الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » في "حنين".. الشعب يبايع النظام

في "حنين".. الشعب يبايع النظام

من السطحية أن نعتقد أن كل المسؤولين المنوط بهم متابعة مشاريع بالمليارات ملائكة من النقاء. لذلك فتفعيل موضوع “الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد” والتي تم إقرارها من مجلس الوزراء أصبح أمرا لا يحتمل التأخير
شكراً لكل الجهود التي قام بها منظمو “ثورة حنين” ومناصروهم في الفيس بوك وفي الكهوف والجحور وخلف الكواليس. أشكرهم لأنهم منحونا نحن أبناء هذا الكيان العظيم فرصة جديدة للاستفتاء على وحدة الوطن ورموز هذه الوحدة العظيمة. تم التصويت بـ لا. لا للمظاهرات والتخريب والفوضى. لا للتعرض للمكتسبات المادية الكبيرة التي تحتويها أراضي هذا الوطن الكبير. الشعب قبل يومين بالفعل أعلن البيعة والولاء من جديد. مارس هذا الشعب الأصيل العصيان الكامل للدعوة المشبوهة التي تعب من أجل تنظيمها العملاء كما لم “يناضلوا” من قبل. غاب عن هؤلاء أن الشعب السعودي شعب مؤمن بطبيعته وأن موضوع المظاهرات وما يدور في فلكها من بيانات لا تحمل فقط الدعوة إلى الأصلاح ولكنها تحمل نوعاً من التخويف المبطن هي أمور أصلاً محرمة شرعاً ليس اليوم بل ومنذ أيام الشيخين عبدالعزيز بن باز ومحمد بن عثيمين رحمهما الله، نظراً لما قد تفضي إليه لا أدري هل كنت بحاجة إلى الوصول إلى هذه النتيجة دون الحاجة إلى الترقب وانتظار الموعد؟ شخصياً نعم ولا. كنت واثقاً أن لا شيء كبيرا سيحدث لكن القلق لا يمكن إلغاءه تماماً. والقلق في جميع الأحوال يعتبر أمراً صحياً هنا فهو الذي يقوي اللحمة. هناك بالطبع قلق يؤدي إلى التوتر والاكتئاب والخوف وهناك قلق يؤدي إلى التحفز والبحث عن الحلول. جميل جداً أن يعترينا بعض القلق والتوجس من وقت لآخر. إنها فرصة للتوقف وإعادة ترتيب الأولويات من جديد.
هذه على كل حال ليست المرة الأولى التي يحدث بها مثل هذا الاستفتاء العفوي الجميل. فقد كانت القرارات التي اتخذها الراحل الكبير فهد بن عبدالعزيز قبل عقدين تعتبر استفتاء هي الأخرى. علت أصوات النشاز والمعارضة آنذاك واستغل البعض مواقف الدولة لحماية مكتسباتها بأنه خطأ لا يغتفر لأنه استعان بالقوى الصديقة. غير أن القائد رحمه الله كان أكبر من أن يلتفت إلى هوس المتخاذلين المنتهزين. ويا سبحان الله ها هو التاريخ يعيد نفسه. يظهر في زمن الأزمات من ينسلخ خارج المنظومة وما هي إلا لحظات ويقول الشعب كلمته ثم يبقى هؤلاء وحدهم يعدون العدة للمناسبة القادمة. نعم كلنا مع دعوات الإصلاح لكننا لا نجد في استغلال الظروف السياسية في المنطقة وسيلة لفرض هذا الهدف. بل إن الإصلاح الذي قد يأتي بسبب الضغوطات الوقتية لا ينجح لأنه سيتشكل منقوصاً وتخرج لنا مشاريع مؤقتة قد تأتي عرجاء.
لكن ماذا بعد هذا الاستفتاء الجديد. وبعيداً عن الضغط أو الابتزاز، ما هي استحقاقات هذا الشعب الوفي الكبير. لا أعتقد أن حكومتنا اليوم بحاجة إلى المزيد من الكتابة عما هو مطلوب الأخذ به لارتقاء الإنسان السعودي والرفع من مستويات معيشته. تعددت المواضيع المتنوعة والآراء النيرة التي تحدثت عن الوطن بحب وغيرة ووضعت الكثير من المشاكل التي نعاني منها على السطح ولا بأس من إعادة طرحها هنا.
