الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » موقعوا البيانات ( السعودية ) بين ركوب الموجة ومحبة الظهور

موقعوا البيانات ( السعودية ) بين ركوب الموجة ومحبة الظهور

 منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ومفهوم البيانات السياسية في السعودية تشهد تحولات نوعية متفاوتة، من قبل فعاليات ثقافية مختلفة. فتارة تصدر من قبل «المثقفين غير التقليدين» أو من اصطلح عليهم «ليبراليين» في القاموس الإعلامي السعودي عرفا، وليس نهجا فكريا وعلما، وتارة تصدر من قبل التيار الديني.
والحال أن قراءة هذه البيانات السياسية من خلال أسماء موقعيها ستثير حتما الكثير من الأسئلة. فبعض الأسماء البارزة، التي تتصدر عادة هذا النوع من البيانات، يكون لافتا تناقضها في دعواتها البيانية.

فتجد بعض الموقعين، الأمس، على بيانات تجريم الاختلاط، وتحريم عمل المرأة في محلات بيع الملابس الداخلية الخاصة بالنساء، وفي ذات الوقت تشاهد أسماءهم يوقعون قبل أسبوع على بيان ينادي بالإصلاح، حرية المجتمع، حقوق المرأة، والعدالة الاجتماعية.

واللافت أن هذه الأسماء وجدت لها موقعا هذه المرة في قلب بيان «المثقفين غير التقليدين». وهذا ليس سوى طرف القصة، فقلبها أكثر إثارة للأسئلة. فماذا عن المثقفين الذين تتعارض مواقفهم الثقافية المعلنة وتتناقض فكريا مع ما يطرحونه في البيانات؟ وماذا عن راكبي الأمواج السياسية بامتياز، منظري العنف بالأمس، تنويريي اليوم، منظري الغد؟ وكيف يمكن للمتابع فهم التضاد القيمي للتوجهات الفكرية في أكثر من بيان ومن ثم تجد ذات الشخوص توقع عليها جميعا؟ أم أن «الشللية» السياسية تلعب دورا هنا أيضا؟

السياقات الفكرية للأحداث تبدو معقدة. فالمثقفون المتصدرون لهذه البيانات دائما ما يقدمون أنفسهم بصيغ مختلفة، منها الإسلامي والناصري والقومي والليبرالي والإصلاحي والتنويري…

والحال أن مناقشة هذه المسميات والتعريفات، ليست من قبيل الرفاهية الثقافية. فالتسمية جزء لا يتجزأ من نظرية إنتاج المعرفة، ومحاولة لتأطير الحدث بشكل يمكّن المحلل والباحث التاريخي من الاتكاء على أدواته التحليلية، بناء على هذه المسميات. أو بمعنى آخر، كيف يمكن محاولة استقراء الواقع الثقافي من عبارة المفكر الراحل محمد أركون: «هل يمكن أن نصلح وضعا بالفكر ذاته الذي أدى إلى هذا الواقع؟».

نتناول في هذا التحقيق ثلاث شخصيات تمثل ثلاثة أطياف مختلفة التهويمات الفكرية، سعينا من خلالها أن تكون مدخلا لفهم جانب من المشهد الثقافي السعودي عندما يتقاطع مع السياسة. والشخصيات هم محمد سعيد طيب، والدكتور سلمان العودة، والدكتور تركي الحمد.

* محمد سعيد طيب * أحد أشهر رموز البيانات السياسية، والموقع الثابت في كل البيانات بما فيها البيان الذي يجد فهما، وإن كان ليس اتفاقا، لسلوك تنظيم القاعدة الإرهابي، في تحالف واضح من طيب مع رموز التيار السلفي المتشدد، وهذه قصة أخرى سنأتي على ذكرها لاحقا.

في البدء لنقم بمحاولة لفهم السياقات الفكرية التي يحتضنها طيب في قلبه وعقله. ففي لقاء في قناة «الحرة» الأميركية أخيرا، أشار إلى اعتناقه التيار الناصري منذ كان في المرحلة الثانوية.

ولكن هل انتهى هذا الاعتناق؟ لا يبدو ذلك. ففي أواخر عام 2010، أجرى حوارا مطولا مع «منتدى نجران» الإلكتروني. وسأله أحد المشاركين «هل تعرف أحدا من رفقاء القومية والتيار الناصري من أبناء منطقة نجران سواء في السجن أو في النضال؟»، وأجاب الطيب: «لا أتذكر ثمة رفقاء من أبناء منطقة نجران». وهنا لم ينفِ حتى هذه اللحظة تراجعه عن قناعاته الناصرية.

