الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أينَ عقولُ النَّاسِ اليوم ؟!

أينَ عقولُ النَّاسِ اليوم ؟!

بسم اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ وحدهُ ،و الصَّلاةُ والسَّلامُ على منْ لا نَبِيَّ بعدهُ ، أما بعدُ :

فَمِنْ بابِ ضربِ المثالِ ، وتقريبِ الصُّورةِ الذّهنيةِ في مخيلةِ القارئ ؛ لتقعَ عنده في عالمِ المحسوس والمشاهدةِ ؛ أقولُ : هَبْ أَنَّ أُمَّةً منِ النَّاسِ انطلقتِ اليومَ نحو عمليةِ التغييرِ والإصلاحِ ؛ وقدَ أخذَ بها الحماسُ والغيرةُ كُلَّ مأخذٍ بعدَ أنْ رأتْ فُشُوَّ ألوانٍ من المنكراتِ في مجتمعاتها، وتصاعدَ وتيرةِ أشكالٍ منَ الظلمِ لا نظيرَ لها.

بَيْدَ أَنَّ هذهِ الأُمَّةَ انطلقتْ وهي في عِمايةٍ كاملةٍ عنِ المنهجِ الشَّرعيِّ الَّذي يضبطُ تصرُّفاتِها ، ويزنُ أفعالها ؛ فإذا بها تَتَحوَّلُ إلى ثورةٍ عارمةٍ ،  تأكلُ الأخضرَ واليابسَ؛ لا تُبقي ولا تذرُ ، وخطباءُ الفتنةِ ومؤجِّجو نيرانِ الثورةِ يلهبونَ حماسها ، ويُلقونَ في مسامعها ألا تقفَ عندَ حَدٍّ معينٍ ؛ وإِنَّما لتمضِيَ وتمضِيَ إلى غيرِ رجعةٍ ؛ ثُمَّ كانَ مِنْ حصادِ هذه الثَّورةِ البائسةِ البغيضةِ أَنِ انتُهِكتْ حرمةُ (البيتِ الحرامِ)-حَرَسَهُ اللهُ- ؛ وصارتْ كعبةُ اللهِ المشرَّفةُ المقدَّسةُ أثراً بعد عينٍ .

أَتَرَى مسلماً عَامِيًّا له أدنى مُسْكةٍ منَ العقلٍ ، فضلاً عنْ عالمٍ ، أوْ رجلٍ منتسبٍ للعلمِ يرضى بهذا الصَّنيعِ الإجراميِّ المنكرِ الأثيم ، أو يلتمسُ له المعاذيرَ ؟!
أَحْسِبَ بيقينٍ لا يُخالجهُ أدنى شَكٍّ أَنَّ جوابَ كُلِّ عاقلٍ ولو كانَ في رأسهِ أقلُ مثاقيلِ الذَّرِّ منَ العقلِ أَنَّ هذهَ الثَّورةَ لا خيرَ فيها ألبتةَ ؛ وأَنَّها لم تُولِّدْ إلا الفسادَ والدَّمارَ، ويا ليتَ النَّاس لم يخرجوا ولم يثوروا .

و لأَطْبقتْ كلمةُ العقلاءِ مِنْ المسلمينَ في أرجاءِ الدُّنيا الفسيحةِ أَنَّ هذا العملَ أبعدُ ما يكونُ عنْ ميزانِ العقلِ الصَّريحِ الَّذي ينسجمُ في تآلفٍ فريدٍ مع النقلِ الصَّحيحِ.

إذنْ فما بالُ النَّاسِ اليومَ قدِ استَخَفُّوا بالدِّماءِ ؛ فإذا هي تُراقُ هُنا وهناكَ ؟!

 وما بَالُهُمْ قد استهتروا بأرواحِ النَّاس ؛ فإذا هي تُزهقُ في كلِّ مكانٍ ؟!

ألم يدرِ هؤلاءِ ولو مَرَّةً في تأريخِ حياتِهم أَنَّ حرمةَ دَمِ المسلمِ أعظمُ عندَ اللهِ منْ حرمةِ بيتهِ الحرامِ ؟!

