الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ماذا يريد العرب من مصر؟

ماذا يريد العرب من مصر؟

منذ أربع سنوات كتبتُ مقالاً بعنوان (أين مصر؟) ونَشَرتهُ الصحيفة المعنيّة بعنوان (دور مصر)… بدأتُ حديثي مستشهداً بمقطع من مقال للدكتور حسن نافعة يتحدث فيه عن قلقٍ يراودهُ في تلك الأيام قائلاً: «قضيت أكثر من أسبوع متنقلا بين القاهرة وعمان وبيروت، ورغم قصر المسافة الزمنية التي تفصل بين هذه العواصم الثلاث…

إلا أن المسافة النفسية بينها راحت تتسع على نحو يثير القلق ويكاد يكون غير قابل للتصديق، ولا أظن أنني أبالغ إذا قلت أن المواطن العربي بدأ وهو يتنقل بين العواصم العربية المختلفة، وبالذات بين القاهرة وأي عاصمة عربية أخرى يحس على نحو متزايد بوجود تلك الهوة النفسية الكبيرة كأنه يتنقل بين عوالم، وربما كواكب مختلفة لا تمتّ لبعضها البعض بصلة…بل إن مصر الرسمية بدت في نظر البعض وكأنها تحاول أن تبني بينها وبين الدول العربية جدارا عازلا يرونه أكثر خطورة وضررا على الطرفين من جدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل فعلا بينها وبين الفلسطينيين!..»

ذكرتُ يومها أن الخطير في الكلام صدورهُ عن رجلٍ لايمكن التشكيك بوطنيته أو المزاودة عليه، فضلاً عن كونه أستاذ علوم سياسية مخضرم والأمين العام لمنتدى الفكر العربي. تحدثتُ في المقال أيضاً عن جملةٍ من الهواجس والمخاوف التي يُعبّر عنها صفوةٌ من المثقفين والكُتاب المصريين قبل غيرهم بشأن دور مصر المُنتظر، وختمته بما ختم به الدكتور نافعة مقاله قائلاً: «غير أن أكثر ما يحز في النفس، في هذا الصدد، أن تبدو مصر مشغولة إلى حد الاستغراق الكامل في تفاهات من هذا النوع في وقت يبدو فيه غيرنا مشغولا باستنفار الأمة وبدعوة مناضليها للجهاد المقدس لإنقاذ المسجد الأقصى، أو بدعوة مفكريها للمساهمة في صياغة وإقرار «مشروع حضاري نهضوي عربي»، وأيا كان الأمر فمن الواضح أن المسافة النفسية التي تفصل مصر الرسمية الآن عن بقية العالم العربي باتت تعادل ذات المسافة التي تفصل بين «المشروع الحضاري النهضوي العربي» وبرنامج «هالة شو»».

نشرتُ بعدها بعام مقالاً بعنوان (مصر التي نحب) أشرت فيه إلى مظاهر لايتم التركيز عليها من مصر الحقيقية، ثم عندما ظهرت منذ سنتين حملة غريبة لمقاطعة مصر نشرتُ مقالاً آخر بعنوان (حملة مقاطعة مصر: عيبٌ وقلة وعي ودعوةٌ للانقسام). فعلتُ هذا، وفعله كثيرٌ من المثقفين والكتاب فقط لأنهم يعرفون قيمة مصر ودور مصر وتأثير مصر، وماقدَّمته ومايمكن أن تقدمه لهذه الأمة.

وقد وجدت في أرشيفي مادة تتعلق بهذا الموضوع منها قول وحيد عبد المجيد في (الحياة) بتاريخ 3 ديسمبر 2006م: «فمصر، التي صغرت، لا تحفل نخبها السياسية والثقافية في معظمها إلا بكل ما صغر من قضايا، أو بما هو متهافت في القضايا الكبيرة التي يجري تسطيحها من دون هوادة في الجدل العام». أما فهمي هويدي فكتب قبل ذلك في (الأهرام) بتاريخ 30 أكتوبر من نفس العام عن (اللامعقول في بر مصر) مفتتحاً مقاله بالعبارة التالية: «بعض الذي يحدث في مصر هذه الأيام من الفداحة بحيث يصعب تصديقه‏، حتى يستحي المرء أن يتحدث عنه‏، لأنه كاشف على نحو معيب‏، يكاد يعيد إلى الأذهان عصر ما قبل الدولة المركزية في الزمن السومري‏».

