الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في تحولات ( فجر أوديسا )

قراءة في تحولات ( فجر أوديسا )

يمثل تدخل التحالف الدولي المستمر في ليبيا، الذي أطلق عليها اسم “عملية فجر أوديسي”، تغييراً كبيراً في الوضع العسكري، ولكن ربما لا يعكس تغييراً حاسماً. لقد شكل بالتأكيد ضربة للنظام وعزز من [قابلية] المتمردين. ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن رقم 1973 وتنفيذه حتى الآن يترك عدد من القضايا العسكرية التي لم تحل بعد. وفي ظل بعض الظروف، يمكن للنظام وقواته الصمود أمام الهجمات ومواصلة الاستحواذ على الأراضي التي استعادوها من المتمردين.

مجرى العملية حتى الآنقبل إطلاق “عملية فجر أوديسي”، كان نظام القذافي يكسب الحرب، ويعزز سيطرته في القسم الغربي من البلاد، ويحافظ على قبضة محكمة على طرابلس، ويزيد الضغط على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في مدن مصراتة وزينتان ونالوت. وفي الشرق، كانت قوات النظام تبدأ بعمليات ضد بنغازي بعد أن [نجحت] بعزل أجدابيا. ومن الناحية العسكرية، كان من المرجح أن تنتهي الحرب في غضون أيام، بوصولها إلى نهاية سيئة للغاية بالنسبة لمعارضي القذافي في الداخل والخارج.

لقد تم تنفيذ “فجر أوديسي” في الوقت المناسب لمنع هذه المحصلة. وتشمل هذه العملية متعددة الجوانب ما يلي:
• قمع نظام الدفاع الجوي الليبي للحد من التهديدات التي تتعرض لها العمليات الجوية التي يقوم بها التحالف الدولي. وبالفعل لقد كان ذلك فعالاً، على الرغم من أنه لا يؤثر بصورة مباشرة على الحرب التي يشنها القذافي ضد المتمردين. ومع ذلك، من المرجح أن يخفض ذلك من ثقة عناصر النظام.
• الرد على ضربات القيادة والسيطرة بإنزال ضربات مضادة لتعطيل قدرة النظام على السيطرة على قواته.
• منع استخدام القواعد الجوية الرئيسية للحد من قدرة النظام على القيام بعمليات جوية، بما في ذلك العمليات الهجومية، والاستطلاع، والنقل.
• فرض منطقة حظر الطيران فوق شمال ليبيا لمنع قيام النظام بعمليات جوية هناك.
• شن غارات أرضية ضد عناصر النظام المدرعة والمدفعية التي تهدد التجمعات السكانية، وهي أساساً محدودة على بنغازي في الوقت الحاضر.

إن لهذه الأنشطة آثار رحبة الآفاق ولكن ليس بالضرورة حاسمة على الوضع العسكري. فقد خفضت عدد من المزايا التي تمتعت بها قوات النظام سابقاً. وعلى وجه الخصوص، قضت عمليات التحالف الدولي على ميزة القذافي الجوية. وقد وفر ذلك دعماً نفسياً لقوات المعارضة، كما شكل على الأرجح ضربة نفسية للنظام وقواته، التي هي الآن عرضة لهجمات الحلفاء الجوية.

وفي الواقع، إن الهجمات جو- أرض التي يقوم بها الحلفاء قد دمرت بالفعل بعض قوات النظام المقاتلة، وخاصة الدبابات، والمركبات القتالية، والمشاة المؤللة، وأنظمة المدفعية التي تعمل في شرق ليبيا — وهي بالذات القوات التي أنزلت بالمتمردين أشد الضربات. ففي هجوم واحد في 19 آذار/مارس، تم تدمير ما يقرب من سبعين من مركبات القتال والدعم، مما أدى إلى صد قوة القذافي الهجومية في الشرق إلى حد كبير، ويُحتمل أن تكون قد منحت قوات النظام الأخرى التي تقاتل في العراء فترة من التوقف لبعض الوقت. وسيؤدي استمرار الهجمات على العناصر التي تعمل على الأرض إلى الحد من قدرة النظام على التنقل وتمنعه من تركيز قواته للقيام بهجوم. وسابقاً، كان القذافي يستخدم المدفعية لقصف قوات المعارضة والمدنيين، الذين لم يكن لديهم رد فعال، ويقوم بعد ذلك بشن غارات بالآليات المدرعة على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وبتكراره هذه العملية حتى انهيار المقاومة.

