السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حركة 20 فبراير وتداعياتها على العمل الحكومي والحزبي في المغرب .

حركة 20 فبراير وتداعياتها على العمل الحكومي والحزبي في المغرب .

تعرف الساحة السياسية في المغرب تفاعلا مباشرا مع حركة 20 فبراير التي أسسها الشباب المغربي عبر  الموقع الاجتماعي (فيس بوك) وترجموها إلى مسيرات ومظاهرات احتجاجية على امتداد التراب المغربي مطالبين بالإصلاح والتغيير.

وبالقدر الذي تعاطى فيه حزبيون مع هذه الحركة ودعوتها بنوع من الاستخفاف أو عدم الاكتراث حتى لا تعطاها أهمية أكبر من حجمها ، فإن بعض التنظيمات الحقوقية والسياسية انخرطت فيها بقوة لدرجة تجاوزت ، في بعض المدن ، الإطار التنظيمي والأهداف المسطرة من قبل التنسيقيات.

وهذا ما شدد عليه سعيد بنجبلي ، مؤسس صفحة الحركة على الفيس بوك  في بيانه عقب  مظاهرات 20 فبراير : “إن هيئات سياسية من اليسار الجذري، نكن لها كل احترام وتقدير، تقدم دعما كبيرا لما يسمى شباب حركة 20 فبراير ومنحت لنفسها مقابل ذلك حق توظيف هؤلاء الشباب وتسخيرهم من أجل تحقيق أجندتها الخاصة مستغلة قلة صغر سنهم وقلة خبرتهم، وهو ما يهدد باحتواء الحركة الوطنية المفتوحة واستغلالها لأهداف ضيقة، وقد تمت محاولات منا ومن أطراف وسيطة رمت إلى حث المعنيين على القبول بالدخول في تنسيق متكافئ ومشاطرة الخطط والمعلومات بين جميع الأطراف المشاركة، إلا أن هاته المحاولات فشلت جميعها بسبب ما أبانت عنه هذه التنظيمات اليسارية الجذرية من استبداد بالرأي وتصلب لا يطاق”.

وبين الموقفين اتخذت الحكومة موقفا متزنا على مستويين:

المستوى الأول : ترجمته الحكومة في إعلانها السماح للشباب بالتظاهر السلمي وفق البرنامج الزمني والتنظيمي الذي حددته حركة 20 فبراير ، فضلا عن إبداء احترامها للشباب وتفهمها لمطالبهم.

وفي هذا الإطار نقل الناطق الرسمي باسم الحكومة على لسان الوزير الأول بأن (الحكومة استجابت، بتلقائية، لرغبة عدة جهات في تنظيم هذه المظاهرات، حيث تم التعامل معها بانفتاح من طرف السلطات العمومية ومختلف القوى الاجتماعية والسياسية، بما فيها تلك التي لم تشارك عمليا فيها).

المستوى الثاني : ترجمته الحكومة من خلال سحب الأجهزة الأمنية من الشوارع تجنبا للاحتكاك مع المتظاهرين الذي قد تتولد عنه ردود فعل غير محسوبة يمكن أن تكون الشرارة التي تولد الحريق.

وهذا الموقف المتزن للحكومة كان موضوع إشادة من طرف هيئات حقوقية على رأسها “هيومن رايش ووش” التي أشار بلاغها الصادر في الموضع يوم الاثنين 12 فبراير  إلى أن “كافة المسيرات عبر المملكة جرت بصفة عامة بطريقة سلمية ماعدا بعض الأحداث التي قام بها متظاهرون في مراكش وفي الشمال”.

ونفس المضمون السلمي للمظاهرات أشارت إليه  السيدة سارة ليَا وُويتْسُون بصفتها المديرة المكلفة بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا  في قولها  “تظاهرات نهاية الأسبوع بمراكش عرفت غيابا لأفراد الشرطة الذين لم يبرز إلاّ تعداد قليل منهم” ؛ وأضافت بأن “قوات الأمن مكنت المواطنين المغاربة من القيام بمسيرات سلمية ” . ونفس الموقف عبر عنه السيد مالكولم سمارت، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة العفو الدولية ، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “إننا نشيد بالنضج الذي أبانت عنه السلطات المغربية”.

