الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في أحداث مصر الحبيبة

قراءة في أحداث مصر الحبيبة

المادة الثانية من الدستور المصري: (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع).. فلسفة التغيير خطيرة إذا لم تضبط مساراتها ولم تتم في خطوات متوالية وهادئة لأن القفز بشكل عشوائي وسريع قد يفقد القدمين توازنهما بل إن مصيرهما المتعثر في حفرة عميقة

المادة الثانية من الدستور المصري: (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)..

فلسفة التغيير خطيرة إذا لم تضبط مساراتها ولم تتم في خطوات متوالية وهادئة لأن القفز بشكل عشوائي وسريع قد يفقد القدمين توازنهما بل إن مصيرهما المتعثر في حفرة عميقة بديدانها الصفراء أو مستنقع بطحالبه الخضراء لا يغفر لمريدي التغيير والقفز مافي هذه الكلمة من إغراءات للشباب الذين لا يدركون أن التغيير مثلما يكون للأفضل فقد يكون للأسوأ، وقد بين القرآن الكريم هذين الطريقين فأثبت التغيير الأفضل قوله جل وعلا: ?وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ?.

وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش، أي: وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضاً وقد تحدث عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي عن تفصيل ذلك في كتابه مهزلة العقل البشري.

وأثبت التغيير الأسوأ قوله جل وعلا: ?وضَربَ اللهُ مثَلا قريةً كانَت آمِنَةً مُطمئِنةً يَأْتِيها رِزقُها مِن كلِّ مكانٍ فكَفَرت بأَنْعُمِ اللهِ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجوعِ والخَوفِ بِما كانوا يَصنَعون?، وخير شاهد على هذه الحالة قوم موسى عليه السلام حينما ملوا نعمة الله عليهم (المن والسلوى) فطلبوا من موسى عليه السلام ما هو أدنى من ذلك، قال جل وعلا: ?وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ?، وكذلك فعل الله بأمة سبأ حينما كفرت بأنعم الله وملت الخير والأمن فأرادت التغيير وطلبت منه أن يباعد بين أسفارهم قال تعالى: ?لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ?.

الحرية الحقيقية هي حرية العبودية المطلقة لله جل وعلا وليست الحرية حرية الشهوة والسلطة والشبهة والأخطر في هذه الزوابع التي هبت برياح التغيير أن يكون التغيير لمطلب تنموي بسيط ثم ينتهي بمطلب سياسي كبير، فيتجرأ الناس بعد ذلك على التغيير الأسوأ ولن يرضوا ولن يجتمعوا، والكارثة حينما يكون ذلك المطلب يخص هوية الأمة وثابت من ثوابتها كالتصويت على المادة الثانية من الدستور المصري، وأثبتت التجارب وفلسفة العلماء والمفكرين أن أي فكرة أو مطلب أو قاعدة يرفضها الناس ابتداء ثم تبدأ التنازلات في قبولها شيئاً فشيئاً وسنة فسنة حتى تملك في النهاية مدافعين عنها ومؤمنين بها يفرضونها بالقوة على البقية لو بمساعدة أجنبية أو بأيد غزاة وطارئين، ويدل على ذلك التخطيط الإستراتيجي قول الأنبا يوحنا قلتة النائب البطريركي للأقباط الكاثوليك: إن الاحتجاجات القبطية المطالبة ب «إلغاء المادة الثانية من الدستور المصري» ليست في صالح المجتمع الآن. وأضاف قلتة ل»بوابة الوفد»: مش وقته، لأننا نحتاج الآن إلى الاستقرار والأمن والسلام.. صدقاً أخشى على إسلامية مصر وعروبتها أمام المد الطائفي والمد الفرعوني وبخاصة في ظل نشاط الأمة القبطية ولجنة إحياء التراث القبطي وغيرها من الدعوات القومية في نبذ العربية الفصحى وسيكون كل ذلك التغيير عن طريق صناديق الاقتراع وشباب الفيس بوك والتويتر في ظل الجدل حول العروبة والمصرية وهو الجدل الذي قامت على أساسه أكثر الجماعات القبطية خلال التاريخ الحديث بسؤال: هل نحن عرب أم أقباط مصريون؟.. وشعار أن الأقباط أمة مسيحية لها تاريخ وذاكرة خاصة، وأن ثمة فصلاً بين العروبة والمصرية، وأن الفتح العربي كان غزوا، وضرورة إحياء التراث القبطي، واللغة القبطية وهي لم ترفع تلك المطالب بل بلورتها في تنظيم تجاوز عدد أفراده التسعين ألفاً معظمهم من المدنيين وفيهم رجال دين، ومثقفون من أشهرهم المفكر سلامة موسى العلماني القح، وحددت سبع آليات على الأرض لتحقيق هذه الأهداف، منها: التمسك بالكتاب المقدس وتنفيذ جميع أحكامه عن طريق دراسة علمية حديثة وأن يخرج منه العلم بجميع فروعه، دراسة اللغة القبطية بطريقة علمية حديثة وإحلالها محل اللغات الأخرى، والتمسك بعادات وتقاليد الأمة القبطية، ودراسة تاريخ الأمة القبطية والتعامل على أساس التقويم القبطي.

وإصدار جرائد يومية وأسبوعية وشهرية وإنشاء محطات إذاعة وقنوات فضائية تكون المنبر القوي للدفاع عن الأمة القبطية.

مصر الحبيبة مرت عليها منذ أن دخلها الإسلام في القرن الأول الهجري على يد القائد الإسلامي عمرو بن العاص كوارث وحروب وغزاة واحتلالات ولم يجرؤ أحد على مناقشة هذا الخط الأحمر المقدس لأن ثوابت الأمة المصرية وتاريخها الممتد طوال هذه القرون في الإسلام وموقعها الجغرافي يجعلان تعديل المادة الثانية أو إلغائها و إلغاء الهوية الإسلامية أمر غير مقبول على الإطلاق، وسوف يلقى استهجاناً كبيراً جداً من جميع أنحاء العالم الإسلامي والعربي، شعوباً وأنظمة على السواء، ولا أدري لماذا تذكرت في نهاية هذا المقال الصرخة المصرية (وا إسلاماه)، تلك التي صرخها المظفَّر سيف الدين قُطُز ذات يوم في أسماع العالم الإسلامي، وتردد صداها بين ظهراني المسلمين قاطبة؛ فتجاوب معه الكون كله، وهبّ جنود الإسلام لنصرة دينهم والذود عن حياضه، وسطروا بسيوفهم أروع البطولات في الجهاد ضد المغول.

نعم.. بئس التغيير إن كان للأسوأ، وقبّح الله الثورة التي تسمح بمناقشة هذا المبدأ الضرورة وتعطي مجالاً للعلمانيين والليبراليين وعبدة الشيطان والطوائف الأخرى أن تمس إسلامية مصر وعروبتها وتتجاهل شعور أكثر من ثمانين مليون مسلم مقابل نسبة ضئيلة لغير المسلمين ممن عاش في كنف إخوة المسلمين في الإنسانية على مر التاريخ الإسلامي الذي يؤكد أنه لا مسوغ لطرح ذلك النقاش حول المادة الثانية من الدستور، وفي ظل هذا الحراك الشبابي غير المنضبط وهوس تغيير كل شيء ابتداء من النظام وانتهاء بالهوية.. أخشى أن يبكي الناس على نظام حسني مبارك ذات يوم ودستوره ويدرك القرضاوي حينها خطورة ندائه في ميدان التحرير.. والله من وراء القصد.

-- صحيفة الجزيرة - د. عبدالله بن ثاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*