وحتى الآن لم تكن الهجمات على “مراكز القيادة والسيطرة” سوى جزءاً محدوداً من “عملية فجر أوديسي”. ومع ذلك، إذا ما استمرت هذه الهجمات أو توسعت، بإمكانها أن تقلل من قدرة النظام على تخطيط وتنسيق عمليات عسكرية، لا سيما العمليات الهجومية في الشرق.

استمرار مزايا النظام[بالرغم من التطورات الآنفة الذكر]، فمع ذلك لم تتناول “عملية فجر أوديسي” جميع عناصر الصراع. فما زالت قدرة النظام على نقل القوات والإمدادات عبر مسافات طويلة قائمة كما كانت، وبذلك تشكل ميزة كبيرة. وقد استغل القذافي هذه الميزة سابقاً لشن هجمات في الشرق والحد من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في الغرب، ويمكنه أن يفعل ذلك مرة أخرى إذا بقيت “الغارات جو – أرض” التي يقوم بها التحالف الدولي محدودة أو تتوقف تماماً.
وقد استطاعت قيادة النظام أيضاً أن تخطط وتنفذ استراتيجية مضادة ضد المتمردين كانت ناجحة إلى حد كبير، مما يجعل من القيادة العليا هدفاً مشروعاً. ومع ذلك، لم تتعرض هذه القيادة لأي هجوم حتى الآن.

أما بالنسبة للمتمردين، فعلى الرغم من تحسن وضعهم الدفاعي، لم يتم عمل شيء لإعادة قدراتهم الهجومية بصورة مباشرة. وهناك فرق كبير بين التمسك بالأراضي عن طريق اتخاذ إجراءات دفاعية، والسيطرة والحفاظ على الأراضي من خلال القيام بعمليات هجومية، التي بطبيعتها أكثر صعوبة من ناحية التخطيط، والسيطرة، والدعم. وبالإضافة إلى تحسين الروح المعنوية، يحتاج المتمردون إلى سلاح أفضل، وهو الأمر بالنسبة للتدريب، و”مراكز القيادة والسيطرة”، إذا ما أرادت قواتهم أن تتولى زمام الأمور والقيام بهجوم. إن إحدى النتائج المترتبة على التأخير في التدخل الخارجي هو أن هناك الكثير جداً من الأراضي التي على المتمردين استعادتها مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اسبوع او اسبوعين — فعلى سبيل المثال، تبلغ مسافة الطريق بين بنغازي وطرابلس نحو 650 كيلومتر.

مستقبل مسار الحربلقد تغير الوضع كثيراً، وسيتوجب على كل من النظام والمتمردين التكيف [للأوضاع الجديدة]. ومن المرجح أن ينطوي رد النظام على مزيج من استمرار عمليات المعلومات، والمزيد من الضغوط على مصراتة وغيرها من المناطق في الغرب، واستخدام أساليب قتالية جديدة للحد من التعرض للقوات البرية، وإجراء تحولات دفاعية لجعل التحالف الدولي يقود عمليات أكثر هجومية ومغامرة وأقل قبولاً سياسياً، وربما التراجع من الشرق بتنفيذ سياسة الأرض المحروقة.

