الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بُلدان تتَّحد وأخرى تتمزَّق

بُلدان تتَّحد وأخرى تتمزَّق

قَدَر الجيل الذي ينتمي إليه كاتب هذه السطور أن يشهد أفراده تقلّبات سياسية من مظاهرها توحّد بلدان، أو توحيدها، وتمزّق بلدان أخرى، أو تمزيقها. وتختلف أسباب تلك التقلبات ودوافعها.

وهي ليست محصورة في قارة دون أخرى، وإن بدت قارتا أمريكا هما الأبعد عن التمزّق؛ فما زالت البلدان في هاتين القارتين متحدة – على وجه العموم – بعد أن تكونت نتيجة قضاء المستعمرين القادمين إليهما من أوروبا على شعوبهما الأصلية بكل وسائل الإفناء القذرة المنافية للإنسانية.

لقد توحدت أقطار أوروبا الكبيرة – رغم ما كان بين بعضها وبعضها الآخر من حروب سابقة – في اتحاد بدأ عقلانياً بالجانب الاقتصادي، ثم تبعه الجانب السياسي. على أن بلداناً قليلة في أوروبا شهدت، في الفترة الأخيرة، تمزّقاً سياسياً، مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، ولم يكن اتحادهما سابقاً على أساس قومي؛ فانتهى ذلك الاتحاد على أساسٍ مظهره قومي ممزوج بمظهر ديني، وتكوّنت كتلة من الأقطار في جنوبي شرق آسيا لها وزنها الاقتصادي المهم.

فماذا عن تمزق البلدان أو تمزيقها؟

كانت مناطق شبه القارة الهندية موحدة تحت حكم الاستعمار البريطاني وهيمنته، ثم نالت تلك المناطق استقلالها، لكن نيلها ذلك الاستقلال واكبه انقسام نتج منه قيام كيان لكثير من مسلميها سُمّي باكستان مشتمل على باكستان الغربية وباكستان الشرقية. وكان تكوُّن ذلك الكيان على أساس ديني، لكنه انقسم على نفسه على أساس قومي. وفي ظني أن المسلمين الهنود لو بقوا ضمن دولة واحدة هندية شاملة للمسلمين وغيرهم لكان ذلك أنفع وأجدى، ولما صارت الأمور إلى ما صارت إليه من سوء.

وكانت البلدان التي تكوّن منها الاتحاد السوفييتي قد وُحّدت بالقوة، ورزحت تحت نير الحكم الشيوعي فترة طويلة. لكن ذلك الاتحاد تفكّك، وما كان لحكم مثله إلا أن يتفكّك. وكان استقلال البلدان التي غالبية سكانها من المسلمين قد تمّ على أساسٍ مظهره ديني، لكن من الواضح الجلي أن العامل القومي كان له دوره؛ إذ لا يبدو للعامل الديني أي دور في سعي تلك البلدان إلى وحدة أو اتحاد بينها، بل ظل كل بلد منها دولة مستقلة.

وماذا عن البلدان العربية ذات الغالبية العظمى المسلمة بالذات؟

كانت البلدان المغاربية مقسَّمة تحت نفوذ دول أوروبية مستعمرة، وبين هذه البلدان الجزائر، التي كان المستعمر الفرنسي يعدها جزءاً من فرنسا، مستهدفاً هويتها الوطنية، دينياً ولغوياً، ثم استقلت تلك البلدان رسمياً بعد تضحيات جهادية عظيمة، وإن تمكن المستعمر من ترك آثار أسهمت في حدوث ما يحول، حتى الآن مع الأسف الشديد، دون توحدها أو انسجام فاعل بنَّاء بينها.

أما بلدان المشرق العربي فمنها ما تم توحيده كالمملكة العربية السعودية – حفظها الله من شر ما يوجَّه إلى وحدتها من سهام أعدائها، داخلياً وخارجياً -، ومنها بلدان الشام والعراق وفلسطين، التي قُسِّمت وفق خريطة سايكس – بيكو المشهورة.

قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين الأولى. هكذا يشعر المخلصون لإسلامهم وعروبتهم، وهكذا يدّعي المُدّعون من العرب والمسلمين. قضية لم يوفَّق أولئك المخلصون في سلوك الطريق الصحيح في التعامل معها، ولم يكن أولئك المدعون إلا الوبال عليها. عدم توفيق المخلصين لها في سلوك الطريق السوي تجاهها جعل اليأس يدبّ شيئاً فشيئاً في نفوس بقيتهم. ومن آثار هذا اليأس رمي القضية – وهي قضية لا يجوز إلا أن تبقى قضية عربية إسلامية – على أكتاف قيادة فلسطينية لم يكن في مسيرتها ما يدل على توفيق في خطاها وقدرة على تحمل المسؤولية الملقاة عليها. ويكاد يسود اعتقاد بأن رمي القضية على تلك القيادة وحدها في التعامل مع العدو لأمتنا هو بمثابة التخلي عنها بوجه من الوجوه؛ ذلك أن الجميع يعلمون أن تلك المسيرة للقيادة الفلسطينية ينطبق عليها – مع الأسف الشديد – المثل الشعبي القائل: «كل عام ترذلون».

