الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حماية الأبناء من المواقع المتطرفة والإباحية في الإنترنت

حماية الأبناء من المواقع المتطرفة والإباحية في الإنترنت

يعيش العالم في هذا العصر انفتاحاً معلوماتياً وتقنيات حديثة لها آثار خطيرة على شباب الأمة خاصة بعد أن صوّب الأعداء سهامهم إلى هؤلاء الشباب من خلال شبكة الإنترنت ليثبتوا عبرها ما يريدون ويشوهوا صور الخير وأهله ويبثوا عبر المواقع المشبوهة الفتن والضلالات التي أصبحت شراً مستطيراً ومعول هدم للدين والأخلاق والأمن والاستقرار·

 

وقد انعقدت مؤخراً بالجامع الكبير بالرياض ندوة لمناقشة (خطر المواقع المشبوهة على الشباب) بمشاركة فضيلة الدكتور فهد بن سعد المقرن وفضيلة الشيخ محمد بن أحمد الفيفي

 

الإسلام وحفظ العقل

 

في بداية الندوة تحدث فضيلة الدكتور فهد المقرن عن الضرورات الخمس وربطها بموضوع الندوة، فأوضح أن مما جاءت به الشرائع هو حفظ الضرورات الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال· وأكد الإسلام على حفظ هذه الضرورات، فمن جهة الحفاظ على العقل حرّم الإسلام كل ما يفسده من الأمور الحسية والمعنوية فحرّم الخمر والمخدرات والمفترات، كما حرّم الإسلام ما يضر بالعقل من التصورات الخاطئة والأفكار المنحرفة التي تؤدي بالإنسان إلى الانحراف عن دين الله أو تؤدي به إلى الإفساد في الأرض وإحداث الفتن· وأكد الدكتور المقرن أن الإسلام الذي جاء بحفظ العقل ضمن الضرورات الخمس يتعامل مع المحدثات والواردات بحكمة وانتقاء فيأخذ منها النافع ويدفع الباطل الضار، ومن هذه المحدثات التي وفدت على الناس في العصر الحديث هذه الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) هذا الوافد الذي لم يترك مكاناً إلا دخله وصار هذا العالم باتساعه قرية صغيرة، ليس خيراً كله وليس شراً كله والإسلام يأمرنا بالانتفاع من كل جديد فيه مصلحة ومنفعة الأمة

 

الإنترنت·· اتساع ونمو سريع

 

وأكمل الحديث فضيلة الشيخ محمد الفيفي الذي أشار إلى أن استخدام الإنترنت ينمو بشكل سريع وبنسبة تصل إلى 001% سنوياً·

 

ويخدم الإنترنت اليوم أكثر من 002 مليون مستخدم، وعالم الإنترنت مختلف تماماً عن جهاز الحاسوب ويمكن لطفل في العاشرة أو أصغر من ذلك أن يبحر فيه بكل سهولة· وقد بدأ استخدام الإنترنت في المملكة العربية السعودية منذ نمو خمسة عشر عاماً عندما صدر قرار مجلس الوزراء عام 7141هـ (7991م) لإدخال خدمة الإنترنت العالمية إلى المملكة وأنيطت هذه المهمة بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية·

 

الشباب مستهدفون

 

ويؤكد الشيخ الفيفي أن فئة الشباب يمثّلون النسبة الأكبر في المجتمعات، حيث تصل نسبتهم إلى أكثر من 06% ولهذا يظل الشباب هم الفئة الأولى المستهدفة من خدمة الإنترنت، حيث أغرى هذا العامل أعداء الإسلام وسماسرة الجريمة في التوجه إلى الشباب بالفكر المنحرف ومواقع الانحلال وغزو الشباب على كل المستويات العقدي والأخلاقي والاجتماعي والنفسي، ولما كانت شبكة الإنترنت هي أسرع الوسائل استخدموها في نشر الأفكار المنحرف والمعتقدات الباطلة والتوجهات المشبوهة وتحريك الرأي العام لتحقيق مكاسب معينة، وكانت منظمات التنصير أسرع المنظمات لاستخدام الشبكة العنكبوتية لتنصير العالم وذلك من خلال إنشائهم لما يسمى بالاتحاد العالمي للتنصير عبر الإنترنت وما أكثر مواقع التنصير التي تنتشر على الشبكة وتفوق عشرات المواقع الإسلامية، حيث تحتل مواقع التنصير نسبة 26% وبعدها تأتي مواقع المنظمات اليهودية أما المسلمون فلا تزيد مواقعهم على شبكة الإنترنت عن 9% من مجموع مواقع الشبكة·

 