وفي ذات السياق، يملك تصريحا شهيرا في ملحق الرسالة التابع لجريدة «المدينة» السعودية بأنه «ليبرالي بالكتاب والسنة». ويعود ليجيب في لقائه على قناة «الحرة» الأميركية حول تلقيبه بالأب الروحي لليبرالية بأن «الليبرالية هي التحرر من قيود تعيق تقدم الإنسان وليست تحررا من القيم.. الليبرالية هي قيم ومثل عليا والكتاب والسنة يطرحان نفس التوجه في المجمل، وليس في التفاصيل».

ويعلق على هذه الجزئية الكاتب السعودي محمد علي المحمود، ويقول: «ليس بمفهوم أن يكون شخص ما ناصريا، وفي نفس الوقت ينادي بحقوق الإنسان ويناضل ضد الاستبداد ويدعو إلى الديمقراطية والمشاركة السياسية، لأن نهج الحكم الناصري كان على الضد تماما. هنا يقع الإعلامي والمثقف في التناقض الذي يسقطه».
قبل سبعة أعوام نشرت صورة مثيرة للجدل في الإعلام السعودي تجمع طيب بالدكتور سفر الحوالي، أحد منظري ورموز التيار السلفي المتشدد في نظرته للغرب الثقافي والسياسي. هذه الصورة كانت مدعاة لسؤال متكرر لطيب عن علاقته بالتيار السلفي. وأجاب في معرض لقائه المشار له آنفا في قناة «الحرة» الأميركية: «أنا لا أعادي أي تيار يتلاقى وأفكاري الإنسانية».

من نهاية الإجابة السابقة، يطرأ سؤال جديد لمعاصري هذا المشهد، وهو هل لقاء طيب مع الحوالي وما يمثله من توجه فكري، حمل فعلا تقاطعا في توجه «إنساني» أم في توجه سياسي، من خلال توقيعهما وتسويقهما بيان المثقفين السعوديين «على أي أساس نتعايش؟»، وهو البيان الذي جاء كرد على رسالة من مثقفين أميركيين؟
وقبل استعراض مقتطفات من البيان، التي تتناقض ودعوات طيب ومواقفه السابقة واللاحقة، لنتوقف لحظة ونذكر في عجالة بالدكتور سفر الحوالي ومواقفه الثابتة والمعلنة.

للحوالي مؤلفات كثيرة منها: «العلمانية وآثارها على الحياة الإسلامية» (نقد حاد لما يصفه بالانبهار القاتل بالأمم الأخرى)، ومنها: «مقدمة في تطور الفكر الغربي» (ابتدأ الكتاب بنقد توجهات الحروب الصليبية وانتهى بهجاء الحداثة العربية وتأثرها بمثيلتها الغربية) مما حدا بالكاتب الموريتاني السيد ولد أباه لتقديم نقد فلسفي للكتاب أشار في مقدمته إلى أنه «يلاحظ بوضوح أن الحوالي ينعت الفكر الأوروبي بنعتين متعارضين، فهو من جهة أثر من آثار النزعة الصليبية المعادية للإسلام، وهو من جهة أخرى إلحاد ومروق من الدين».

ويضيف ولد أباه «من الخرافات المثيرة التي يتضح لها كتاب الشيخ الحوالي ترديد الأطروحة التي بنى عليها محمد قطب قراءته للفكر الأوروبي الحديث، وهي إرجاع كل التحولات المعرفية والمجتمعية الكبرى التي عرفها الغرب إلى ألاعيب اليهود ومؤامراتهم».

تلك نبذة أكثر من مختصرة عن الحوالي الذي يتقاطع معه طيب «إنسانيا» كما يصف لا سياسيا. فماذا أنتج هذا اللقاء «الإنساني»؟ هذا مقتطف من البيان المشترك الذي قاده التيار السلفي وفي مقدمتهم سفر الحوالي مع بعض المثقفين السعوديين، وليس من العقلانية أن نفترض أن الذين هاجموا الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لا يشعرون بنوع من المبررات الذاتية صنعتها فيهم ودفعتهم إليها القرارات الأميركية في مناطق عالمية متعددة، وإن كنا لا نرى واقعية هذه المبررات لضرب الأمن المدني، لكنه استقراء لنوع من العلاقة السببية بين الأحداث والسياسات الأميركية».

