الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التربية و التعليم بين النظرية والتطبيق

التربية و التعليم بين النظرية والتطبيق

لماذا نقدم التربية على التعليم ثم نحصر التفوق في التعليم؟ ولماذا تكون درجات التفوّق للمواد التعليمية وليست للأخلاق والتربية؟ ثم ما الفائدة المرجوة من متعلم يكذب أو حتى عالم بدون ضمير؟

لعل الاعتماد على التحصيل العلمي واعتبار معيار التفوق درجات يحصل عليها الطالب في مواد العلوم الدراسية هو اعتماد خاطئ أو على الأقل ليس عادلا ولا منصفا, لا بحق الطالب فقط وإنما أيضًا بحق المجتمع والوطن والأمة, وقد نجيّر هروب العلماء العرب إلى دول الغرب ونرده إلى سوء النظم العربية السياسية والإدارية وحتى الاجتماعية, لكننا نغلف كل ذلك بالقول إنهم يهربون إلى حيث يجدون من يحترم العلم والعلماء ويحفظ لهم بروزهم وتفوقهم, ولا أعتقد أن ذلك صحيح بدليل أننا في الوطن العربي أيضًا نقدر العلم ونحترم العلماء, فيقولون إن تلك البلدان توفر لهم المناخ المناسب للإبداع والانطلاق, وهنا تصبح الحاجة للتفكير بعمق وتمعن في هذه العبارة ضرورة ملحة, ذلك أن المناخ المناسب للإبداع والانطلاق أمر يتوجب علينا بحث تكوينه ونشأته, فتجاهله وإغفاله جعلنا نقدم التربية على التعليم في المسمى وليس في التطبيق بكل أسف, وإن كان إقرار منا بسلامته المنطقية إلا أننا تجاوزناه في التطبيق لعجزنا أو ضعفنا أمام واقع مناخنا الاجتماعي والثقافي, وما كان ذلك إلا هروب عن مواجهة الحقيقة التي لا نجهلها ولكن لا نمتلك الشجاعة الكافية لفحصها وتدقيقها, لأن ذلك ببساطة سيعتبر من باب التنكر للخصوصية أو التعدي على المسلمات الاجتماعية.

المزعج حقًا, أننا حرصنا على الاستجابة لمطالب تطوير المناهج وكأن المشكلة كامنة في عدم مواءمتها مع حاجة العصر, وإن كان في ذلك شيء من الصحة, إلا أن الحقيقة هي في جانب آخر, أي في مناخ التلقي وتضاريسه السلوكية – كمجاز وصفي – لتشكيلة العقل المنتج للسلوك المترجم لأثر العلم المعطى والذي نطلق عليه وصف (ضعف مخرجات التعليم) والحقيقة أنها ليست مخرجات التعليم وحدها بل الأهم من ذلك هو في مضامين هوية الأداة التي تلقت هذا التعليم وأخرجت أو أفرزت السلوك العاجز عن الأداء بالشكل الصحيح أو السليم, هذه الأداة ليست إلا الإنسان بعقله ووعيه, ولا يصح التفرقة بين البشر حسب الجنسية فنقول إن السعودي مثلاً غير فاعل أو أن نصفه بالتقاعس أو الكسل كما نسمعه يتكرر من البعض, ولكن التفرقة تكون بين مناخ وآخر في الوعي والثقافة الاجتماعية كتكوين بيئي, وبالتالي فالقضية هي وعي اجتماعي قابل للتطور والتغير أما الإنسان فهو ابن بيئته.

أعتقد أننا قد لا نقدر على تغيير وتطوير الوعي الاجتماعي بالعلم وحده, فالعلم مثل عقد من الألماس تستطيع أن تضعه على حسناء فتجعله مضيئًا وتستطيع أن تضعه على دميمة فيجعلها تساوي قيمته في أعين الطامعين, وإذن نحن في حاجة ماسة وحقيقة للبحث عن وسائل التغيير والتطوير للوعي الاجتماعي, ولست ألمح هنا إلى نقد الذات الاجتماعية وفحص ثقافتها ومسلمات سلوكياتها فقط, لكني أبحث أيضًا عن التربية المدرسية التي يفترض أن تكون مبنية على أسس علمية وشرعية وأدبية, تقوّم الذات الشخصية وتوسع ثقافتها ومداركها وتهذب سلوكياتها, وإن لم يكن من المنطق حصر درجات التفوق والنجاح ونيل الشهادة عليها وحدها دون المعارف العلمية، إلا أنه أيضًا من غير المنطقي أن يحدث العكس.

يبقى من القول أن تقديم التربية على التعليم هو أمر طبيعي ومنطقي ولكن غير الطبيعي وغير المنطقي أن يتم التركيز بشكل تام على التعليم فقط واعتبار التربية منحصرة في الشكل والمظهر, وإذا كنا نريد جيلاً فاعلاً فلابد من الإقرار بأن الأخلاق والسلوك هي الفهرسة الحقيقية لمضمون الإنسان وفاعليته, وتبقى المعارف التعليمية بمثابة المرشد المساعد للأداة الفاعلة, وليست هذه الأداة سوى الإنسان ذاته, وهو متى كان متكاملاً تربويًا وتعليميًا أصبح أقدر على الفعل والتفاعل وبالتالي الإنتاج.

Hassan-Alyemni@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة - حسن اليمني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*