وعلى الرغم من التباين بين الأحزاب في مواقفها  من حركة 20 فبراير ، فإن كل الأطراف السياسية ( حكومة وأحزاب ) تعمل على استثمار الحركة الاحتجاجية الشبابية كل من زاويته . وهذه نماذج للذكر لا الحصر ، وهي مواقف أولية لأن الحدث لازال في بدايته ومفتوح على أكثر من احتمال :

1 ـ بالنسبة للحكومة التي باتت تحت الضغط متعدد الجهات : نقابات ، هيئات مدنية ، هيئات حقوقية ، تنسيقيات محلية ضد الفساد وارتفاع الأسعار ؛ فضلا عن الضغط المتزايد الذي أصبحت تمارسه الحركة الاحتجاجية التي يقودها الشباب ، فإن المتتبع لعمل الحكومة يلمس ارتفاع وتيرته بالقدر الذي يتفاعل مع عدد من المطالب المرفوعة .

وهذا ما أكد عليه الوزير الأول  عباس الفاسي عند افتتاحه أشغال مجلس الحكومة يوم 24 فبراير بأن “ما هو مطلوب الآن هو استمرار الحكومة في مباشرة الإصلاحات التي شرعت في تحريكها منذ البدء، والتي هي مطالبة بتسريع وتيرتها”.

إذ بادرت الحكومة إلى الاستجابة لمطالب المعطلين من حملة الشهادات الجامعية العليا حيث وافقت على تشغيل 4000 ابتداء من شهر مارس 2011 . فضلا عن اتخاذها سلسلة تدابير اقتصادية واجتماعية ( دعم صندوق المقاصة بمبلغ 17 مليار درهم ليصل المبلغ ا|لإجمالي لدعم المواد الأساسية إلى 32 مليار درهم ، بالإضافة إلى فتح الحوار مع النقابات لتجاوز وضعية الاحتقان الاجتماعي ).

ولا شك أن حركة 20 فبراير  حركت الماء الراكد وجعلت الحكومة تلتقط الإشارات وتجنح إلى التفاعل الإيجابي وتفهم حركة الشباب ومطالبهم كما جاء في جواب خالد الناصري   بأن “تاريخ 20 فبراير شكل محطة متميزة في المسار التاريخي والسياسي للمغرب ولا ننظر إليه نظرة سلبية، وإنما باعتباره مؤشرا على حيوية المجتمع المغربي وعلى أن هناك خزانا واسعا للتعبير عن جميع الآراء والمطالب المشروعة المرتبطة بأوراش إصلاحات مفتوحة” .

فهل ستواصل الحكومة تفهمها وتفاعلها الإيجابي  مع تزايد ضغط الاحتجاجات القطاعية والشبابية ؟ أكيد أن المصلحة العليا للوطن تستوجب إعادة النظر جذريا في أسلوب إدارة الشأن بما يقر العدالة الاجتماعية ويحترم كرامة المواطن . ولم يعد الوقت يسمح بالتردد في اتخاذ قرارات جريئة تقطع مع العشوائية والنهب واللاعقاب التي جعلت المغرب يحتل المراتب المتأخرة (85) ضمن الدول التي تنخرها الرشوة.

ــ بالنسبة للهيئات الاستشارية الموازية نجد الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة التي قدمت ، في جمعها العام العادي السابع، مشروعا استعجاليا لمحاربة الفساد من أجل إعطاء ديناميكية جديدة للسياسة المعتمدة  في مجال الوقاية من الرشوة ومكافحتها.

وفي هذا الإطار شدد رئيس الهيئة عبد السلام أبو درار، في الجلسة الافتتاحية ، على كون هذا المشروع يأتي كمساهمة من الهيئة في إعداد وتفعيل الجيل الجديد من الإصلاحات التي يستعد المغرب لإقرارها والتي “تستلزم إعطاء إشارات قوية حول انخراط البلاد الحقيقي والجدي في محاربة الفساد والمفسدين”.