والملاحظ أن هذا الربط يسقط تماما عند نتذكر أن عمليات تنظيم القاعدة الإرهابي استهدفت الحياة السعودية وأمنها أيضا، فهل يملك الموقعون على البيان أي استقراء آخر للعلاقة السببية بين السعودية وسياستها الخارجية واستهداف أمنها المدني؟ وهذا لا يلغي أن البيان كان أرق مما هو متوقع في الموقف من الغرب، مما حدا بموقعين التراجع عنه، ومنهم الحوالي نفسه. وفي نفس الوقت يجب التنبه إلى أن البيان لم يسمِ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عملا إرهابيا، وإنما مجرد هجوم له ما يبرره في السياسة الأميركية.

ولكن عند انتقال موجات الإرهاب إلى السعودية ظهرت أسباب إضافية في بيان تحت عنوان «نداء وطني إلى القيادة والشعب» وحملت إحدى فقراته التحليلية أنهم (موقعو البيان من بينهم طيب): «يدينون العنف بكافة أشكاله ومصادره، داخليا وخارجيا سواء أكان عنف دول وحكومات أم عنف أفراد وجماعات، ويرون أن انتشار عنف الجماعات قضية مركبة تحتاج إلى تحليل عميق، يتجاوز رؤية ما ظهر فوق السطح، وما استدعى لتبرير العنف من أفكار لكي لا يغفلنا ذلك عن المسببات الجوهرية ويرون أن مكونات العنف ليست ناتجة حصرا عن مناهج التعليم الديني، وإنما هي حتما أحد إفرازات غياب المشاركة الشعبية، عن القرار الحكومي، ولن يجاوروا وسائل الإعلام الصهيونية والأميركية، التي تريد أن تبرئ ساحتها من أن تعاملها في فلسطين والعالم العربي والإسلامي؛ هو السبب الخارجي في شيوع العنف، فتحاول تحميل الإسلام وقيمه ومناهج تعليمه، فاتورة الغلو والتطرف ولن يسوقهم تباطؤ الدولة في اتخاذ خطوات أساسية لتجسيد المشاركة الشعبية المطلوبة، إلى الإحباط واليأس وتبرير مآسي العنف».

ومن هذا المنطلق تظهر أسئلة جديدة، فكيف كانت أسباب العنف والإرهاب التي تستهدف الأمن المدني الأميركي سببها السياسات الخارجية، وعندما تحولت من ذات التنظيم، «القاعدة»، أصبحت لأسباب داخلية؟ ومن أين استقى منظرو البيان السابق أن الإرهابيين أجندتهم متعلقة بغياب المؤسسات المدنية والمشاركة في صناعة الرأي؟ أم أن هذا البيان يأتي في معرض ركوب الموجة السائدة آنذاك في خضم الأحداث المتلاحقة؟

ولكن مهلا، بما أن الحديث عن اغتنام فرص الأحداث السياسية، فلا بد من التذكير بأن البيان الأخير الذي هو أيضا حمل كما كبيرا من موقعي البيانات السابقة، لوح هذه المرة في معرض مطالباته بأحداث الاحتجاجات والمظاهرات التونسية والمصرية. ونص على التالي: «إن الثورات التي بدأها الشباب وانضم لهم الشعب بكل فئاته ومكوناته في كل من تونس ومصر وليبيا وغيرها لتؤذن بأن القائمين على الأمر في البلاد العربية ما لم يستمعوا لصوت الشباب وتطلعاتهم وطموحاتهم ويصغوا لمطالب شعوبهم في الإصلاح والتنمية والحرية والكرامة ورفع الظلم ومقاومة الفساد، فإن الأمور مرشحة لأن تؤول إلى عواقب وخيمة وفوضى عارمة تسفك فيها الدماء وتنتهك فيه الحرمات ويختل فيها الأمن».

