرة كالعمال في العمائر الطويلة وغير ذلك.

والتوازن في الإنسان سر من أسرار النفس البشرية، يستقيم مع استقامة الجسم، وتوازن الغذاء فيه، أو عدم أخذ قسط كافٍ من النوم، فيتعب الجسم نتيجة ذلك، وصدق الله العظيم في قوله: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} (النبأ 9)، قال المفسرون: أي راحة لأبدانكم.

فيختل الجسم بقواه، مع أي مؤثر يعتري المخ، أو يخل بوظائف الغذاء في هذا الجسم، ولما كان العقل هو قوام الإنسان، وسر التكاليف الشرعية، لذا فإن أي مؤثر لاختلاله، بأي سبب من الأسباب: من صِفَرٍ أو جنون أو نوم، مما يجعل التكاليف الشرعية، تُخفف ويُرفع عن صاحبها القلم، لأن العقل الذي جعله الله مخاطباً بالتكاليف، هبة من الله سبحانه فإذا سلبه الله من الإنسان تَسْقُط بذلك التكاليف والواجبات، كما أبان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي علمه ربه ما يجب على النفس البشرية، وما سقط عنها، واقتران ذلك بالعقل ومكانته: وفاءً أو نقصاناً.

فيقول صلى الله عليه وسلم: (رُفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يُفيق) متفق عليه، ومن هذا المنطلق، جاءت شريعة الإسلام، بالتشديد في المحافظة على الضرورات الخمس ومنها العقل، وتحريم ما يؤثر فيه كالخمر، التي سُميت في الشريعة بأم الخبائث، وأم الكبائر، لأنها تخامر العقل، وتسيطر على مراكز الاتزان في الجسم، علاوة على إفسادها الخلايا الدقيقة في الكبد والمخ، ولذا عُرفت بأنها مبعث الشرور، ورأس كل خطيئة يقترفها الإنسان، وعلاوة على أنها تقود للجريمة فإنها تُهلك الجسم. والتفاعلاتُ في جسم الإنسان، أمرها عجيب وحركتها قوية ونافذة فأي شيء يدخل الجسم، فإن أجهزة الإحساس، المرتبطة بالجهاز العصبي المركزي تُصدر الإنذار بالخطورة، وتعطي أوامرها في الجسم كله، ليتم التفاعل إزاء الإحساسات الناتجة، من الإثارة كما يتم في هذا الأثناء إجراء الظواهر الغريبة، والرائعة للفكر والإرادة والشعور حتى يتحقق بتوفيق من الله للجسم إنذارات تدافع عنه وتحركات تقي من المخاطر، فكل ما خامر العقل وأفقد التوازن فهو مما نهي عنه شرعا لضرره العاجل أو الآجل.

ذلك أن المخ، الذي لم يستطيع العلم الحديث بأبحاثه ومتابعاته، أن يخرج بمفهوم كامل عنه، ولا عن أسراره ونوعيات عمله، مع صِغَرِ حجمه، ولكن المفهوم السائد اليوم أنه بمثابة مركز العمليات في الأمور العسكرية حيث إن غرفة العمليات تهيأ في أحصنِ موقع في الدولة، وفي أكثر الأماكن أماناً وبُعْداً عن المخاطر، كما تحاط بإجراءات أمنية دقيقة وتحصينات دفاعية محكمة، واتصالات متطورة بسائر القطاعات العسكرية، في أطراف الدولة ليسهل أخذ وإرسال المعلومات والأوامر.

وهكذا المخّ فإننا نلمس من أسراره وعجائب ما هيأه الله له، أنه في أعلا موقع من الإنسان وهو الرأس الذي خصّه الله بالأجهزة بالغة الحساسية، كالنظر والسمع والشم والذوق فهو مركز الإحساس في التوازن. وبالأعضاء المسيطرة على هذه الحواس، وحفظته العناية الإلهية، بعظام الجمجمة، التي هي من أصلب أعضاء عظام الجسم، وبالفراغات المحيطة به التي من مهمتها، وقايته من الصدّمات، والتأثيرات المطلقة على الرأس أياً كان نوعها، فسبحان من خلقها وحماها بحكمته البالغة.

ويرتبط المخ والنخاع الشوكي، ويطلق عليهما الجهاز العصبي المركزي بالجهاز العصبي الطرفي، هي الأعصاب التي تأتي من سائر أنحاء الجسم ليأتي في اتصالها بالجهاز العصبي المركزي، أن تحمل في هذا الاتصال رسائل الحسّ بأي طارئ على البدن، كما تحمل في اتجاه مضاد، توجيهات من مركز الإحساس في الجهاز العصبي المركزي، وهو في المخ، للأعضاء في سائر الجسم لتؤدي دورها المطلوب، كما يُعمل تماما في غرفة العمليات، في إعطاء الأوامر، وأخذ المعلومات في آنٍ واحدٍ لأن هذه الأجهزة متناهية الصّغر أوجدها الله في جسم الإنسان، لتأخذ وتعطي بأقصى سرعة ممكنة، إلا أن أجهزة الإنذار المبكر في الجسم أدق عملا، وأسرع إبلاغاً بالأخطار التي تؤثر في الجسم: كأثر الخمور، والمخدرات والمشروبات أو المأكولات الضارة على الجسم، وهذه الأشياء من الجنود الخفية التي تدافع عنا المخاطر {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} (الحج 38). وما تُحرم الخبائث كلها في شريعة الإسلام، إلا من الوقائية قبل استعمالها من مدافعة الله عن عباده المؤمنين.

