الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحوار.. وتأثير العولمة عليه

الحوار.. وتأثير العولمة عليه

لقد حققنا نجاحات كبيرة في تحديد مواضيع الحوار.. وأعتقد أننا وبشكل علمي ومنظم نملك الاستعدادات لكل حوار، هذه إيجابيات، لكننا يجب وبنفس المستوى أن نركز على فترة ما بعد الحوار

أعتقد أن واحداً من أهم إنجازاتنا هو تبني فكرة الحوار. فلا عمل بدون حوار ولا إنجاز بدون حوار ولا اتفاق بدون حوار ولا حياة مستقرة على كل المستويات الشخصية والزوجية والعلاقات مهما ارتفع مستواها أو انخفض بدون حوار، ثم إن الدين الإسلامي قام وانتشر وتمت القناعة به عن طريق الحوار.. والقرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تعرض لنا أمثلة كثيرة من الحوار، فالله تعالى حاور إبليس. وحاور إبراهيم عليه السلام ربه. وحاور موسى عليه السلام ربه. وحوار أصحاب النار مع أصحاب الجنة. وحوار موسى وهارون مع فرعون. وحوار نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام مع إبليس في حديث معاذ بن جبل المشهور. وعدد كبير من الآيات والأحاديث التي تنبئ عن أهمية الحوار لكشفه للكثير من اللبس وبيان الحق والصواب في الوصول إلى غايات وأهداف سامية تستقر بها الأمور وتهدأ بها النفوس وينجلي بها الغموض وينتج عنها الألفة والمحبة. وثقافة الحوار ونشرها بين الأفراد والأسر والجماعات والمجتمعات والأمم أمر ضروري اقتداء بمنهجنا الرباني وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. والحوار له منهجية وأساليب حتى تتحقق أهدافه.

فالمنطق أهم شروط الحوار. وإذا خلا الحوار من المنطق شكك الناس في المتحاورين مهما كانت كمية المعلومات التي اكتسبوها والمؤهلات التي حصلوا عليها، فلا حوار بلا منطق ويتحول إلى جدل وسفسطة إذا خلا من منطق. وقد أورد الفيلسوف سيشيرون Cicero في كتابٍ ألفه عام 80 قبل الميلاد بعنوان Adhereinum وهي كلمة لاتينية تعني “إلى هرنيوم” وهو رسالة إلى “هرنيوم” ولا يُعرف إن كان حاكماً أو نبيلاً أو أميراً.. وهو كتاب مترجم من اللغة اللاتينية إلى الإنجليزية يتحدث عن فلسفة الحوار وأدواته: الأسلوب والمنهج والطريقة ومحسنات الحوار.

مصادر تلك الأدوات التي تثري الحوار وتتكئ على معلومات موثقة وتستخدم أسلوبا بليغا تحمل محسناتُه أفكار الحوار بشكل مختصر وبليغ وسلس وكيفية الانتقال من فكرة إلى أخرى، وأكد على المحتوى كمحور أساسي لنجاحه، وأكد على:
أهمية وجود مراجع موثقة لمعلومات الحوار. وخبرة المتحاورين. وتجاربهم.

الحوار في عصرنا الحاضر، عصر العولمة، يتطلب بالإضافة إلى ما سبق تفهم تأثير العولمة على الحوار.. فالحوار أصبح في هذا العصر صعباً ومعقداً.. فقد يصل حوار ما إلى أهداف محددة يتم إلغاؤها بشكل سريع بأساليب وطرق تدخلت العولمة فيها بشكل كبير.. تبعاً لنوع الحوار ومستواه وأهدافه.. فعلى مستوى حوار الأبناء.. انظر حواليك في منزلك… تجد أنك تتحدث مع عائلتك في موضوع وتفاجأ بأحد أطفالك ينفجر ضاحكاً أو غاضباً نتيجة انغماسه في اتصال مع عالم آخر غير عالم العائلة التي يتواجد بجسده فقط فيه. وقد تجد من يحاجك بأفكار أخرى اقتنع بها وكان مصدرها إحدى أدوات العولمة..

