السبت , 3 ديسمبر 2016

القدوة المسلم زبير

نقلت بعض الصحف المحلية يوم الخميس 17- فبراير عن (نيويورك بوست) أن مسلماً يدعى زبير يعمل سائقاً لسيارة أجرة قد أعاد مجوهرات تقدر بعشرات الآلاف من الدولارات لصاحبها الذي نسيها في سيارته مع مبلغ من المال وأراد صاحب المجوهرات مكافأة زبير على أمانته بدعوته للعشاء في مطعم راق لكنه اعتذر بأدب بحجة أن المطعم يقدم الخمور وأنه يريد أن يكون مهذباً مع مبادئه والآخرين، أعجب مالك المجوهرات بموقف الرجل فألح عليه بتقديم هدية قبلها على مضض.

استوقفتني هذه القصة ليس لندرة مثل موقف المسلم زبير فكثير من المسلمين- ولله الحمد- في بلاد الغرب وغيرها يقدمون صوراً ومواقف مشرفة، غير أن القراءة هذه المرة تركز على عنصر القدوة والأسوة، فاقتران الأقوال والأفعال والمعتقدات بالمواقف المؤكدة لها تعطي صورة نقية للنفس الأبية والعقلية المتحضرة.

 تبرز الشخصية الإسلامية على وجهها الحقيقي الذي يجب أن تكون عليه، بخصالهم الحميدة وأنفسهم السامية المتنزهة عن الشوائب ومواطن الخلل، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (124) سورة البقرة.

أي جعلناك للناس إماما يأتمون بك في خصالك ويقتدي بك الصالحون، ومن الناس من يرى الصواب ويمكن أن يقف تجاهه وقفة الإنسان المسلم الذي يصون المبادئ ويرفع شأن المعتقد، لكنه ربما خشي أن يقال: إنه يمارس الرياء ونحوه، وقد رد بعض الفقهاء على هذا التوجه بالقول بأن الفاعلين المتمسكين بهذه الخصال إذا قويت حالهم وحسنت نيتهم وأمنوا على أنفسهم من الرياء فإن لهم الأجر والفائدة ما أقله إظهار السنة وثواب القدوة.

وهذا لمن يظهرون ويبينون عن أفعالهم الحسنة الطيبة وإفشائها بين الناس، أما غيرهم ممن يضعف عن هذه المرتبة فالسّر لهم أفضل وأطيب حتى يجنب نفسه ملامح النفاق والرياء حتى وإن لم يقصده فعلاً.

وقال الطبري رضي الله عنه: (إظهار الواجب من الفرائض أفضل)، ونقل صاحب كتاب البحر المديد عن ابن عطية قوله: أما تزكية القدوة أو الإمام أو أحدا ليؤتم به أو ليتَهَمّم الناس بالخير فجائز، فقد زكى الرسول صلى الله عليه وسلم أبابكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائز للضرورة إليها، وأصل التزكية التقوى.

أما في ما يخص إظهار اصطناع وفعل المعروف فإني أنقل قول بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فأظهره وانشره، وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يقول: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال (تعجيله وتصغيره وستره) فإذا عجلته هنّيته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أعممته، وقال سهل بن هارون شعراً يمدح صديقاً له:

خلٌ إذا جئته يوماً لتسأله

أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا

يخفي صنائعه والله يظهرها

إن الجميل إذا أخفيته ظهرا.

وكان قد قيل: (العاقل من يحاسب نفسه ليكون قدوة في حياته ومماته).

-- صيحفة الجزيرة - علي الخزيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*