فقد أخرجَ ابن ماجةَ في سننه بإسنادٍ صحيحٍ برقم 3932 مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن عَمْرو قَالَ : (رَأَيْت رَسُول الله – صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم – يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول : مَا أطيبك (وَأطيب) رِيحك ، مَا أعظمك (مَا أعظم) حرمتك ، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن أعظم عِنْد الله حُرْمَةً منَكِ مَاله وَدَمه ، وَأَن لَا يظنّ [ بِهِ ] إِلَّا خيرا) .

لكِنَّ الحقيقةَ المرَّةَ الَّتي يجبُ أن نصدعَ بها بكلِّ صدقٍ وأمانةٍ بلا تلجلجٍ ولا مواربةٍ-وإنْ سَخِطَ مَنْ سَخِط مِنَ البشرَ- أَنَّ عقولَ النَّاسِ اليومَ-إلا منْ رحمَ اللهُ- هباءٌ في هباءٍ ؛ وأَنَّ مَنْ يُسَعِرُّ نيرانَ هذه الفتنِ على كافَّةِ الأصعدةِ سواءٌ بالتَّنظيراتِ السَّمجةِ الحمقاءِ أمْ بالتَّحليلاتِ السياسيةِ الهوجاءِ عقولهم هباءٌ ؛ وفي هذا الشأنِ أخرجَ البزارُ في :”مسنده” : (1/461-برقم3047) بإسنادٍ صحيحٍ بإسنادهِ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ الْمُتَشَمِّسِ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ الأَشْعَرِيِّينَ ، فَانْصَرَفْنَا ، فَتَعَجَّلَ نَفَرٌ أَنَا مِنْهُمْ فَانْقَطَعْنَا مِنَ النَّاسِ ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ عَلَى بَغْلَةٍ ، فَأَدْنَيْتُهَا مِنْ شَجَرَةٍ فَأنْزَلْتُهَا ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَجْلِسِي ، فَقَالَ لِي أَبُو مُوسَى : أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُنَا ، قُلْنَا : بَلَى ، قَالَ : بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجُ ، قُلْنَا : مَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ وَالْكَذِبُ ، فَقُلْنَا لِلأَشْعَرِيِّ : أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْيَوْمَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ ، فَسَكَتْنَا فَمَا يُبْدِي أَحَدٌ مِنَّا عَنْ وَاضِحَةٍ ، قَالَ : قُلْنَا فَمَاذَا ؟ قَالَ : قَتْلُ الرَّجُلِ أَخَاهُ ، قُلْنَا : وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ ، قَالَ : لاَ تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ زَمَانِكُمْ أَوْ أَكْثَرِ أَهْلِ زَمَانِكُمْ ، وَيُخَلَّفُ لَهَا هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُدْرِكَنِي وَإِيَّاكُمْ تِلْكَ الأَيَّامُ ، وَمَا أَعْلَمُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم ، إِلاَّ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لاَ نُحْدِثُ فِيهَا شَيْئًا.

وفي لفظِ أحمدَ في: ” مسندهِ” 19492 بإسنادٍ صحيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ قَالُوا أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَالُوا وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو مُوسَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلَا مَالًا .

و أخرج نعيم بن حماد في كتاب:”الفتن” : (1/62 ، رقم 107) عَنْ حذيفةَ-رضي الله عنه- بإسنادٍ صحَّحهُ الهنديُّ في “كنز العمال” : (11/179) رقم 31126: (تَكُونُ فتنةٌ تعرجُ فيها عقولُ الرِّجالِ حَتَّى مَا يكادُ تَرى رَجُلا عاقلاً ) .

و أخرجَ الحاكم في “مستدركه ” برقم 8350 بإسنادهِ  عن طارقِ بن شهابٍ عنْ منذرٍ الثوريِّ عَنْ عاصمِ بنِ ضمرةَ عنْ عَليٍّ رضيَ الله عنهُ قالَ : جُعِلتْ في هذهِ الأمةِ خمَسُ فتنٍ : فتنةٌ عامَّةٌ ، ثُمَّ فتنةٌ خَاصَّةٌ ، ثُمَّ فتنةٌ عامَّةٌ ، ثُمَّ فتنةٌ خَاصَّةٌ ، ثُمَّ تَأتي الفتنةُ العمياءُ الصَّمَّاءُ المطبقةُ الَّتي تَصيرُ النَّاسُ فيها كالأنعامِ ) .

وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، ووافقهُ الذَّهبيُّ وهو كذلك إنْ شاءَ اللهُ .