فضلاً عن كتابات مشابهة لمأمون فندي في (الشرق الأوسط) وسعد الدين إبراهيم في (الراية) وعزت القمحاوي في (القدس العربي) وأسامة أنور عكاشة في (المصري اليوم) وجمال سلطان في (المصريون)، وغيرهم في مجموعة من الصحف والمجلات والدوريات. ورغم الاختلاف الظاهر في توجهات هؤلاء الكتاب والمثقفين المصريين وفي خلفياتهم الثقافية إلا أن ماكان يجمع كتاباتهم هو الانشغال بالبحث عن أسباب غياب وزن مصر وتلاشي تأثيرها الإيجابي المطلوب في المنطقة.

أما الآن، وبعد أن قامت مصر من سباتها التاريخي كما تقوم العنقاء، وبعد أن قدمت للعالم نموذجاً بثورتها المجيدة قد لايكون له مثيلٌ في تاريخ البشرية، وبعد أن أثبتَ شعبها العظيم أنه نفض عن روحه غبار عقودٍ من التهميش والسلبية واللامبالاة، فإن مسؤولية مصر كبيرةٌ وكبيرةٌ جداً. وماننتظره منها كعرب كبيرٌ وكبيرٌ جداً.

لقد كان غياب مصر سبباً رئيساً من أسباب الانحطاط العربي العام. لانتحدث فقط عن الغياب السياسي الذي أفرز واقع الهزيمة والتجزئة والانقسام والتبعية، وإنما عن الغياب الحضاري في الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية والأدبية، والذي ساهم إلى درجة كبيرة في تسطيح وتسخيف وهُزال وتخلّف الحراك العربي العام في فعاليات الحياة المذكورة.
من هنا، فإن عودة مصر إلى الحضور في كل تلك المجالات أساسيٌ جداً، ومطلوبٌ جداً.لأن ظهور واستقرار مصر الديمقراطية القوية، مصر النظام والتنمية، مصر العدالة والحرية والمساواة، مصر التعايش والتعددية، مصر الاستقلالية والعزة، مصر التخطيط والعلم، مصر التي تنتج الفن الراقي والأدب الراقي، مصر التي تنفتح على العالم وتتعامل معه سياسياً وثقافياً وحضارياً بتوازنٍ يليق بتاريخها وهويتها، مصر الشريفة التي تحارب الفساد، مصر التي تحترم إنسانها أياً كان وضعه الاقتصادي والاجتماعي، مصر التي تهتم بشأن أخواتها في العالمين العربي والإسلامي.

إن ظهور هذه الـ (مصر) التي كنا نحلم بها كعربٍ لعقود، وننتظرها كما ينتظر العطشان جرعة ماء، سيؤثر إيجابياً في العالم العربي بأسره، بغض النظر عن كل ماجرى ويجري وسيجري في أي بلدٍ عربي آخر الآن.

من هنا، نرى كعربٍ بأن كل مصري مسؤولٌ منذ اليوم، ليس فقط على أن يحفظ طهارة ونقاء الثورة المصرية العظيمة. بل وعلى التعاون لإخراج نموذج مصري حضاري متميز يكون منارةً للعرب في المرحلة القادمة الصعبة، وهو نموذجٌ لن يصعب على مصر بناؤه على الإطلاق بكل مالديها من تاريخ وخبرة وطاقات.

لهذا نقولها بصراحة: المجلس العسكري الانتقالي مسؤول، ورجال السياسة مسؤولون، وشباب الثورة مسؤولون، والحكماء مسؤولون، والمثقفون مسؤولون، والإعلاميون مسؤولون، ومعهم الأكاديميون والطلبة والفنانون وكل شرائح المجتمع المصري. بل إننا نشعر أن كل فردٍ مصري في هذا الشعب العظيم بات مسؤولاً.

هذه مسؤولية تشريف وتكليفٍ في نفس الوقت. وهي تنبع من حجم المعجزة التي كانوا قادرين على تحقيقها، بحيث بات تحقيق مابعدها ممكناً إذا ماأرادوا ذلك.

أما بقية العرب، فإن مسؤوليةً كبرى تقع على كل قادرٍ منهم على مساعدة مصر والمصريين على بناء النموذج الحضاري المطلوب. إسهاماً فكرياً وأكاديمياً واستثمارياً وإعلامياً، وبكل طريقة ممكنة، لأن مثل الإسهام سيصبّ في النهاية في مصلحة جميع العرب.
وللشعب المصري الكريم نقول: لقد تصدّيتم لمهمةٍ يقوم بها القلائل في هذا العالم. لقد تصديتم لصناعة التاريخ، ولايمكن لمن يسير على هذا الطريق وينجز فيه ماأنجز أن يتوقف أو يعود إلى الوراء.

-- المدينة - د. وائل مرزا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*