من أكثر المواضيع إلحاحاً بنظري هو مواجهة الفساد المالي والإداري. هذا الموضوع بحق أصبح على لسان العامة قبل النخب المثقفة أو المتخصصة. في بلادنا يتم إنفاق البلايين من الريالات في المشاريع المتنوعة ومن السذاجة ألا نتوقع حالات ارتشاء هنا أو هناك. ومن السطحية أن نعتقد أن كل المسؤولين المنوط بهم متابعة هذه المشاريع ملائكة من النقاء والصفاء. لذلك فتفعيل موضوع “الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد” والتي تم إقرارها من مجلس الوزراء في الأول من صفر لعام 1428هـ أصبح أمرا لا يحتمل المزيد من التأخير. نأمل أن تأتي هذه الاستراتيجية بقواعد صلبة وقادرة على وضع الخطوط الحمراء ليس فقط لمراقبة الفساد في المشاريع بل لمواجهة المحسوبية وإيقاف الواسطة ومنح الفرص الوظيفية بتكافؤ وعدل.
الأمر الذي لا يقل أهمية عن الفساد هو تطوير الخدمات الصحية. تحدثنا منذ سنوات عن الحاجة إلى تطبيق أنظمة التأمين الطبي الشامل كحل من الحلول. وتحدث غيرنا عن اقتراحات مختلفة كلها تصب نحو تطوير هذا القطاع الحيوي الهام. غير أن شيئاً كبيراً ومرضياً بالمقابل لم يحدث. فما زالت المستشفيات القائمة تغص بتزاحم المرضى والنقص في غرف العناية المركزة لا يقل بل يتمدد. الرعاية الصحية تحتاج من حكومتنا إلى موقف حازم وسريع للقضاء على هذه الحالة المدمرة نفسياً لفئة غير قليلة من أبناء هذا الوطن العزيز.
إضافة إلى كل ما ذكر هنا يأتي نظام الرهن العقاري الذي نسمع عنه لكن ولسبب لا نعلمه لم يتم العمل به بعد. هنا يأتي دور البيروقراطية البغيضة المعطلة للكثير من المبادارت الحكومية. هذه البيروقراطية تكلفنا الكثير ليس فقط معنوياً بل مادياً أيضاً.
في مناسبة الحديث عن البيروقراطية، أود الإشارة إلى أنه من السهولة بمكان أن تصدر الأوامر الكبيرة لصالح أبناء الوطن لكن المشكلة تكمن دائماً في آليات التنفيذ. ما المانع من التغيير في تناول هذه المشاكل التنفيذية. ما المانع من توظيف أكبر ثلاث دور عالمية للاستشارات الإدارية والتنموية المالية منها والإجتماعية ومنحهم الوقت الكافي في مهمة الكشف عن الخلل والبطء في تنفيذ مشاريعنا في المملكة. ليس ذلك فقط بل البحث عن الحلول بأقل التكاليف. فإذا كان الأمر يتطلب تأسيس جهات تنفيذية إشرافية جديدة والاستغناء عن القديم فليكن. وإن كانت المشكلة بيئية أو اجتماعية فيجب عرضها ومناقشتها. صحيح أننا تمكنا، مع التكرار وبعض الملل، من الوصول إلى معرفة بعض المعوقات التي وقفت أمام تنفيذ الكثير من المشاريع الطموحة ولكن هذا “الإنجاز” لا قيمة له إذا لم نتمكن من وضع الحلول وبالسرعة الممكنة. يجب أن نتحلى بالقوة والتصميم في مواجهة الصعاب التي وقفت حائلاً أمام تنفيذ العديد من برامج الخطط التنموية السابقة. تجارب العالم المتقدم في قطاعات الصحة ومواجهة الفساد والبطالة وغيرها تعتبر تجارب رائدة لا يمكننا بأي حال تجاهلها. لو أتت هذه المؤسسات العريقة لطرحنا عليها سؤالاً بالغ الأهمية. ففي ظل الهيكلة الاقتصادية الحالية ومحدودية الاستثمارات المتنوعة في الخدمات والسياحة والبيع والشراء المتطور، هل سنتمكن حقيقة من القضاء على البطالة؟ ليس فقط اليوم بل وغداً وبعد غد؟ مثل هذه المكاشفات ستقلل من الأوقات الضائعة ومن المحاولات الفاشلة التي جعلت من مقدرات الوطن وكأنها فأراً للتجارب في مختبر. هذه المكاشفات واعتماد الخطط الجديدة البديلة للعمل إذا توفرت فستحلق بنا إلى سماء الإبداع الذي ينتظره أبناء وبنات هذا الجيل المبارك. فهل نستقدم مثل هؤلاء الخبراء ونختصر المسافات والزمن؟ أتمنى ذلك.

-- الوطن أونلاين - فهد بن إبراهيم الدغيثر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*