الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مفاهيم متعددة لظاهرة الإرهاب

مفاهيم متعددة لظاهرة الإرهاب

بعد الهجمات التي هزت أميركا في ‬11 سبتمبر ‬2001، حاولت الولايات المتحدة جعل مكافحة «الإرهاب الدولي» محور السياسة العالمية. وكان من شأن هذا الخطر أن يحل محل التهديد السوفييتي المتلاشي، ويعيد هيكلة المنظومة العالمية بأكملها. بدا في البداية أن الأمور تسير على ما يرام، إذ ضم التحالف «المناهض للإرهاب» الذي تم تشكيله لإسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان، نصف العالم تقريباً. ولكن الأمر شهد تباطؤاً فيما بعد. كان التناقض يتمثل في أنه كان من المقرر أصلاً أن تقوم الحملة كاملة على أساس الأعمال المشتركة، ولكن الولايات المتحدة استخدمتها أيضاً كوسيلة لضمان هيمنتها العالمية، أي إرغام القوى الأخرى على السير في مجرى التحركات الأميركية.

إلا أن الأمر لا يقتصر على رد الفعل على سياسة واشنطن، حيث سرعان ما ظهرت شكوك في وجود ظاهرة «الإرهاب الدولي» من حيث المبدأ.

إن الإرهاب الحديث يجمع بين أسباب محلية بحتة لظهوره وتفاعلاته وتأثيراته الدولية، وهو في الواقع عبارة عن مجموع القوى والحركات، التي أغلبها انفصالية أو قومية متعصبة. وتعد كل قوة منها، سواء في روسيا أو إندونيسيا أو السودان أو فلسطين أو أفغانستان أو الصين أو الهند أو تركيا أو اليمن، في مواجهة مع حكومة معينة من أجل تقرير المصير أو تغيير النظام الاجتماعي والسياسي.

وفي مثل هذه الظروف تعتبر محاولة جعل مكافحة الإرهاب الدولي محور السياسة العالمية، مشروعاً محكوماً عليه بالفشل. أولاً، لأن التعريف العام ينقصه مضمون واضح، ويبقى تفسيره من اختصاص الساسة. ولا يثير الدهشة أن السلطات في دول مختلفة حاولت استغلال الوضع لتحقيق مصالحها الخاصة، لنتذكر هنا إجراءات منح المزيد من الصلاحيات للأجهزة الخاصة الأميركية، أو قرار إلغاء انتخابات المحافظين في روسيا بذريعة مكافحة الإرهاب.

ثانياً، لا يتم توحيد الجهود على أرض الواقع، حيث تحلف كل دولة بولائها للتحالف المناهض للإرهاب، وتعد بدعمه والتعاون معه، ولكن في حقيقة الأمر فإن كل دولة تقصد بذلك شيئاً مختلفاً. فالإرهاب الذي تتحدث عنه واشنطن ليس هو الإرهاب الذي تعنيه موسكو أو بكين، بل أحياناً يكون ما تعتبره موسكو إرهاباً، هو في نظر واشنطن نضال وحركات تحرر واستقلال. ونتيجة لذلك تتحول مكافحة الإرهاب إلى شعار فارغ أو حتى مصدر للاستياء المتبادل، حيث يصعب تفادي انتهاج سياسة المعايير المزدوجة. ثالثاً، تعد الوصفات العامة أمراً مستحيلاً، حيث يجب التعامل مع كل حالة على حدة، وفق الظروف الخاصة لكل مكان وزمان، ويجب استئصال الجذور المحلية الشائعة والمعروفة لكل حالة.

ولكن يبقى سؤال مهم ومحير، وهو؛ ماذا نفعل بعد، عندما يتحول العدو إلى شبح غير مرئي، مما يزيده خطورة؟ لا يوجد لدى الحكومات رد على هذا السؤال. يتلاشى وهم التسوية بسرعة بعد استخدام القوة، حيث يتجلى أن الحرب «غير المنتظمة» قد تستمر بلا نهاية، فيما ستزيد رغبة «الانتقام» أعداد صفوف جيوش العدو.

إن إزالة الأسباب المولدة للإرهاب تقتضي عملاً شاملاً على مدى طويل، دون ضمان نجاح ودون الإسراع في طلب الإنجاز. ولقد أدركت الولايات المتحدة ذلك في العراق وأفغانستان، وأدركته روسيا في القوقاز. ويعد الأمر أسهل بالنسبة للولايات المتحدة التي قد تنسحب ببساطة من البلدين في أسوأ الأحوال. ولكن روسيا لن تتخلص من القوقاز، وستضطر مجدداً للبحث عن التوازن بين القمع والتنمية.

 

 

-- صحيفة «ريا نوفوستي» الروسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*