وبلاد الشام عرفها الجيل الذي أنتمي إليه موطناً لمشاعر عروبية وَحْدوية.. عروبية الانتماء لا عروبية العِرْق الاثني. ومن يتأمل تاريخ سورية – وهي المعلنة دوماً عروبتها – سيرى أن تلك المشاعر العروبية لم تَحُلْ دون حدوث الانفصال بين سورية ومصر؟ هل تلك المشاعر تغلبت على العقبات التي حالت دون وحدة، أو اتحاد، مع العراق حين كانت العراق مثل سورية تحكم كُلاً منهما زعامة تنادي بالوحدة العربية أم أن المشاعر الإقليمية كانت الأقوى رسوخاً كما بيَّن ذلك ساطع الحصري في كتابه (الإقليمية جذورها وبذورها)؟

وفي الأردن فقد أصبحت المشاعر القبلية تزاحم التوجهات الفكرية في المكانة، بل أكاد أقول: لم تعد الصدارة لهذه التوجهات، قومية عربية أو يسارية أو إسلامية، في انتخابات طلاب الجامعات – مثلاً – بل أصبحت الصدارة للقبلية بشكل واضح.

وماذا عن العراق؟

لقد قال الشاعر الملهم تطويع الكلمة، نزار قباني:

في فَمي – يا عِراق – ماء كثير *************كيف يشكو من كان في فيه ماء؟

وكان ذلك القول قبل أن تحتله قوى أعداء أمتنا من المتصهينين خدمة للصهاينة بالدرجة الأولى، وترتكب ما ارتكبته من تقتيل وتخريب ونهب. والحديث عن مأساة العراق بدءاً من تعاون فئة من أهله مع أعداء هذه الأمة وانتهاء بما وصلت إليه أوضاعه الآن بعد أن:

قُدِّمت بغدادُ في طَبَقٍ ************لعُلوجِ الحقدِ من ذهبِ

حديث يطول ويطول. وتمزّقه، طائفياً وإثنياً، واضح كل الوضوح.

وأخيراً ماذا عن الأهل في وادي النيل، مصره وسودانه؟

كل الحوادث، ماضياً وحاضراً، تدل على أن مصر كانت وستبقى – في نظر الصهاينة – العدو الرئيس لهم رغم ما قامت به الزعامة المصرية من توقيع اتفاقية مع أولئك الأعداء الذين نظروا إليها على أنها لا تقل انتصاراً لهم عن قيام دولتهم رسمياً، ونظر إليها الكثيرون من أفراد الشعب العربي وجماهيره على أنها أخطر ضربة وُجِّهت إلى القضية الفلسطينية بالذات. وتكرار اكتشاف الأجهزة الأمنية المصرية لشبكات جاسوسية صهيونية داخل مصر أحد الأدلة على نظر الصهاينة إلى الشعب المصري العظيم على أنه العدو الخطر لهم، إن خبت جذوة رفضه وجود دولة الصهاينة على الأرض العربية في الوقت الحالي فإنها سوف تتقد مستقبلاً. ومحاولات أعداء مصر من الصهاينة والمتصهينين لإشعال نار الفتنة بين مسلمي مصر ومسيحييها معلومة لدى الكثيرين.

وأما سودان وادي النيل فتمزقه متسارع الحدوث. والمستفيد الأول من هذا التمزق هم أعداء السودان أولاً وأعداء أمتنا على العموم ثانياً. لقد كان في السودان قيادات سياسية عظيمة، مثل إسماعيل الأزهري، وقيادات عسكرية مخلصة من أمثال عبود وسوار الذهب. ثم ابتلي ذلك القطر العزيز برجالات سياسة لا يهمهم إلا الوصول إلى كراسي الحكم وتثبيت مقاعدهم عليها؛ فكانت النتيجة ما يراه المرء من تمزق يبدأ بانفصال جنوب السودان عن شماله، ثم تسري العدوى -كما تبدو الأمور – إلى الغرب، ثم إلى الشرق، ثم إلى الشمال حيث تؤسَّس دولة نوبية من أراضي شمال السودان وجنوب مصر.

هذا ما يبدو أمام المتأمل في مسيرة الأحداث، لكن مُصرِّف الأحوال -جلّ شأنه – على كل شيء قدير.

-- صيحفة الجزيرة - عبدالله الصالح العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*