الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تونس بين خيار الصفح والمصالحة وخيار الانتقام والمحاكمة.

تونس بين خيار الصفح والمصالحة وخيار الانتقام والمحاكمة.

تشهد تونس حراكا سياسيا مكثفا وغنيا لكنه مفتوح على كل الاحتمالات .

والحراك السياسي حالة صحية وظاهرة طبيعية طالما ظل محكوما بالأهداف التي قامت من أجلها ثورة الياسمين : الكرامة ، العدل ، المساواة ، الحرية ، ووحدة الشعب والوطن .

وبالقدر الذي جسد فيه الشعب التونسي حلم الشاعر أبي القاسم  الشابي : إذا الشعب يوما أراد الحياة  // فلا بد أن يستجيب القدر ، عبر ثورة سلمية أسقطت أعتا الأنظمة وأشدها قسوة وتحكما ؛ بالقدر الذي يعطي فيه المثال بكون التغيير السياسي لا يكون دائما بالانقلاب والعنف والدماء.

 إن هذه الصورة المشرقة للتجربة التونسية في مقاومة الاستبداد تجعل المسئولية جسيمة على صناع هذه الثورة للحفاظ على جذوتها وأهدافها .

 ذلك أن مهمة  إرساء أسس نظام سياسي ديمقراطي يضمن لكل المواطنين حريتهم وكرامتهم أعقد وأخطر من إسقاط نظام قمعي استبدادي .

 وقد أثبتت التجارب التاريخية أن معظم الثورات ضد الاستبداد لم تؤسس للحرية والديمقراطية ، بل أتت بأنظمة أشد بطشا وقهرا من سابقاتها . وعالمنا العربي أدق مثال لهذه التجارب المخيبة للآمال والتي قذفت بالشعوب في براثين أنظمة أشد فسادا وبطشا من التي أزاحتها الانقلابات والثورات .

 لهذا ستكون تجربة تونس على المحك لأنها ستضع التجارب التي تستلهمها إما على سكة التغيير الحقيقي الذي ينأى بها عن كل ردة وانتكاسة ،  أو يضعها على جرف هاوية تأتي على كل الآمال والانتظارات .

والحراك الذي تعرفه الساحة السياسية في تونس مفتوح على الخيارين معا سيما وأن الركوب على مكتسبات الثورة بات أمرا مألوفا خاصة من قبل الأطراف التي لم تلعب أي دور في إنجاح الثورة ودعمها .

 مناسبة هذا الحديث التخوفات التي عبر عنها كثير من المثقفين التونسيين بسبب الأصوات المطالبة بالانتقام من كل الأطر والأسماء التي عملت ضمن نظام بنعلي وإن لم يثبت في حقها أي جرم سياسي أو اقتصادي .

 بل إن التخوف الحقيقي جاء من إقدام وزارة الداخلية على حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي حكم  تونس على عهد بن علي .

وتعمقت مشاعر الانتقام بسبب الحملات الإعلامية التشهيرية ضد كل المحامين الذين قبلوا الدفاع عن ملف الحزب أمام القضاء التونسي لإلغاء قرار الحل . وهذا أمر لا يشرف ثورة الياسمين التي قامت من أجل كرامة التونسيين أيا كان انتماؤهم الحزبي أو الإيديولوجي .

 وأي ثورة تعبد طريقها على مشاعر الانتقام والحقد لن تكون إلا وبالا على شعبها .

 والتوجه إلى إقصاء كوادر الحزب وفعالياته وكفاءاته من المساهمة في بناء تونس الكرامة  والديمقراطية هو إجحاف في حقهم كمواطنين ، وإجحاف في حق تونس الوطن الذي ينبغي أن يتسع للجميع .

 لا أحد سيوافق على التستر عن مرتكبي الجرائم السياسية والاقتصادية في حق الوطن والمواطنين .

 لكن سيكون من غير المقبول اعتماد سياسة الانتقام والإقصاء لا لشيء سوى لشبهة الانتماء إلى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي .

فتونس بحاجة إلى كل أبنائها ، وبحاجة إلى تضميد جراحها لا أن تفتح جراحا لن تندمل في حق أعضاء هذا الحزب الذين يتجاوز عددهم المليونين .

لهذا ، فالمدخل السليم لبناء تجربة رائدة في العالم العربي هو إجراء مصالحة حقيقية وشاملة بالموازاة مع محاسبة المتورطين في النهب والفساد عبر محاكمات عادلة وشفافة تحترم حقوق المتهمين بعيدا عن كل رغبة في الانتقام .

ذلك أن الظروف التي تمر بها تونس تستدعي الإنصات إلى صوت العقل وتغليب المصلحة العامة والتمسك بكل ما يشد التونسيين إلى المستقبل ، بعيدا عن نزوعات الانتقام والإقصاء .
فإذا كانت الثورة قامت لوضع حد لسياسة القمع والإقصاء ، فإن المطلوب التأسي بالتجارب المشرقة، سواء في تاريخنا الإسلامي أو بعض التجارب المعاصرة .