السؤال الأخير، هل يعتقد الموقعون من المثقفين حقا أن ظروف الثورات في مصر وتونس متطابقة كحالة خاصة سياسيا واجتماعيا ومدنيا، مع الوضع السعودي؟
كيف يمكن جمع ما سبق من تصريحات طيب والطيف الثقافي الذي يمثله، وتوجهاته الفكرية المعلنة وتوقيعه الدائم على صياغة ما اصطلح على تسميتها «بيانات إصلاحية» في هذا الإطار؟ كيف يمكن للمتلقي فهم الرؤية الإصلاحية لطيب والشريحة التي يمثلها إذا كان من الأساس الأفكار التي يتبناها فكريا متناقضة؟ عن أي حقوق وأي فهم للمؤسسة المدينة يتحدث عنه طيب ويطالب به، الناصري أم الليبرالي أم السلفي؟

يرى محمد علي المحمود في معرض حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن مفهوم البيانات السياسية أن «البيان السياسي يمكن أن يعكس حالة وعي، كما أن كثيرا منها تعكس حالة فوضى فكرية ونفسية».

ويزيد: «إن هناك من يجد نفسه في هذه البيانات، ولكن ليست الإشكالية في وجود البيان أو غيابه، وإنما هي في مكونه الفكري وفي لغة الخطاب، أقصد أن يكون معبرا عن رؤية وليس تنفيسا لغضب».

يقدم الكاتب يوسف الديني ملمحا إضافيا للقراءة, ويقول: «حالة من الارتباك يعيشها المشهد المحلي, وهي مناخات سائدة في أجواء ثورية كالتي تعيشها المنطقة. تذكرنا بمحنة أجيال مضت؛ إذ يبدو أن أحلام وأوهام الستينات التي كانت تراود الكثير من شباب اليوم كنموذج مثالي، وربما متعال للفاعلية السياسية قد عززتها ثورة مصر بكل ما حملته من تناقضات وأسئلة ستظل معلقة إلى أجل غير قريب. إذ لكل جيل (ستيناته) الخاصة، ومما أسهم في تعزيز ذلك الحنين تموضع شخصيات خاضت تجربة ذلك المد الناصري أو القومي».

ربما من المفيد هنا تحديدا، كخلفية لمشاركة الديني, الإشارة إلى أن طيب كتب قبل نحو الأسبوع مقالا في جريدة «الأخبار» اللبنانية يمتدح فيها من سماهم بأبناء 23 فبراير, وهم شباب قاموا برفع بيان يقدمون فيه مطالبهم.

ويقول طيب في المقالة «كنا نظن واهمين أننا وحدنا الذين يتصدون لقضايا الإصلاح, ويدافعون عن حق المواطن (…) لقد انتظرناكم طويلا».
يرى الديني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك «مؤشرات ودلالات عميقة على عدم قبول (البيانين) للنقد, كما حصل مع بيان الشباب الذي كان محل سهام النقد والتسطيح لمضمونه السياسي الهش، الذي لم يقم سوى بترديد عبارات تقترب كثيرا من لغة منتديات الإنترنت و(تويتر) بكل ما تتسم به من انطباعية وذاتية».

وأضاف قائلا: «اللافت في الأمر أن سجال البيانات هذا جاء على شكل منافسة أكثر من كونه حشدا لرؤية سياسية كما في المرات السابقة، وهو ما يدل على أن هاجس المكتسبات شكل أولوية على منطق القناعات, ذلك أن كل البيانات تجتمع فيما بينها على مطالب وشعارات سياسية عامة وفضفاضة إلى الحد الذي جعلها مثار تندر في بعض تفصيلاتها، كالمطالبة مثلا بتجديد الخطاب الديني».

تجدر الإشارة مرة أخرى إلى أن البيان الذي وقع عليه طيب مع النحو، شهد تراجعا لرموزه السلفية بحجة تمييعه مفهوم الولاء والبراء، وهم الدكتور سفر الحوالي، وناصر العمر، والدكتور سلمان العودة.. والدكتور العودة تحديدا قصة لا بد من التطرق لها كعنصر أصيل من هذا المشهد السعودي الحديث.

* سلمان العودة

* الدكتور سلمان العودة يقدمه مريدوه للمشهد الإعلامي في ثوب رائد التجديد في الخطاب الإسلامي، ويراه مناوئوه رائد المواقف المبهمة والمتناقضة.
أولا هذه النبذة المختصرة عن مواقف الدكتور العودة: تبنى في التسعينات موقفا ينادي بخروج الأميركيين من «بلاد الحرمين» إبان تحرير الكويت، بحجة «كفرهم»، وعاد للتراجع عن هذا الموقف.

