الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » وطني.. قمر وعشب ونماء!

وطني.. قمر وعشب ونماء!

هو تمر وسيف وماء، قمر وعشب ونماء، معجون من تبر وسناء وبهاء، أرضه خطوطها طول وخطوطها عرض ممتدة من الفضاء إلى الفضاء، ليس به عناء والشقاء والظماء، مليء بالكريستال والفيروز والبلور وحدائق الورد ومطر السماء، وجه ماء، ولونه حقل.
وزهوره سوسنه وقرنفل وريحان وفل ورائحة حناء، قمر في الماء، وعصفور مساء، رقصة كلمات، وسحر غناء، ونقاء هواء، خيله جامحة، وشمسه لامعة، وأديمه بهاء، ومساؤه مساء، تفاحة ومنارة ثلجية بيضاء، واحة من رمل ونخل وماء، نورس يحط فوق الماء، اشتعال فرح وتلاحم وجود، وسنابل قمح متوهج، قنديل نور وضياء، إنه وطني الذي يشبه العطر وهاويات الخدود وفيوض الشموع وندى النوافذ، العلاقة بيني وبينه مثل العلاقة ما بين الدم والقلب وما بين القمر والضياء، ألوذ به كما تلوذ الحمائم فوق هامات النخيل، أخاف عليه من أزيز الرصاص الخارج من بنادق الحقد والعفن والدبق، ومن الأصوات الناعقة، ومن فحيح الأفاعي، ولدغات العقارب، ومن الأقلام المأجورة الصفراء التي تشبه خنافس الجعل الرديء، ومن الذين يملكون عتمة الضوء وضيعة الطريق والذين لا يعرفون مطلع الشمس ولا ولادة القمر، ومن الغاوين والبهلوانيين والناكصين والرافضين والعثث والمتلونين والمتخاذلين والمبدلين لجلودهم كالحرباء، والذين في قلوبهم مرض وخناء، الذين بهم وجع وقبح ونكد ومتاهة وغموض ورطانة وتهاويل وهلس وعتمة ودوار وديمغواجية وأفك وسقم ووهن، إنه وطني لا يليق بي إلا أن أكتب عنه لأنه لا ثرى غير ثراه ولا هواء غير هواه ولا سماء غير سماه ولا ضوء أفضل من ضوئه ولأن مياهه هي المياه، ولأني مصاب بدهشة التشهي لجسده الغض الطري ومسحور بجسده البلوري الممرد وهائم بروحه الشفافة ومسافر بنرجسية عطائه ولغة حواره وحضوره وسمفونيته التي تتسلل إلى العظم والدم وخياله الطافح بالأمنيات الكبار، وطني لا يشبه الأوطان كلها لأنه وريث نفسه وليس وريثا للأوطان، له صوت بلابل نبل وهدوء صوت وحيوية وعبقرية وعنقود ضوء وامتداد ظل وأبخرة تباهي وسايكودراما عذوبة وعاطفة وسحر يمتد من الماء إلى الماء.

-- صحيفة الجزيرة - رمضان جريدي العنزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*