السبت , 3 ديسمبر 2016

مصر خائفة من نفسها

إذا دققت في أسباب رفض أو قبول التعديلات الدستورية ستجد في العمق تخوفات من هذا الفريق ضد الفريق الآخر، الذين يقولون لا للتعديلات يتخوفون من جماعة الإخوان المسلمين ومن بقايا النظام السابق وفلوله، والذين يقولون نعم للتعديلات متخوفون من العلمانيين المتطلعين إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور، وهذا يفسر نوعية الاصطفاف الحاصل حول التعديلات الدستورية، القوى الحديثة والعلمانيون واليسار عموما والليبراليون كل هؤلاء يقولون: لا للتعديلات، وقوى الإسلام السياسي مضافاً إليهم جموع كبيرة من السلفية التي تحاول اليوم فك عزلتها عن المجتمع، وفي القلب من هؤلاء جميعاً جماعة الإخوان المسلمين يقولون: نعم للتعديلات، بل اعتبرها بعضهم واجباً شرعياً يثاب من يأتيه، ويؤثم من يتخلف عن القيام به.

رغم شهر العسل الوطني القصير إلا أنك ستجد لغة أخرى عادت لتبرز مجدداً في مواجهةٍ معلنة بين تلك القوى التي شاركت في صناعة الثورة، البعض يوصف الإخوان بالانتهازية السياسية ويذكرهم بتاريخ طويل في هذا المجال، وهم ومن معهم يشككون في مقاصد القوى الحديثة ودوافعها.

وكما اعتبر البعض في الاتجاه الإسلامي أن التصويت بنعم واجب شرعي على كل مسلم هناك فضائيات وشخصيات قبطية تلح في طلب المشاركة في الاستفتاء وتعتبر التصويت واجباً شرعياً على الأقباط، الخوف ركب الجميع، ويبدو أنه قادر على تحريكهم الآن بدون تبصر.

حتى عامة الناس الذين انفجرت في وجوههم ماسورة كلام حول الدستور ومواده، وتعديله أو إسقاطه، وتناغم صياغته وعدم اتساقها، كل هؤلاء بدا أنهم يتخوفون من كل هذه اللغط الذي يشوش عليهم مواقفهم، ويقلق بالهم على مستقبل الثورة التي خرجوا إلى تأييدها زرافات وفرادى، حتى إن بعضهم قال لي: مبارك كان شايل عنا بلاوي، وكنا في راحة من أمرنا يقرر ويصوت نيابة عنا من دون أن يوجع دماغنا.

وأخشى القول بأن التعديلات مظلومة، وفيها الكثير مما كانت تطالب به القوى الوطنية، بل لعلها كانت ترضى بأقل منها إلى وقت قريب، وأظن أن الخلاف الحقيقي الكامن وراء كل هذه المواقف المتضاربة ليس على نصوص التعديلات نفسها، وإن بقيت بعض النصوص في حاجة إلى ضبط ومراجعة يحققان التوافق الوطني الجامع حولها، ويبقى جوهر الخلاف حول مضمون وإجراءات الفترة الانتقالية.

هنا الخلاف الحقيقي، وهناك من يرى ترتيبات محددة ومحدودة تكفي لعبور هذه الفترة الانتقالية، وقد وضعتها التعديلات ومن قبل بيانات المجلس الأعلى في صورة تراتبية تبدأ بإجراء بعض التعديلات على الدستور القائم، ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية أولاً لانتخاب مجلس الشعب، وثانياً لانتخاب ثلثي مجلس الشورى، ثم انتخابات رئاسية، وبعدها يأتي الدور على خطوة وضع دستور جديد، وحددت التعديلات الجهة المنوط بها وضع الدستور وكيفية اختيارها والجهة التي تختارها والمدة الزمنية التي تنجز فيها مهمتها.

وهناك آخرون يرون الأمر من زاوية عكسية تبدأ ببديهية أن الثورة لم تُسقط الرئيس وحده، بل هي أسقطت النظام الذي كان يترأسه، وأسقطت الشرعية التي كان عليها، شرعية الدستور المهلهل، وينطلقون من هذه البديهية إلى ترتيبات أخرى، تبدأ من وقف العمل بالدستور القديم، وإعلان دستوري يحكم الفترة الانتقالية، يتم على إثره عودة القوات المسلحة إلى ثكناتها، وتعيين مجلس رئاسي تكون له طبقاً لبنود الإعلان الدستوري إدارة شئون البلاد في فترة انتقالية لا تزيد على عام، يتم خلاله انتخاب لجنة تأسيسية لوضع الدستور الجديد، ويعين حكومة انتقالية، ويعكف على إجراء التعديلات المطلوبة على القوانين المتعلقة بالحياة السياسية بهدف إطلاق الحريات العامة وترسيخ حقوق المواطنين، وعلى أساس من الدستور الجديد تجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية، لتبدأ مصر عصراً جديداً من الديمقراطية الحقيقية.

والحق أن هذا هو جوهر الاستفتاء غداً، وغير هذا مجرد تفاصيل، من يختار الطريق الطويل إلى الدستور الجديد فعليه أن يقول: نعم، ومن يختار الطريق المستقيم الذي هو أقصر الطرق يقول معي: لا للتعديلات.

-- الدستور - محمد حماد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*