وتكمن خطورة مواقع الإنترنت أنها تدس السم في العسل؛ فهي وإن لبست مسوح البراءة والنفع في ظاهرها إلا أنها تدار بعقول مؤدلجة ولأهداف خبيثة ليست في مصلحة الشباب المسلم ولا مصلحة أمتهم بطبيعة الحال·

 

وقد أحصت أجهزة الاستخبارات في المملكة أكثر من سبعة عشر ألف موقع مشبوه على شبكة الإنترنت تديرها (06) شركة ويوجد على هذه المواقع أكثر من 05 كتاباً تأصيلياً للفكر المنحرف، بينما الردود على هذه الكتب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة·

 

مرحلتان لتحقيق الأهداف

 

ويكشف الشيخ الفيفي عن أن هذه المواقع المشبوهة الموجهة إلى الشباب المسلم تعمل على تحقيق أهدافها على مرحلتين:

 

الأولى: مرحلة العزل الفكري·· وذلك عن طريق حجب الإيجابيات في المجتمع وتضخيم السلبيات ومن ذلك المواقع التي تدعو إلى نشر الفوضى والخروج على الحكام المسلمين بتضمين السلبيات أحياناً وبالكذب والتزوير أكثر الأحيان كما تقوم برسم صور سيئة لولاة الأمور وعلى الأمة وتبغضهم فيهم··

 

المرحلة الثانية: هي مرحلة تقديم الحلول وهي حلول تعبر عن التوجه الفكري الفاسد لهذه المواقع المشبوهة ويتم ذلك بتقديم نماذج قيادية معينة على أنهم الأصلح بقيادة الشباب وتحقيق الرفاهية مثلما تقوم به هذه المواقع من تلميع وتقديم لبعض من يسمونهم بالمفكرين أو المثقفين وتحاول هذه المواقع المشبوهة أن تقنع الشباب بأن عصر السمع والطاعة قد ولَّى وأن الأصلح والأنجح للإصلاح هي الخروج على الولاة والحكام والثورة عليهم·

 

لماذا يقع البعض في براثن هذه المواقع؟

 

يجيب الشيخ الفيفي على ذلك بالتأكيد على عدد من الأسباب التي تجعل بعض الشباب يقعون في حبائل هذه المواقع المشبوهة وأول ما أشار إليه من هذه الأسباب: ضعف المسؤولية الأسرية وهو سبب قوي ولا يجوز التقليل من شأنه؛ فبعض الآباء يهرب من مسؤولياته تجاه ابنه يجلب لهم الإنترنت ويتركهم يواجهون أخطاره بمفردهم وقد تكون حجته في ذلك أن أبناءه قادرون على التمييز ومعرفة الضار من النافع·· نعم إن الرقابة والحجب لم يعد يكفي لمواجهة المواقع المشبوهة لكن الانفلات ليس هو العلاج·· وأما السبب الآخر لوقوع كثير من الشباب أسرى الإنترنت والمواقع المشبوهة هو ضعف الوازع الديني المبني على المنهج السلفي الصحيح عقائدياً وأخلاقياً وهذه مسؤولية الأسرة أيضاً وأكثر هؤلاء الذين يذهبون إلى غرف الشات والفيس بوك والمواقع المشبوهة يفتقدون إلى الإشباع العاطفي من قبل الأسرة، فالأب مشغول بتجارته أو سفره أو أموره الخاصة، والأم ربما تكون هي الأخرى مشغولة بما يخصها أو ربما لا تستطيع التحكم والتوجيه لأبنائها ومن ثم لا يجد الابن أو الابنة من يشكون إليهم أو يسمعون لهم أو إشراكهم في أمور الأسرة والنتيجة أن هؤلاء الشباب يحاولون تعويض هذا الفراغ الأسري والعاطفي من خلال الرسائل الإلكترونية ومحادثات الشات وغيرها·

 

كذلك هناك ضعف في التوعية بمخاطر مواقع الإنترنت سواء من جهة الإعلام أو من جهة المؤسسات التعليمية، فلم يكن هناك مع الأسف الوسائل الدفاعية ضد المواقع المشبوهة والاستخدام السيئ للإنترنت، وكذلك لم تكف الوسائل الدعوية في مواجهة هذه الجيوش والأسلحة الفتاكة التي تستهدف قوام الأمة وأساس بنائها وهم الشباب·

 

ولا ننسى أن المنظمات الإرهابية استغلت هذه المواقع المشبوهة التي تنشر من الصور ومن المقاطع عبر اليوتيوب ما يؤجّج مشاعر الشباب ويستغل حماسهم ومن ثم يتجهون بجهل وانقياد إلى العمليات الإرهابية التي عانى منها عالمنا الإسلامي·

 

