السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عصر التقنية يشكِّل الهوية الإليكترونية

عصر التقنية يشكِّل الهوية الإليكترونية

لماذا خصّ الشباب لعنونة ما جرى ويجري من أحداث في الوطن العربي؟ ولماذا استُبدل الشعب بالشباب كعنوان للمظاهرات والاحتجاجات التي ظهرت فجر عامنا الميلادي الجديد؟

وبالتأكيد شاهدنا الشيوخ والأطفال ومن الجنسين عبر القنوات الفضائية، فما السر وراء هذه العنونة الشبابية حصراً؟ هل يمكن تلمُّس أمر ما خلف هذه العنونة والتخصيص؟

إنّ أول ما قد يتبادر إلى الذهن هو أنّ المحرك الحقيقي اختفى خلف هذا العنوان، أو أنه أراد استثماره لصالحه دون تحمُّل خسائره، بيْد أنّ مثل هذا التفكير قد تشوبه متلازمة المؤامرة التي توصم صاحبها بالعجز عن فهم روح العصر وهويته، وإزاء ذلك فمن المهم جداً الإطالة على روح العصر وتلمُّس معالم هويته، وقد لا أخطئ إذا قلت إنّ روح عصرنا الراهن هي المعلومة وان هويته التواصل الحر عبر الهواء الذي يلف الكرة الأرضية، حتى إن تباينت اللغات بين الألسن، وهي من أصعب العوائق، قد أمكن التغلب عليها بواسطة الترجمة الإليكترونية المباشرة، ما يعني أنّ الهوية الإنسانية راهن عصرنا تتشكّل بغنى وعمق وتنوع أبعد من المكان وخارج حضارات التاريخ وصراعاته القديمة، وهي هوية عالمية قد تتمايز وتتفاوت في وضوحها حتى في المجتمع الواحد.

ولا أظن أننا غير قادرين حتى الآن عن إدراك عمق حالة التغير الذي أحدثته التقنية الإليكترونية، المتمثلة في هواتف إليكترونية وقنوات فضائية وشبكة التواصل والمعلومات (إنترنت)، في تشكيل الهوية الجديدة لأبنائنا وبناتنا، حتى لكأنّ الأرض بما فيها من أمم وحضارات وتقلُّبات في الأحداث ليست إلاّ ضغطة زر بإصبع واحد، حتى تكون داخلاً في معمعتها وإرهاصاتها ومشاركاً ومؤثراً فيها، وربما رأينا كل هذا ليس إلا ترفاً وترفيها وفي أحسن الأحوال وسائل حديثة لتسهيل الحياة والمعاش، وهي كذلك في ظاهرها، على الأقل بالنسبة لمن تجاوزت بناء وعيه هذه التقنيات أو تجاوز تقدمها قدرة استيعابه أو انفصلت قدرته عن مؤثراتها، بدليل أنّ كثيراً منا يشتكي التصاق أبنائه وبناته بوسائل التقنية عن القراءة أو حضور التجمع الأسري مثلاً، دون أن يدري أو يشعر أنهم يعيشون في عمق عصرهم فعلاً وأنه هو الذي يعيش خارج عصره، ثم يأتي ظاهر هذا الانفصال في الملبس والمأكل وحتى العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى طريقة التفكير واختلاف ردّ الفعل لتبيّن بشكل واضح وجلي حالة الانفصام في الاستيعاب والانفصال عن الواقع، وليس مرد ذلك إلاّ ربما غفلتنا عن فهم التكوين للهوية الإنسانية التي تتغير بحسب العصور ومعطياتها، ولهذا أعتقد أن (أكترنة) التواصل والاتصال وتصاعد تقنيته، لابد أن توصلنا يوماً ما إلى الهوية الإليكترونية العالمية.

ولعلنا من خلال فحص ما تمر به منطقتنا العربية من تموّجات لم تكن مألوفة أو حتى متوقعة، أن نرى بوضوح نشوء الهوية الإليكترونية، التي تختلف تماماً عن الهوية التقليدية من حيث عالميتها وتداخل أو اختلاط تكوينها بتمازج التجارب الأممية الثقافية، وبالتالي تتقارب أو تتشابه أدوات سلوكها وردّ فعلها، وأكثر من ذلك نراه في سرعة المحاكاة والتقليد لبعضها البعض، وليس ما جرى في تونس ثم مصر وأثار حالة من التغير في المزاج الاجتماعي في دول أخرى حتى غير عربية مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، إلا تأكيداً على ظهور هذه الهوية وتواجدها، وهي تتناغم وتنسجم بتلاقيها في عصرٍ إليكتروني يتيح لها التبادل الحر في المعرفة والمعلومة، بل وحتى الصور المباشرة التي تنقل الحدث في لحظته، والحديث هنا طبعاً عن جيل التقنية وهم في الغالب من الشباب الذين صُبغت بهم حركات التغيير لإعادة تشكيل طبيعة المجتمعات التي لا زالت تفصلها مساحات من الزمن والتاريخ عن راهن العصر ومنتجاته.

* Hassan-Alyemni@hotmail.com   

-- صحيفة الجزيرة - حسن اليمني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*