إن القضية الرئيسية بالنسبة للمتمردين هي فيما إذا كان بإمكانهم الاستفادة من “عملية فجر أوديسي” لبناء قدراتهم الهجومية وتوسيع المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وبالفعل، بدأت قوات المعارضة بالتحرك نحو الغرب في أعقاب هجمات التحالف الدولي، ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكانهم القيام بهجمات متواصلة ضد قوات النظام التي تقاتل في موقف دفاعي.

وعلى كل حال، قد لا تنتهي الحرب بسرعة أو بصورة حاسمة. ويعتمد الكثير على مدى مغامرة واستمرارية عمليات التحالف الدولي، وعلى الكيفية التي سيرد بها النظام والمتمردين على الوضع الجديد. وإذا ما افتُرض أن “عملية فجر أوديسي” ستستمر في نطاقها وحجمها الحالي، ويبقى القذافي في تحديه، ولا يشن التحالف الدولي هجوما من الأرض، فأمامنا فترة طويلة من القتال. وتواجه كل من قوات التحالف الجوية والمتمردين تحديات عملياتية كبيرة، مثل استهداف قوات النظام التي تختلط مع السكان في المناطق المبنية أو تصمد ببساطة في مواقعها.

وفي الغرب، من المرجح أن يحاول القذافي تطهير جيوب المعارضة المتبقية، وخاصة مصراتة. إن ذلك يعني قيام مستوى معين ومستمر من النشاط الهجومي أو الحصار ويثير التساؤل حول الكيفية التي سترد بها قوات التحالف على مجرى الأمور هناك.

وفي الشرق، قد يقر القذافي بأن قواته لن تكون قادرة على الاستيلاء على بنغازي في ضوء الغارات الجوية التي يقوم بها الحلفاء. وبناء على ذلك، قد يحاول تعزيز سيطرة النظام من أجدابيا وحتى الغرب، مما سيترك دويلة صغيرة تحت سيطرة المعارضة في شرق البلاد، على غرار منطقة كردستان في عهد حكم صدام حسين في العراق.
وهناك العديد من الأسئلة الرئيسية التي ستحدد فيما إذا ستكون المرحلة النهائية هي انهيار النظام، أو وجود جمود عسكري، أو قيام نوع من المفاوضات السياسية:
• هل سيعمل التحالف بصورة هجومية، ويفسر تفويضه بصورة واسعة، أو هل سيحصر عملياته؟
• هل ستقوم قوات التحالف بضرب عناصر النظام على الأرض التي لا تهاجم المناطق المدنية بصورة نشطة؟
• ما الذي ستفعله قوات التحالف حول هجمات النظام على مصراتة وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الغرب؟
• هل سيكون المتمردون يقادرون على شن هجوم ناجح في اتجاه طرابلس؟

توصيات عسكريةفي الانتقال إلى المرحلة اللاحقة، يجب على قوات التحالف أن تضغط بقوة لخفض قدرات القذافي الأرضية أو القضاء عليها. وينبغي أن يشمل ذلك القيام بهجمات واسعة على قوات النظام البرية أينما كان بالإمكان تحديدها وضربها، جنباً إلى جنب مع شن هجمات على مناطق التخزين، ووحدات التجهيزات والنقل، وعمليات النظام المتعلقة بالإمداد والتجهيز والتي تشمل نقل المعدات الثقيلة والتموين. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي تزويد المتمردين بالوسائل العسكرية لاتخاذ مبادرة الهجوم، ويشمل ذلك المساعدة في الأسلحة، والتدريب، والاستخبارات، و”مراكز القيادة والسيطرة”.

وينطوي هذا النهج على قبول بعض المخاطر من الأضرار الجانبية، وخسائر الحلفاء، وتغيير شكل العملية عن أهدافها الأولية من غير قصد بحيث تصبح أوسع نطاقاً. ولكن ليس هناك مكافأة دون خطر، ويبدو أن الرحيل السريع لنظام القذافي يستحق المخاطرة.

——————————————————————–

جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن، متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.
 
اسلام ديلي

-- جيفري وايت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*