وقع على بيان «على أي أساس نتعايش» الموجه للمثقفين الأميركيين على خلفية بدء حوار مع الآخر، وعاد للتراجع تحت ضغط مريديه من طلبة العلم الشرعي بحجة تمييعه شعيرة الولاء والبراء.

قام بمدح نظام بن علي، الرئيس التونسي المخلوع قبل سقوطه، كاتبا: «وسمعت لغة الخطاب السياسي؛ فرأيتها تتكئ الآن على أبعاد عروبية وإسلامية، وهي في الوقت ذاته ترفض العنف والتطرف والغلو، وهذا معنى صحيح، ومبدأ مشترك لا نختلف عليه، استوحيت من التفاوت الذي أدركته بين ما شاهدته وبين ما كنت أسمعه أهمية الانفتاح بين الأمصار الإسلامية». (موقع «الإسلام اليوم»).

ولكنه عاد ليتراجع في تصريحه لقناة «المجد» الإسلامية ليصف تحرك الشعب التونسي بعد الثورة قائلا: «الشعب التونسي تحرك من أجل الحريات التي لم يكن يحصل عليها، ومنها حرية العمل السياسي والممارسة الشفافة، وثار من أجل الهدر المالي، وتحرك من أجل الفساد الإداري (…) وهي فرصة تاريخية لصناعة نموذج نظام سياسي».

بالتأكيد، فإن القارئ لاحظ أن عيوب النظام التونسي بعد سقوطه، كانت غائبة في رؤية العودة للنظام التونسي قبل سقوطه.

مسلسل التراجعات لم ينته. فمع اندلاع ثورة ليبيا، تقدم العودة الصفوف الناقدة للنظام الليبي، وأشهر هذه الانتقادات كانت على قناة «الجزيرة» القطرية، حيث سألته المذيعة عن خطباء يوم الجمعة في ليبيا الذي يكيلون المديح لمعمر القذافي؟ أجاب العودة: «هذا طبيعي، وأتساءل دائما بماذا سيدافعون عن أنفسهم بعد سقوط هذا النظام؟».

وقبل أن نعيد طرح السؤال ذاته على العودة، نؤكد على تعاطفنا الكامل مع الشعب الليبي الذي يواجه التقتيل المنظم وغير الإنساني، حيث إن هذه القضية ليست موضع النقد.

ثم نعود لنذكر الدكتورة العودة بما قاله عن سيف الإسلام القذافي قبل اندلاع الثورات في ليبيا، حيث قال في وصف أحد لقاءاته مع سيف الإسلام: «كان هناك لقاء مع الدكتور سيف الإسلام، وهذا الرجل إن كان ليس له منصب رسمي ومسمى حكومي، فإنه حقيقة هناك إجماع عليه من قبل الطوائف، ولديه بصمات يشكر عليها وتحمد له. ومنها تصحيح أوضاع الكثير من الليبيين، وعودة الذين في الخارج بشكل قوي. وآخرون بحاجة إلى استيعاب الحركة التنموية التي تتشكل، وخروج المساجين».
وبالعودة للسؤال الذي وجهه العودة لخطباء المساجد الليبية، نعيد للدكتور ذات السؤال، مع تحريف بسيط؛ ترى بماذا ستدافع عن نفسك مع دموية هذا النظام، وإغداقك المديح له قبل ذلك؟

وكان الكاتب خلف الحربي في صحيفة «عكاظ»، كتب مقالا ساخرا تحدث فيه عن عدة نقاط مختلفة المواضيع، تحت عنوان «محشور في الزاوية»، وقال: «أحب الشيخ سلمان العودة في الله، وأحترم برنامجه الشهير (حجر الزاوية)، وأعتبره نقلة كبيرة في البرامج الدينية لذلك صدقت مديحه لسيف الإسلام القذافي بعد عودته من زيارة لليبيا قبل فترة وجيزة! عموما الشيء الوحيد الذي يجعلني أتفاءل بمديح شيخنا العودة لسيف الإسلام أنه سبق أن مدح الأوضاع في تونس و(راح فيها)».