وإذا رجعنا إلى الجسم عموماً، ونظرة التوازن فيه فإننا نراه كتلة واحدة يؤثر فيه القليل فيشل حركته كلها، كما تعمل الكهرباء في تشغيل الأجهزة المتنوعة، فإذا انقطع التيار توقفتْ الحركة في الأجهزة كلها، وتعطل الانتفاع بها فكذلك الجسم مع ما أودع الله فيه من أعمال وأحاسيس، نراه إذا توقف عنه الغذاء طعاماً أو شراباً تختل توازناته، وتنشل حركته وأول ما يبدأ بالترنح لأي طارئ على جهاز الإنذار وهو المخ، لأنّ أهم شيء يحرك التوازن: نقصان الغذاء أو دخول الجسم شيء من الحرمات: مغتراً أو مخدراً أو الحرمان من النوم الكافي وهذا من حكمة الإسلام في التحريم، لأن الله سبحانه لم يُحرم على عباده شيء إلا لحكمة بالغة ولضرر يبرز أمام الناس بمردوده على الجسم وخلاياه.

فالجسم نراه إذا توقف عنه الغذاء طعاماً أو شراباً يختل التوازن فيه، وتنشل حركته أو نقص النوم بتعب أو إجهاد، ولذا فإن المتابعين للغذاء النباتي الذي أخرجه الله من الأرض لصالح الإنسان يلاحظون ما جعل الله فيه من توازن، تستقيم به حياة الإنسان، وينتظم به تقويم التوازن في مهمات جسمه وقدرته على العمل، ومن ثمَّ سلامة الأعضاء في أداء عملها ومتى نقص في الغذاء جزئيات طفيفة: يُطلق عليها علمياً الفيتامينات، فإنّ التوازن في الأداء الوظيفي يختل، أما إذا زادت تلك الجزئيات عن حاجة الجسم، فإن إرادة العزيز الحكيم اقتضت أن يأخذ الجسم كفايته الدقيقة المحكمة، ثم يتخلص الجسم من الباقي بدون أي تأثير على الوظائف الأخرى، أما إذا كان هذا النوع الغذائي مما يستهلك منه كميات في أوقات متقاربة، فقد هيأت القدرة الإلهية، للجسم عملا يتناسب مع ذلك الاحتياج، وذلك باختزان كمية احتياطية لوقت آخر، فسبحان من قدّر ذلك وحمانا من المخاطر، ولا يخطر ببال واحد منا، دور المعامل في أجسامنا ولا كيفية عملها.

ونأخذ جزءاً من كتاب المستخلص في الطب النباتي والطبيعي الذي تحدث عن أبرز المصادر الطبيعية للفيتامينات فقال:

1 – فيتامين (أ) يعطي الجسم جمالاً وبريقاً، ويقاوم النقص والأمراض، وله مصدران: حيواني في الكبدة والكلى والزبدة والقشدة والحليب وزيت كبد الحوت، ونباتي في الجزر والمشمش والبطيخ الأصفر والبقدونس، والسبانخ والشمندر.

2 – فيتامين (ب) وهو عدة فيتامينات، وكلها ضروريّة للجسم (ب1) يوجد في الأرز والقمح والشعير، والذرة والخضار الطازجة البطاطا والتفاح، و(ب2) يسمى فيتامين الجمال، والعيون البراقة ويوجد في الخميرة والسبانخ والفاصوليا، والحمص والمشمش، والفول والحليب والبيض والسمك ويؤدي نقصه إلى فقد التوازن وفقد النمو، و(ب6) له أهمية كبيرة في مرونة الأعصاب، ويؤدي الحرمان منه إلى الصرع، والأمراض الجلدية، ويوجد في الحبوب والبطاطا والفاصوليا، والبرتقال والحليب واللحم الأحمر، و(ب7) ويعرف باسم (ب ب) ومن خصائصه المحافظة على الجلد، وله فاعلية في الدماغ والجهاز الهضمي، ويؤدي الحرمان منه إلى آفات جلدية، واضطرابات هضمية وعقلية، وفقر الدم، ويوجد في الخميرة والملفوف والجزر، والبندورة والبصل والعدس والتفاح والليمون والحليب، و(ج) يزيد تألق اللون ولمعانة، ويعزز قوى الجسم، ويصلح ما تفسده الأيام فهو مساعد للنمو، والتئام الجروح، وجبر كسور العظام، ونقصه يسبب النزيف الدموي في اللثة، و(و) يؤدي نقصه إلى الشلل، وإسقاط الأجنة عند الحوامل، ويوجد في الخسّ، والبندورة، والجزر وصفار البيض، والجوز، وكثير من الزيوت.

فما أعظم لطف الله سبحانه بعباده، وما أكبر نعمه حيث سخر لهم ما في الأرض جميعاً وأحلّ لهم الطيبات وحرّم عليهم الخبائث، وما يخل بتوازنهم.

 

-- الجزيرة : د. محمد بن سعد الشويعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*