وبين أفراد المجتمع يصل الحوار إلى أهداف محددة وتجد من يترصد لتلك الأهداف ويبث ما يناقضها بطرق وأساليب شيطانية تجعل المتحاور يشكك في تلك الأهداف ويلغيها.

إنها العولمة. إن جزءاً كبيراً من سلبيات الحوار القائم أن العولمة لم تؤخذ في الاعتبار.. لابد أن تكون هناك دراسات وأبحاث ونقاشات وورش عمل حول تأثير العولمة على الحوار.. إنه عمل علمي نوعي شاق لكنه ليس مستحيلاً..

العولمة عالم واسع وشفرة معقدة.. لابد من تفكيكها إلى عناصر.. لنعرف بالضبط ما هي عناصر العولمة التي تؤثر في الحوار؟ وما هي عناصر العولمة التي تدعم الحوار؟ وكيف نتعامل مع العناصر المؤثرة سلبياً فيه لنتعامل معها؟ وكيف نتعرف على عناصر العولمة المعززة للحوار ونكرسها؟

هذه أسئلة مهمة جداً إذا أردنا لحواراتنا على كافة المستويات أن تنجح. لا يمكن أن نغمض عيوننا عن تأثير العولمة. إنه عالمنا الذي نعيشه.. إنه قدرنا الذي يجب أن نعترف به ونتعامل معه.

أعتقد أننا حققنا نجاحات كبيرة في تبني ثقافة الحوار ونشرها.. وأعتقد أننا حققنا نجاحات كبيرة في تحديد مواضيع الحوار.. وأعتقد أننا وبشكل علمي ومنظم نملك الاستعدادات لكل حوار. هذه إيجابيات، لكننا يجب وبنفس المستوى أن نركز على فترة ما بعد الحوار.

أظن أننا لسنا فقط في الحوار ولكن في كل أمورنا نبذل جهودا كبيرة في فترة ما قبل.. ونبتهج ونحتفي بكل جهد نقوم به.. ويتوقف اهتمامنا وتنتهي جهودنا عند هذا الحد. إنها منهجية نمارسها ويجب أن تتوقف.. فما فائدة احتفائنا بمنجز لا نعرف كم تحقق من أهدافه؟ ولماذا لم تتحقق جميعها؟ وأين تكمن المشكلة؟ ومن أو ما المسؤول عنها؟ وكيف علاجها؟

إنها أسئلة في غاية الأهمية يجب أن نطرحها على أنفسنا بعد كل منجز ومفاهيم سامية يجب أن نتبناها. ولا يجوز تهميش منجزات الأفراد والمؤسسات.. هذا ظلم.. فالإنجاز عمل عظيم يستحق صاحبه الإشادة والثناء والتقدير.. لكنه لا يكفي بالدرجة التي يجب أن نحتفي به ما لم نتأكد من فترة ما بعد.

نتأكد من تحقق أهداف ذلك المنجز عن طريق إعداد خطة عمل لأي مشروع نقوم به. خطة عمل عن المنجز وأهدافه وكم تحقق منها وما الذي لم يتحقق وأين تكمن المشكلة والسبب في وجودها وكيفية علاجها والوقت المحدد لذلك العلاج.. وإذا لم يتم علاجها يتم التدخل بحزم لمعرفة مسؤولية من هذا الإخفاق.

هذا ينطبق على موضوعنا الذي نتحدث عنه وعن أي مشروع نقوم به.. الخشية على إنجازاتنا من فترة ما بعد.. أقترح أن يقوم القائمون على حواراتنا بإعداد دراسات وندوات وورش عمل لتقييم تجاربنا الحوارية على كل مستوى.. لنعرف تأثير العولمة عليها ونتعامل مع تلك التأثيرات بشكل علمي ومقنن حتى تحقق جهودنا الأهداف النوعية والمميزة التي وضعت لها. هذه خطوة هامة وملحة لابد من تبنيها حتى تتوج الجهود بقطف ثمارها.

-- الوطن أونلاين - علي الخبتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*