السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأم والخطوط الحمراء

الأم والخطوط الحمراء

من أروع الصفات التي يتحلى بها المسلم الاعتدال في كل شيء، وقد قالت العرب قديماً حكمتها الذائعة على كل لسان: (لا تكن صلباً فتكسر، ولا ليناً فتعصر) والله – جلَّت حكمته –

جعلنا أمة وسطاً، وأرشدنا لأن نسير على الصراط المستقيم من غير شطط ولا مغالاة، وأمرنا ألا نحيد عنه ولا نتحول إلى يمين أو شمال وهناك صفات وسجايا ينبغي للمرء أن يحرص عليها و يسعى إليها باذلاً أقصى جهده لأن يتصف بها، وهذه الخلال نفسها في الوقت التي تعد فيه جدُّ ضرورية وملزمة، تبدو محاصرة بخط أحمر لو تجاوزته لأنقلب الحال إلى النقيض.

جميل جداً أن يتواضع المرء للناس، يمشي في خدمتهم ويحقق لهم ما تستطيع من طلبات وخدمات وشفاعة وغيره، ويعطيهم إذا كان ميسوراً ولا يبخل عليهم بماله ولا جاهه أو ما يملك وهم في حاجة إليه، يعايد مرضاهم ويدعو لهم باستمرار بالشفاء ويخفف عليهم مصابهم، ويقبل و يلبي دعواتهم لمشاركتهم أفراحهم ويسارع للوقوف معهم في أتراحهم، كل هذا لا ينقص من قدره شيئاً مادامت الكرامة موفورة، لكنه إن تجاوز ذلك وأفرط فيه، وتزلف و تملق لغنيهم أو مسئولهم وطأطأ له الرأس والهام والجباه، فقد تجاوز الخط الأحمر و انقلب حاله من التواضع إلى الذل، وهذا هو الفرق بين التواضع المطلوب والذل المرفوض، وبالتالي يقع في المحظور بعد أن يكون قد عرَّض كرامته إلى التناول بالسوء.

الترفع عما في أيدي الناس من عظائم الأمور، والنظر إلى ما في أيديهم من النعم بعين القناعة واللامبالاة من مبادئ الإيمان، لا يحسدهم ولا يحقد عليهم، ولا يكره لهم ما هم فيه، لأنه مؤمن بأن الله هو الذي منحهم ومنعه، أعطاهم وحرمه، ولكنه إن نظر إليهم بعين الازدراء، وأنه أفضل منهم على الإطلاق، فقد تجاوز الخط الأحمر، وانقلبت حاله من الترفع إلى الكبر، وأوقع نفسه في المحظور، ومن اللائق أن يكون طموحاً، يضع لنفسه خططاً للارتقاء بمستواه الدنيوي، فيتدرج من مرتبة إلى مرتبة، ومن علو إلى أعلى، يكدُّ ويجتهد، يتحدى الصعاب وينتصر عليها، لكنه إن فعل ذلك دون تخطيط واتزان، فقد تجاوز الخط الأحمر، وانقلب من طموح إلى متهور.

التعامل مع الأم يختلف كلياً عما سبق، فلا يوجد خطوط حمراء تفرق بين أنواع العطاء ولا بين أنواع الجهد والاجتهاد ولا بين اليسر والعسر ولا بين الهامة والطأطأة ولا بين الكرامة والعزة ولا بين الذل والعلو، الأم هي مصدر الحنان والعطاء والرعاية ومثال الكرم والنبل المطلق، الأم هي القوية حينما يكون الابن ضعيفاً وهي التي تسهر الليالي بطولها وعرضها لترعى ضعف الابن وتعالج مرضه وسقمه، الأم هي الحب الحقيقي بكل أنواعه ومعانيه، هي مصدر المنح الذي لا يحاسب في العطاء ولا يعترف بحدود، الأم هي منبع الهدوء والاستقرار النفسي الذي لا يوازيه منبع آخر، هي مكمن الأمن والأمان، هي البلسم لجروح الأيام، الأم هي اليد الحانية التي تخفف الآلام وهي النور في الحياة، الأم هي معنى الحنان والعطف والجود، الأم هي مصدر السعادة بكل أوجهها، الأم باختصار هي حياة الابن التي لا يوازيها حياة ولا يجاريها عطاء ولا يباريها حنان، ولا يوجد بينها وبين ابنها خطوط حمراء ولا صفراء ولا بأي لون، فعطاؤه يجب أن يكون بكرم وسخاء دون النظر لخطوط حمراء، وإسداؤه لمعروفها لا يجب أن يشوبه حدود أو خطوط.

حكي أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاب يسمى علقمة، كان كثير الاجتهاد في طاعة الله، في الصلاة والصوم والصدقة، فمرض واشتد مرضه، فأرسلت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوجي علقمة في النزاع فأردت أن أعلمك يا رسول الله بحاله، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عماراً وصهيباً وبلالاً وقال امضوا إليه ولقنوه الشهادة، فمضوا إليه ودخلوا عليه فوجدوه في النزع الأخير، فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله، ولسانه لا ينطق بها، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه أنه لا ينطق لسانه بالشهادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل من أبويه من أحد حيّ؟ قيل :يا رسول الله أم كبيرة السن فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للرسول: قل لها إن قدرت على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلاّ فقري في المنزل حتى يأتيك، قال: فجاء إليها الرسول فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: نفسي لنفسه فداء أنا أحق بإتيانه. فتوكأت، وقامت على عصا، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلَّمت فردَّ عليها السلام وقال: يا أم علقمة أصدقيني وإن كذبتيني جاء الوحي من الله تعالى: كيف كان حال ولدك علقمة؟ قالت: يا رسول الله كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما حالك ؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة، قال ولما؟ قالت: يا رسول الله كان يؤثر علىَّ زوجته، ويعصيني، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة ثم قال: يا بلال انطلق واجمع لي حطباً كثيراً، قالت: يا رسول الله و ما تصنع؟ قال: أحرقه بالنار بين يديك، قالت: يا رسول الله ولدى لا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي، قال يا أم علقمة عذاب الله أشد وأبقى، فإن سرك أن يغفر الله له فارضي عنه، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته مادمت عليه ساخطة، فقالت: يا رسول الله إني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين أني قد رضيت عن ولدي علقمة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق يا بلال إليه انظر هل يستطيع أن يقول لا إله إلا الله أم لا؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً مني، فانطلق بلال فسمع علقمة من داخل الدار يقول لا إله إلا الله، فدخل بلال وقال: يا هؤلاء إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة وإن رضاها أطلق لسانه، ثم مات علقمة من يومه، فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بغسله وكفنه ثم صلى عليه، وحضر دفنه ثم قال صلى الله عليه وسلم: على شفير قبره (يا معشر المهاجرين والأنصار من فضَّل زوجته على أمُّه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً إلا أن يتوب إلى الله عز وجل ويحسن إليه ويطلب رضاها

فرضى الله في رضاها وسخط الله في سخطها).

-- صحيفة الجزيرة - د. عبدالله بن سعد العبيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*