وأخرج الخلال في :”السنة” : (1/132-برقم89) بإسنادٍ صحيحٍ ،  قال :أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أنَّ أبا الحارثِ حَدَّثَهُم قالَ : سألتُ أبا عبدِ الله[يعني : الأمامَ أحمدَ] في أمرٍ كانَ حَدَثَ ببغدادَ ، وَهَمَّ قومٌ بالخروجِ ؛ فقلتُ :  يا أبا عبد الله ما تقولُ في الخروجِ معَ هؤلاءِ القومِ ؛ فأنكرَ ذلكَ عليهم ، وجعلَ يقولُ :  سُبحانَ اللهِ !! الدِّماءَ الدِّماءَ لا أرى ذلك ، ولا آمرُ به .

الصَّبرُ على ما نحنُ فيه خيرٌ من الفتنةِ : يُسفكُ فيها الدِّماءُ، ويُستباحُ فيها الأموالُ ، ويُنتهك فيها المحارمُ .

 أَما علمتَ ما كانَ النَّاسُ فيه يعني أيامَ الفتنةِ ؟! قلتُ : والنَّاسُ اليومَ أليسَ هم في فتنةٍ يَا أبا عبد الله ؟!

 قالَ : (وإنْ كانَ فإنَّما هي فتنةٌ خَاصَّةٌ فإذا وقعَ السَّيفُ عَمَّتِ الفتنةُ ، وانقطعتِ السُّبلُ . الصَّبرُ على هذا ، ويَسلمُ لك دينُكَ خَيرٌ لكَ ، ورأيتُه يُنكرُ الخروجَ على الأئمةِ ، وقالَ الدِّماءَ  ، لا أَرَى ذلكَ ، ولا آمرُ بهِ) .

و ها هو الإمام ابنُ حزمٍ الأندلسيُّ يَخُطُّ كلمتَهُ المضيئةَ بعدَ نتاجِ خبرةٍ عميقةٍ ،  وأحداثٍ مريرةٍ عايشها بنفسهِ ؛ إذْ عاصرَ فتنةَ البربرِ الَّتي اجتاحتْ دولةَ بني أميةَ في الأندلسِ ، وكيف كانتِ الآمالُ المعقودةُ على كُلِّ ثائرٍ منها تؤولُ في عاقبة أمرها إلى مآسٍ وأحزانٍ وشرٍّ وفسادٍ- ؛ فيقول-رحمهُ الله- في كتابهِ :”الأخلاق والسِّير” : (ص/84) :

” نُوَّارُ الفتنةِ لا يَعْقِدُ ” .

والنُّوارُ : الزَّهْرُ ، ويُقالُ : عَقَدَ الزَّهرُ : إذا تضامتْ أجزاؤهُ فصارتْ ثمراً .

ومعنى كلامهِ-رحمهُ الله- أَنَّ للفتنةِ مظهراً برَّاقاً يخدعُ النَّاسَ في أَوَّلِ وهلةٍ ؛ حتى إذا انبهرَ النَّاسُ بصورتها ، وعقدوا الآمال عليها ، سُرعانَ ما تموتُ وتتلاشى ؛ مثلما هي الزَّهرةُ تموتُ قبل أن تتفتَّحَ ، وتُعطِّيَ ثمرتَها .

ألا ؛ فليتقِ اللهَ كُلُّ امرئ في نَفْسِهِ في دماءِ المسلمينَ ، وليحذرْ أشدَّ الحذرِ أنْ يَلقَى اللهَ وقد تخوَّضَ في دَمِ امرئٍ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ ؛ سواءٌ كان ذلكَ بكلمةٍ أو إشارةٍ أو حَتَّى أدنى من ذلك ؛ فإِنَّها مِنْ ورطاتِ الأمورِ الَّتي قَلَّما ينجو منها الإنسانُ-نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ.

وفي الختامِ : أَتَضرَّعُ إلى اللهِ أنْ يحقنَ دماءِ المسلمينَ في مشارقِ الأرضِ ومغاربها ، وأنْ يُعيذنا جميعاً من الفتنِ ما ظهرَ منا وما بطنَ إِنَّه-جلَّ وعلا- لَطيفٌ حَليمٌ ،  جَوادٌ كَرِيمٌ .

 

-- أ.النميري بن محمد الصبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*