هذا مجمل مختصر مواقف للدكتور العودة الموقع على البيان السياسي الأخير، فعليه، أليس من حقنا أن نتساءل عن مفهوم الإصلاح الذي ينادي به العودة في البيان؟! هل نموج تونس الذي امتدحه قبل سقوط النظام أم بعده؟ هل فهمه للرؤية الإصلاحية ينطلق من تبني مشاريع سيف الإسلام القذافي قبل الثورة أو وبعدها؟ وهل مفهومه للحقوق والحوار يمكن أن نتساهل معه ونصدقه، أم نتذكر تراجعه عن موقفه من بيان «على أي أساس نتعايش»؟ وما هو عمق الرؤية المستقبلية ونجاعتها ومصداقيتها؟

يقول المحمود في هذا السياق عن الطيف الذي يمثله العودة: «هم يملكون مصداقية إن أحسنا الظن، ولكنها مصداقية وجدانية غير معقلنة، مصداقية غير قادرة على الرؤية، فليس المطلوب هنا مجرد المصداقية، وإنما الصوابية النسبية للرؤية، وهي الصوابية التي يوفرها الحد الأدنى من الرؤية الواقعية للأحداث».

ويزيد المحمود: «كثير من هؤلاء يعانون فقرا مدقعا في الرؤية السياسية، ولهذا أيد بعضهم ما يسمى بـ(الجهاد في العراق) على سبيل المثال، لأنهم لم يفهموا العالم أولا، ولم يفهموا العراق ثانيا، ولا مبدأ الجهاد ثالثا. هؤلاء في ظني لم يخطئوا ابتداء، وإنما الذي أخطأ هنا هو الجمهور الذي قبل منهم ما لا يحسنون. من حق الجميع أن يبدي رؤيته، ولكن يبقى الرهان على جمهور المتلقين الذين يقبلون أن يطلبوا من الواعظ رؤية سياسية مركبة لكل ما يمر بهم من أحداث».

يعود الديني في هذا التحقيق لطرح سؤال جديد: «والسؤال الحقيقي هو عن مدى تشكيل بيانات سياسية غير متجانسة, ومن دون أن تكون محددة المطالب, وفق سياق برنامج إصلاحي سياسي, ينطلق من نموذج الواقع وليس مما بات يعرف بـ(الكاتلوغ) التونسي، أو منطق ميدان التحرير الملغز حتى الآن, على الرغم من كل ما أريق من حبر في تحليله وفهم محدداته وليس دوافعه التي باتت معلومة للجميع. كيف يمكن أن تشكل بيانات من هذا النوع عقدا اجتماعيا توافقيا، وهي نتاج شللية سياسية كل منها يقفز من بوابة الشعارات إلى المكتسبات الخاصة، التي عادة ما تكون مناوئة للطرف الآخر بحسب توجهه الآيديولوجي، وهو ما يؤكد أن هذه البيانات في مجملها تعمل بآلية الهرم المقلوب، عبر استغلال الظرف الإقليمي للدفع بتكوين سلطة متوهمة من قاعدة صغيرة وباتجاه رأس الهرم (النظام السياسي)».

* تركي الحمد

* للوهلة ستبدو مفاجأة مباغتة، حضور اسم الدكتور تركي الحمد والطيف الذي يمثله في البيان من الأكاديميين ومتخصصي الكتابة في الشأن السياسي.
منبع المفاجأة ليس في تبني خط التحديث الثقافي والسياسي، الذي هو أحد أساطينه. ولكن المفاجأة في تكمن في محاولة فهم منابع التقاطع الفكري والثقافي الذي يمثله الحمد مع الموقعين على البيان، من خلفيات ناصرية وقومية ويسارية و«إسلاموية»، وهو اللفظ المحبب للحمد في وصف هذه الجماعات الحركية المنظمة.
الحمد صاحب مواقف وأطروحات كثيرة في سياق مفهوم الدولة والمجتمع الحديث، وما تستدعيه من بناء تدريجي ممنهج وعلمي. وصاحب قراءات نقدية تاريخية للكثير من الحراك السياسي في أكثر من اتجاه فكري.

وهو أحد القلائل من الأكاديميين الذين تبنوا خطا واضحا في الطرح لا يخفى على المتابع بعد أحداث تحرير الكويت في أوائل التسعينات.
غير أن ما يلفت النظر في هذه المشاركة في البيان، أنها تطرح أسئلة بحاجة إلى توضيح من الحمد حول لغة البيان الصريحة المطالبة بإصلاحات فورية قائمة على التحول «للمملكة الدستورية»، وفصل السلطات الثلاث، والانتخاب الكامل للمجالس البلدية ومجلس الشورى ومجالس المناطق.. إلخ من قائمة المطالب.