ويهدف المشروع وضع ( آليات تترجم التوجهات الاستراتيجية العامة إلى التزامات وطنية لجميع فعاليات المجتمع، وضمان البعد الاستراتيجي لمكافحة الفساد، وتطويق وتجريم جميع أشكال الفساد، وتعزيز الأثر الردعي لنظام العقوبات، والتصدي للإفلات  من المتابعة والعقاب). وطالما انتقدت الهيئات الحقوقية الدولة على نهجها سياسة اللاعقاب مع المفسدين والمتورطين في نهب المال العام . كما أن المطالب التي رفعها المحتجون في حركة 20 فبراير كان على رأسها القضاء على الفساد ومعاقبة المفسدين .  

ـ بالنسبة للأحزاب السياسية ، فقد نفضت عن ملفات مطالبها طبقة الغبار الذي تراكم بفعل التناسي والتجاهل الناتجين عن اللهاث وراء فتاة المناصب وتجاهل مصالح الشعب ومطالبه في الإصلاح والتغيير.

بل إن هذه الأحزاب تساهم في الإفساد عبر منتخبيها وداخل القطاعات الحكومية المسئولة عن تسييرها ، الأمر الذي زاد من عزلتها وعمق من أزمتها  التنظيمية الداخلية . وما يثير الانتباه ، هو مبادرة حزب الحركة الشعبية الذي ما عارض دستورا يوما ولا طالب بتعديله ،ها هو اليوم يُقدم على مبادرة توجيه نداء إلى كافة الأحزاب من أجل صياغة مذكرة مشتركة حول الإصلاحات الدستورية.

وستتضمن المذكرة، حسب ما نقلته جريدة الصباح عن مصادر حزبية ، مطالب تتوزع   بين ما هو دستوري واقتصادي وسياسي، وذلك بالدعوة إلى تقوية مؤسسة الوزير الأول وإعطائه صلاحيات أكبر، وتقوية دور السلطة التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة).

ونفس المصادر  أكدت للجريدة ( أن المذكرة تأتي في سياق التفاعل الإيجابي لحزب الحركة الشعبية مع بعض المطالب التي رفعها شباب 20 فبراير في يوم التظاهر) . مما يعني أن الحزب ، وعبْر بلاغ أمانته العامة ، تجاوب مع مطالب الشباب التي اعتبرها  تتقاسم مع الأحزاب السياسية توجهها، وتؤكد تشبثها بالثوابت الوطنية .

ـ أما بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي ، فبالرغم من عدم دعمه لحركة 20 فبراير  ، إلا أنه في بيانه (يسجل بكامل الثقة ما يشهده المغرب من تعبيرات حيوية، لعل أهم تمظهراتها المطالبة بالتعجيل بالانتقال إلى مرحلة متقدمة من مسيرة توطيد الديمقراطية، والقطع مع مظاهر الفساد بكل وجوهه ).

بل عبر المكتب السياسي للحزب عن اعتزازه ( بدرجة النضج الذي أبانت عنه تظاهرات 20 فبراير السلمية، والتي عمقت المطالب الإصلاحية وحولتها إلى موجة عمق تلتقي مع مطالب حزبنا التي عبر عنها منذ مؤتمره الثامن، تضيف شحنة إضافية إلى تراكمات نضال القوى الديمقراطية والوطنية الصادقة من أجل بناء دولة المؤسسات ) . فالحزب ، اعتبر خروج الشباب في مظاهرات للمطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري فرصة له لتنبيه النظام إلى ضرورة استغلال هذه الفرصة التاريخية ( لتحقيق طفرة جديدة، لا سيما وأن المغرب يملك رصيدا مهما من الإصلاحات، والتي دشنها المغرب منذ 15 سنة ).