كذلك من أسباب الوقوع في براثن الإنترنت والمواقع المشبوهة وأيضاً كنتيجة للتأثر بهذه المواقع المشبوهة هذه العزلة التي يعيشها بعض الشباب ويفرضونها على أنفسهم ويعيشون ما يُسمى بالعزلة الشعورية عن المجتمع وكذلك من آثار هذه المواقع ما يظهر على الشباب من التوجهات الفكرية الغريبة عن المجتمع والمخالفة للشرع والعرف·

 

وكذلك من تأثير هذه المواقع انضمام الشباب لما يُسمى بمواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) لتبني فكرة معينة وحشد الناس لدعم هذه الفكرة دون إدراك لمخاطر هذه الأفكار وتبنيها ومن ذلك الدعوة للتظاهر والفوضى وغير ذلك·

 

وهناك مواقع تهتم بتجنيد الشباب واستقطابهم للعمل أو التعاطف معها حول مشاريع فكرية منحرفة، وقد جاء في بيان لوزارة الداخلية بتاريخ 12/6/9241هـ (وأسفرت المتابعة الأمنية للتوجهات الفكرية المنحرفة القبض على أعضاء خلية إعلامية تعمل عبر شبكة الإنترنت لإثارة الفتنة من خلال الطعن في العلماء والتشكيك في الثوابت وإثارة العواطف)·

 

وهناك مواقع تحرّف الفتوى وتقوّل العلماء كلاماً لم يقولوه وكذلك مواقع تهتم بالمرأة وتتوجه إليها من خلال الكلمات والصور المؤثّرة وقد وجد وفق حملة السكينة أن 04% من مواقع تنظيم القاعدة التي تنفث أفكار الإرهاب تشرف عليها نساء!! وكذلك هناك نسبة كبيرة من مواقع التطرف والانحراف تديرها نساء أعمارهن ما بين 81 عاماً و52 عاماً· وكان لهذه المواقع الدور البارز على الأخ أو الابن أو الزوج للانضمام إلى جماعات الفكر الضال·· كذلك هناك مواقع تعلّم المستخدمين للشبكة صنع الأسلحة والمتفجرات والمواد السامة لاستخدامها ضد المجتمعات الآمنة· وهناك مواقع تركّز على إثارة العصبية والنعرة القبلية وإحيائها من جديد·

 

ويختتم الدكتور فهد المقرن الندوة بالتأكيد على أن هذه المشكلة تحتاج إلى تضافر الجهود لمواجهتها وحماية شبابنا من مخاطر المواقع المشبوهة، ويشير فضيلته إلى أول هذه الوسائل من وسائل الحماية والعلاج وهي وسيلة الحجب أو الدفع قبل الرفع فالحجب من الوسائل المجدية والفعّالة التي هدانا الله سبحانه وتعالى إليها وفي قصة يوسف لما قال عليه السلام فيما حكاه عنه سبحانه وتعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ } [يوسف: 33]· فيوسف وهو النبي لم يأمن من هذه الفتنة وسأل الله أن يحجبها عنه، فحجب هذه المواقع أمر مهم في العلاج وقد أثبتت الدراسات أن الدول التي تفرض قوانين صارمة لمنع المواد الإباحية تنخفض فيها نسبة جرائم الانحلال الخلقي ولكن وسيلة الحجب ليست الوسيلة الوحيدة لوقاية الشباب من الوقوع في براثن المواقع المشبوهة فالأمر يحتاج التعاون من كل الجهات وحتى الشباب أنفسهم عليهم دور كبير في هذا الجانب وهو الإبلاغ عن المواقع المشبوهة سواء كانت عقدية أو فكرية أو أخلاقية وإباحية وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق·

 

وهناك وسيلة مهمة لا تقل عن الحجب وهي تربية أبنائنا وبناتنا على الرقابة الذاتية ضد مخاطر الإنترنت وننمي فيهم مسألة رقابة الله عزَّ وجلَّ والخوف منه في الغيب {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } [ق: 33]· والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث: ” أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” ويقول سبحانه وتعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } [النساء: 108]· الآية·

 

والدعاء إلى الله من أهم وأقوى الأسباب للحفظ من الوقوع في المخاطر والمواقع المشبوهة، فلا بد من اللجوء إلى الله خاصة في ظل هذه الفتن المتلاطمة فمهما أخذنا بالوسائل المادية فلا يمكن مواجهة الخطر إلا باللجوء إلى الله والتضرّع إليه أن يحفظ أبناءنا وبناتنا وأمتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يقينا شر شرور هذه الوسائل المعلوماتية المعاصرة وأن يدلنا سبحانه على الخير

-- مؤسسة الدعوة الاسلامية- سليمان الصالح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*