الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل أنصف ابنُ تيمية خصومَه؟(3)

هل أنصف ابنُ تيمية خصومَه؟(3)

ثامنا: إنصافه لجنس المتكلمين فهو عندما ذكر الأشاعرة مثلاً أكد أن لهم «مساع مشكورة» وأن الإشادة بهم والثناء عليهم بما هم خليقون به هو شأن من قبيل «السعي الداخل في طاعة الله ورسوله» مؤكداً في الوقت ذاته أنه «ما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منهم إلا وله غلط في مواضع» انظر (الدرء: 8-275)

وهو أيضاً يقرر أن غالب أهل الكلام والناقلين للمقالات في أصول الملل والنحل لم يتقصدوا إغفال مذهب السلف عمداً «بل لأنهم لم يعرفوه بل ولا سمعوه لقلة خبرتهم بنصوص الرسول وأصحابه والتابعين» (منهاج السنة 3-208).

وهو يقرر أفضلية المتكلمين على المتفلسفة ولذلك فعندما قسم الفلاسفة أنواع القياس العقلي الشمولي إلى أنولوطيقا (برهاني) وريطوريقا (خطابي) وطوبيقا (جدلي) وأوقيوطيقا (شعري) وسوفسطيقا (سوفسطائي) وقرروا أن مقاييسهم في العلم الإلهي من النوع البرهاني بينما مقاييس المتكلمين إما من الجدلي أو الخطابي دافع ابن تيمية عن المتكلمين في هذه الحيثية وقرر أن «الأقيسة البرهانية في العلم الإلهي في كلام المتكلمين أكثر منها في كلامهم (يقصد الفلاسفة) وأشرف» الدرء6-213

وفى موضع آخر يقرر أن «جنس المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحياناً» (الدرء 9- 211) ويقرر أيضاً «أن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف» (نقض المنطق43) وفي سياق مشابه قرر بأن (الآمدي) هو من أحسن المتأخرين علماً بالكلام ومعرفة بالفلسفة (الدرء 4-234).

تاسعاً: إنصافه لأهل الكتاب. فعندما تحدث عن قضية علم الله وموقف الفلاسفة منه أكد أن: «قول اليهود الذين وصفوه بالتعب لما خلق السماوات والأرض وأنه استراح بعد ذلك أقرب إلى المعقول من قول أرسطو وأتباعه الذين يقولون: لو كان عالماً بهذا لتعب» الدرء9-415. أيضا يؤكد مرة أخرى أن هناك من أهل الكتاب -وتأمل جيداً في هذا- «من له عقل وصدق وأمانه لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام» (الدرء 9-211).

عاشراً: إنصافه لعوام الفرق فهو مثلاً عندما تحدث عن الاتحادية وعن كلام ابن عربي في (فصوص الحكم) اعتذر لعوام الصوفية ودهمائهم وتلمس لهم المخارج وأنهم ليس بالضرورة أن يكونوا نسخة كربونية لزعمائهم. (انظر الدرء 8-243).

الحادي عشر: عندما أشار إلى قضية التعطيل وضح أن المعتزلة أقل جريرة من الطوسي وأمثاله من الجهمية المتفلسفة. انظر(10-59) وفي سياق آخر يقرر أن الكرامية «خير من المعتزلة من وجهين: من جهة أنهم يجعلون القول والإرادة قائمة بذاته ومن جهة أنهم يثبتون مشيئة أزلية وقابلية أزلية» (الدرء4-102).

الثاني عشر: أنصف الرازي وأكد أنه لا يتعمد نصرة الباطل «بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره.. ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل وليس كذلك بل تكلم بحسب مبلغه من العلم» (شرح حديث النزول ص440)

الثالث عشر: أنصف السهروردي وأكد على أنه في (حكمة الإشراق) «سلك طريقاً لم يقلد فيها المشائين بل بين فساد أقوالهم في مواضع وكان كلامه في مواضع متعددة خيراً من كلامهم».

الرابع عشر: إنصافه لأبي البركات حيث أكد «أن كلام أبي البركات على قول أرسطو أقرب إلى تحرير النقل وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد» (الدرء9-434) ويحتفي بمنهجية تعاطيه في قضية علم الله وأنها (في غاية الحسن) (الدرء 9-415).

الخامس عشر: إنصافه لأبي المعالي الجويني حيث يشيد ب»فرط ذكائه,وحرصه على العلم وعلو قدره في فنه» (التسعينية 3-922) وفي المقابل يشير إلى ما يؤخذ عليه وأنه رغم اتساع دائرة معارفه إلا أنه: «كان قليل المعرفة بالآثار النبوية ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه فإنه لم يكن له بالصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي والترمذي وأمثال هذه السنن علم أصلاً فكيف بالموطأ ونحوه» (التسعينية 3-922).

السادس عشر: إنصافه للأشعري وأن له: «في الرد على أهل البدع كلاماً حسناً, هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية» (التسعينية 3-1034).

وهكذا يتبين مدى التضليل الثقافي الذي قام عليه الكتاب الآنف الذكر ويتبين لنا الروح الحقيقية لابن تيمية كشخصية جدلية يقف الراصد لحيثياتها مندهشاً أمام ذلك الزخم الجدلي المبثوث في ثنايا طرحها الشأن الذي جعل منها فعالية معرفية لها حضورها الباذخ في كافة السياقات ولذا فلا غرو أن تجد ثمة دوائر أيديولوجية متعاكسة ومتضادة ومع ذلك فكل منها يزعم الاستناد إلى الموروث التيمي ويرى فيه العنصر المحوري المعزز لتوجهه العام.

وحاصل القول:

لقد تجلى لنا من خلال الأمثلة السالفة أن الميزان التيمي له كفتان وأن ابن تيمية يحمل عقلية نائية وإلى حد بعيد عن التطفيف وعن تلك اللغة الجزمية القطعية فهو لا يتعاطى بعين الطوبى الفردوسية المفارقة ولا الأدلوجة المغلقة أو عبر العقلية التبسيطية بقدر ما كان يفكر بصورة غنية تداولية وتتعدد لديه مستويات التحليل, ويقيم نظاماً من الفصل والوصل بين الأشياء, أو نسقاً مركباً للمماهاة والمغايرة فعلاقته مع الوقائع الفكرية علاقة متغيرة ومتحركة وديناميكية بعيداً عن الثنائيات الحدية والأنا المركزي فهو لا يحيل الفكرة إلى قوقعة ولا يتعاطى مع كل الأفكار بوصفها مُثلاً مجردة لحقائق نهائية.

-- ضحيفة الجزيرة - عبدالله السعوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*