لهذا أكد بيان الحزب (على أن الإصلاحات الدستورية الرامية الى بناء مؤسسات قوية، حقيقية وقادرة على النهوض بشؤون البلاد، بما يستوجبه الوضع الحالي إقليميا ودوليا، يجب أن تكون اليوم على رأس الإصلاحات).

وحسب بيان الحزب ، ( فإن التظاهرات السلمية والشعارات المرفوعة أدانت الفساد بكل جوانبه ووجوهه، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحزبية، وهو ما يطرح ضرورة انتهاج حكامة جيدة تغير من طبيعة العلاقات الريعية والفاسدة السائدة اليوم في المجالات المذكورة، وذلك بإقرار سياسة واضحة وشمولية لمحاربة الفساد والرشوة في المجالات الاقتصادية والسياسية على السواء، وبمحاربة اقتصاد الريع والامتيازات، وربط كل الإجراءات بإعلان واضح عن الممتلكات، قبل وبعد تحمل المسؤولية) .

وبهذا تحول الحذر الحزبي من حركة 20 فبراير إلى تأييد وتبني لمطالبها . الأمر الذي سيعطي زخما قويا لهذه الحركة ويوسع قاعدتها الشعبية.

مما سيعقد من مهمة الحكومة والنظام في التعامل مع مطالب هذه الحركة خصوصا وأنها تخطط لأساليب  احتجاجية قد لا يمكن السيطرة أو التحكم في مساراتها إذا ما تماطلت الدولة في إخراج وأجرأة الجيل الجديد من الإصلاحات التي يطالب بها الشعب بمختلف مكوناته .
لهذا ، لا سبيل إلى تجنب الانزلاقات أو الفتنة لا قدر الله إلا بالتعامل الجدي مع مطالب الشباب التي هي مطالب مشروعة ولا زالت تلتزم باحترام الثوابت الوطنية ، وعلى رأسها الملكية كنظام سياسي موحد للمغاربة .

وما يؤشر على وجود إرادة سياسية لدى الملك محمد السادس بوضع المغرب على سكة الإصلاح والتغيير ، سلسلة الأوراش الكبرى التي يعطي إنطلاقتها باستمرار في  مختلف جهات المملكة ، وحثه الحكومة على الرفع من وتيرة عملها.

إلا أن العائق الدستوري يظل المشجب التي تعلق عليه أحزاب الأغلبية عجزها في التدبير الرشيد للشأن العام، الأمر الذي يستوجب تعديل الدستور ورفع كل العوائق الدستورية التي تضعف مؤسسة الوزير الأول، والحكومة والبرلمان، فضلا عن تفعيل عمل المؤسسات الاستشارية وإعطاء آرائه الصفة الإلزامية حتى لا تظل مجرد آراء للاستئناس بها لا تطبيقها . وهذا ينطبق أساسا على الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي ترأس الملك حفل تنصيب أعضائه يوم 21 فبراير .

وأما المغرب شهورا قليلة تفصله عن موعد الانتخابات المقبلة والتي يتوجب على الدولة ( ملك ، حكومة ، برلمان ،أحزاب ) ليس فقط ضمان شفافيتها ونزاهتها ، بل أساسا تعديلا دستوريا يستجيب لمطالب القوى السياسية والشعبية في بناء دولة المؤسسات وفصل السلط واستقلال القضاء ، ويفتح المغرب على تجربة الجهوية الموسعة لنقل سلطات المركز إلى الجهات وإشراك طاقاتها المحلية في التنمية المستدامة والحكامة الجيدة .

أما أي تعديل حكومي قبل موعد الانتخابات فلن يكون له أي تأثير إيجابي على العمل الحكومي ، حتى وإن تم تغيير الوزير الأول ، حسب ما تروجه الإشاعات الحالية . بل إن تغيير الوزير سيخلق مشكلة سياسية لأنه يمس بما بات يصطلح عليه بـ”المنهجية الديمقراطية” التي تجعل الوزارة الأولى من نصيب الحزب الفائز بأغلبية المقاعد البرلمانية . 

 

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*