فالحمد كتب قبل مدة بسيطة في جريدة «الوطن» المحلية، في معرض تشخيص سياسي: «الانقلاب السريع من حالة إلى حالة نقيضة لا بد أن تكون مضاعفاته خطيرة، إن لم يدمر ذات الكيان الذي يعاني من الانقلاب، وذلك كما تنكسر الكأس الباردة حين يسكب فيها ماء حار دفعة واحدة».

والجزء السابق جاء في معرض مقال للحمد يفند فيه فروقات التجربة الصينية والتجربة الروسية في الإصلاح والتنمية، وانتصر في المقال للتجربة الصينية، التي وصف سبب نجاحها فيما يلي: «ففي حين اعتمدت روسيا الانتقال الفجائي من النقيض إلى النقيض، اعتمدت القيادة الصينية أسلوب التدرج والوتيرة الهادئة». ويستمر المقال في تفنيد مقاربات ومقارنات لا تهم القارئ في هذا المقام.

والملمح الثاني أن في ذات السياق، كيف يمكن لقارئ الحمد فهم الوصف العائم على سبيل المثال المنادي بحقوق المرأة في البيان؟ فهل هي رؤية الحمد القائمة على نبذ الآيديولوجيات أم رؤية متزمتي التيار «الإسلاموي» الذين شاركوه هذا البيان والرؤية؟

تلك ملامح فهم معقد للمتلقي لهذا البيان السياسي بحاجة إلى توضيح من قبل الدكتور تركي الحمد، والطيف الأكاديمي الذي يمثله.

مع تأكيد للمحمود في هذه الجزئية التي يختم بها مشاهداته حول المشهد «في تقديري أن مفهوم الحريات مفهوم واسع، بل هو من أوسع المفاهيم، ويستحيل تأطيره في سياق منظومة فكرية واحدة.

هناك حريات أممية، كما أن هناك حريات إسلامية، وهناك تقاطع اتفاقي وتضادي بين هذه وتلك. وكثير من الحقوق والحريات لا يمكن أن تعبر الشرط الثقافي الذي هو شرط ديني في واقعنا المحلي. فلا يمكن أن تكون الأمم في الحريات كلها سواء، نحن نجد أن العالم الغربي عالم ليبرالي في جملته، ومع هذا فحدود الحرية، والأطر العامة للحقوق تختلف من بلد لآخر».

ويزيد: «فداخل الإسلام ذاته تختلف الحقوق وتتباين الرؤى تجاه مسائل الحريات العامة، ولا بد في مثل هذه الحال من جدل فكري طويل حتى يتكون ما يشبه الإجماع على المشتركات التي تصلح لوضعها في قوانين عامة؛ لأنه لا يمكن إرضاء الجميع في كل الأشياء وفي كل الأحوال».

يقرأ الديني المشهد في ختام مشاركته في سياق مربك كما يراه «المقلق حقا هو تلك الكارثية التي انطلقت ما بعد مرحلة البيانات، والتي شملت التصنيف بشكل مثالي ومتطرف, وهو ما يتعارض مع أبجديات المطالبة بالحوار الذي تضمنته تلك البيانات، هذا التناقض بين المفاهيم الفكرية والممارسة السياسية جعل الكثير ممن يتفقون مع خطورة المرحلة وحساسيتها يلوذون بالصمت خوف التصنيف أو الدخول في معارك لا تحتملها حالة الاستقطاب والاتهام المتبادل».

وأضاف: «من البدهي القول إن نقد مفهوم البيانات لا يعني الارتهان إلى حالة السكون, لا سيما أن هناك مخاضا تعيشه المنطقة، جعل كل الأطراف تؤمن بأن قضايا التطوير ومكافحة الفساد والاستجابة لحاجات المواطنين مطلب وجودي».

هذه الشذرات من المشهد الثقافي – السياسي الأكيد أنها لا يمكن أن تلم بكامل المشهد وتعقيداته المركبة، ولكن علها تكون إضاءات لقراءات تسهم في فهم هذا الحراك.

-- الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*