الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الدين الملّي والدين الشرعي

الدين الملّي والدين الشرعي

إننا بحاجة إلى “تواضع” يزري بالنفس ويتهمها، ويحسن الظن بالآخرين ويعذرهم، ويحملهم على أحسن المحامل ما وجد لذلك سبيلاً، فإن الوثوقية بالنفس وادعاء قدرتها على حسم كل قضية، وسلب حق الآخرين من الاجتهاد يوتر الأجواء.

عشت في الجو العلمي والدعوي والثقافي سنوات ليست بالقليلة، تابعت الأمور عن كثب، كنت أفتش في حل لغز تفريخ الاختلافات التي تعصف بالمشهد منذ أن فتحت عيني على الحياة، وكنت أتساءل: لم دائما يكون الاختلاف حول قضايا لا تحسم؟

 هل لأننا لا نملك قضايا محسومة أصلا؟ أم إننا نختلف حول قضايا عيية على الحسم لأن عدم الحسم هو طبيعتها؟

وبعد تأمل طويل أدركت أن 99% من القضايا التي يدور عليها الاختلاف والخلاف والشحناء والتصنيف والتحزب والتحفز إلى خوض المعارك الطاحنة التي يستعد فيها الفرقاء بكل أسلحتهم الفتاكة وغير الفتاكة لفري خصومهم هي مسائل “ظنية” وليست مسائل “قطعية”، وأن الإشكالية الكبرى التي تسبب هذه الربكة الكبيرة في واقعنا هي أننا لم نفرز القضايا قبل أن نختلف حولها، أو أننا عن عمد أو غفلة نرقيها بإرادتنا إلى مصاف المسائل القطعية حتى بعد ذلك نملك الحق كاملاً في أن نفعل في خصومنا ما نشاء.

إن الله لو شاء لحسم مادة الخلاف والنزاع، ولجعل الناس أمة واحدة بلا اختلاف “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..”، وكان من الحكمة الربانية أن جعل القرآن “منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب”.

وإدراك هذه القضية العظيمة يرسم للإنسان منهجاً متزناً في نظرته إلى القضايا التي يدور عليها الخلاف، ومن ثم يستطيع أن يضبط المنهج في الموقف من خصومه وإعذارهم، ويعرض رأيه بتواضع بعيداً عن تملك الحقيقة، وادعاء العصمة في الفهم، وفتح باب النقاش في كل المسائل التي هي من باب “الظن”، والاتفاق على المشترك القطعي الذي في الغالب لا يدور الخلاف حوله أصلاً، وخاصة في مشهدنا الثقافي والعلمي السعودي، حيث تدور رحى المعارك حول قضايا من قبيل “الدين الشرعي”، وليس من قبيل “الدين الملي”.

و المقصود بـ”الدين الملي”، هو ما كان من موارد القطع واليقين وقضايا الإجماع الكبرى التي يتفق عليها المسلمون كلهم، بل وتتفق عليها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، التي جاءت فيها النصوص الشرعية بجلاء ووضوح بحيث لا يخالف فيها إلا معاند، ويدخل في هذا المحرمات القطعية، والواجبات الحتمية في الشريعة التي ليست محلاً للنزاع ولا للخلاف إلا في بعض القضايا التفصيلية الجزئية.

ويقصد بـ “الدين الشرعي”، ما كان من باب السياسات والآراء والمذاهب وقضايا الظن والاختلاف والاحتمال والاجتهاد التي لا يستطيع أحد أن يجزم بأن رأيه فيها هو مراد الله ورسوله، فالأولى هي التي يسميها ابن تيمية رحمه الله بـ “الدين الجامع”، وهي التي يحرم فيها الاختلاف، وينتقل الإنسان فيها من الإسلام إلى الكفر، ومن السنة إلى البدعة، أما الثانية فهي التي يدور في رحاها جزء كبير من الاختلافات في الآراء الفقهية، وبعض المسائل العلمية والواقعية، ومناهج الإصلاح والدعوة والنهضة، والاختلاف في ترتيب الأولويات في الإصلاح، وغيرها من المسائل.

 وهذه القضايا ليست محسومة ولا قطعية، ولا يجوز لأحد أن ينكر فيها على آخر، بل هي مجال الإعذار واحترام الآراء، وتقبل الخلاف، ويدخل في ذلك كل قضية ظنية وفقهية ليست من قضايا الإجماع القطعي الذي أطبق فيه العلماء على فهم واحد بلا خلاف يذكر بعد الاستقراء التام.

إن غياب التفريق بين هذين المستويين من المسائل هو الذي يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، ويجعل بعضهم يبغي على بعض، ويقع التطاول بالألفاظ النابية والتصنيفات التي يقصد منها الهدم والإقصاء والتشويه، فينتقل الناس من قضية مسلمة كبرى وهي قضية “القيم الأخلاقية ” التي لا يشك أحد في وجوبها وحث الشريعة عليها، إلى التباغي حول قضية لو عرضت على الصحابة لأنكروا سماعها ومعرفتهم بها، وقد رأيت أن جزءا كبيرا مما يوقع بين الناس الشحناء والبغضاء هو الانتقال من “المتفق عليه” إلى “المختلف فيه”، والابتعاد عن القدر المشترك إلى النزاع في الأمر المحتمل.

فإن الإنسان إذا طلب الحق واجتهد فيه فلا تثريب عليه حتى لو أخطأ، وكان هذا هو منهج الصحابة الكرام وبهذا يقول ابن تيمية رحمه الله: “وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ فِي مَسَائِلَ تَنَازَعُوا فِيهَا؛ عَلَى إقْرَارِ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ عَلَى الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِمْ كَمَسَائِلَ فِي الْعِبَادَاتِ والمناكح وَالْمَوَارِيثِ وَالْعَطَاءِ وَالسِّيَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ”، وعليه سار أئمة الإسلام في التاريخ، وتنوعت المذاهب والمشارب إثراء للحياة العلمية والفقهية، وإعمالاً للعقول وتفتيقها والتي أنتجت مدونات الفقه، وتنوع الاجتهادات، ومراعاة الأحوال، ولا يمكن للجو الذي تصادر فيه الآراء، وتقمع فيه العقول، ويسوده الشحن والطعن أن ينتج فقها رشيداً، أو نهضة فكرية، أو خروجا من تخلف حضاري.

إننا بحاجة إلى “تواضع” يزري بالنفس ويتهمها، ويحسن الظن بالآخرين ويعذرهم، ويحملهم على أحسن المحامل ما وجد لذلك سبيلاً، فإن الوثوقية بالنفس وادعاء قدرتها على حسم كل قضية، وسلب حق الآخرين من الاجتهاد يوتر الأجواء، فيغيب الناس عن البناء النافع إلى التناوشات الفئوية والحزبية والفكرية، فتضيع الحقائق في هذه الأجواء الممرضة، ويتخرج لنا جيل خديج لا يستطيع أن يسهم في البناء الحضاري بسبب فساد الجو الذي نشأ فيه، ورحم الله الأئمة حين كانوا يربون الناس على هذا الخلق العظيم، فقد قال الإمام يحيى بن سعيد “أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا ولا هذا على هذا”، وقال يونس بن عبدالأعلى: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟

-- الوطن أونلاين - بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*