 وليس أهم من تجربة رسولنا العظيم محمد صلوات الله عليه وسلم لتكون نموذجا يتحدى في التعامل مع مثل هذه الأوضاع التي يفقد فيها الأقوياء سلطتهم وتصير بيد من كانوا ضعفاء .

إن نموذج الصفح الذي جسده رسولنا الكريم في قولته الخالدة” اذهبوا فأنتم الطلقاء” لما عفا وأصفح عن كفار قريش حين فتح مكة ، ينبغي أن يلهم كل التونسيين ،وعلى رأسهم المشاركون في رسم معالم تونس الغد .

 كما يمكنهم استلهام التجارب الأوربية في إسبانيا بعد موت الديكتاتور فرانكو ، وأوربا الشرقية وألمانيا بعد انهيار جدار برلين .

 فلم تعرف هذه التجارب محاكمات انتقامية أو منع الأحزاب التي كانت تابعة للأنظمة الحاكمة ولا حتى  إقصاء قيادات وكوادر هذه الأحزاب التي كانت مسئولة عن إدارة الدولة من المشاركة في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة .

وكل محاولة لمجاراة مطالب حركة النهضة بإقصاء كل من يحمل جنسية مزدوجة من التونسيين حتى لا يكون عضوا بالهيئة الانتخابية ، ستكرس منطق الإقصاء والانتقام الذي سينعكس سلبا على اللحمة التونسية . إذ هناك من اضطرتهم ظروفهم إلى العيش في المنفى وطلب الجنسية الثانية ؛ لذا سيكون من الإجحاف الطعن في وطنيتهم .

 أكيد أن  المرحلة الدقيقة التي تمر منها تونس تتطلب التجرد من الذاتية والإصغاء لصوت الضمير والعقل ، خصوصا وأن دائرة الاحتجاج وعدم الرضا آخذة في الاتساع لتشمل ، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب ، الهيئات الصحافية والإعلامية التي صدمت بسبب قانون الصحافة الجديد الذي يحافظ على الفصول والأحكام المتعلقة بالعقوبات الواردة في القانون الحالي ، بل إن العقوبات الواردة في المشروع الجديد تتجاوز في بعضها الأحكام المنصوص عليها حاليا .

 ويرجع الصحافيون سبب هذا التشدد إلى كون مشروع القانون صاغه متخصصون في القانون بصفة فردية من دون استشارة الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال المكونة من إعلاميين ومتخصصين .

الأمر الذي جعل نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري ينتقد هذا المشروع بقوله “مشروع مجلة الصحافة الذي تم اقتراحه يمثل تواصلاً للروح التضييقية للقانون السابق نفسها، ويكرس تدخل الحكومة في مجال الإعلام عن طريق تدخل وزارة العدل عوضًا من الداخلية، إضافة إلى كون معظم فصوله مستنسخة عن القانون الفرنسي بأخطائها وسياقها التاريخي، وهنا نستشف بوضوح أن اللجنة التي أعدته لم تبذل أي مجهود، كما إنها انفردت بصياغته من دون مراجعتنا.” .

لتجاوز حالة الاستياء هذه بين الصحافيين والمتحزبين ، ولقطع الطريق على تيارات الإقصاء والانتقام التي تريد أن تدخل تونس في دوامة عنف جديد وتجهض آمال ثورتها ،  سيكون من الأجدى دعم التوجه الذي عبر عنه الرئيس التونسي المؤقت فؤاد المبزع في الكلمة التي ألقاها بمناسبة الذكرى 55 لاستقلال تونس ، والمتمثل في إجراء مصالحة وطنية ” تستند إلى المحاسبة القانونية العادلة والشفافة صونا لحقوق الجميع وحفاظا على مصالح الشعب التونسي” ، بعيدا عن روح الانتقام .

إذ لا يمكن تحقيق انتقال سلمي وسليم إلا عبر مصالحة حقيقية لا تضمر الحقد والانتقام “. إن تونس بحاجة إلى هذه المصالحة التي تقوي البناء الديمقراطي وتحمي مكتسبات الثورة  .

إنها المصالحة التي قال عنها المبزع  “المصالحة تؤمن صلابة البنيان وتماسكه وديمومته وحصانته من الارتداد كما أنها تعد الضامن لانخراط الجميع في خدمة هدف مشترك تجسده مصلحة تونس وشعبها مهما تنوعت المسالك وتعددت المناهج أو اشتد التنافس الديمقراطي النزيه”.

نأمل أن يسود روح الانفتاح والتسامح وينتصر صوت العقل والضمير .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*