الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المعروف معروف .. فلا تتجاوزوا في نهيكم حدود المنكر

المعروف معروف .. فلا تتجاوزوا في نهيكم حدود المنكر

من القضايا التي تحتل مساحة حوارية اليوم عامة، وفي وطننا خاصة قضية الحوار الفكري حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكثير من العلماء تحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قديماً، وكثير في العصر الحديث يفسر القضية حسبما يرى هو بحدود فكره، ودوافع ذاتيته؛ البعض واسع الفهم لحقيقة معنى (الأمر) وحدود (النهي)، مدركٌ الحدود الأصيلة والشاملة (للمعروف) ودلائل ما يطلق عليه (المنكر) ولكن تفصيل بعض الناس ثوب الدين على قدر جسمه قد أضر بالقضية، وشعَّب الطريق؛ فاحتار الناس، وخشي آخرون، ورفض رافضون.

** ** **

وكنتُ، ولا أزال مغتبطاً بأن يكون على رأس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلادنا اليوم من هو بحق جدير بإدارة هذه القوة الفاعلة، والإشراف على هذه الهيئة الشامخة.. بما هو معروف عنه أصلاً من سعة العلم وإصابة الرأي، وسماحة الحوار، وعمق الفهم للقضايا ذات الاختلاف، والتمتع بخلق رفيع، وأدب جم إنه معالي الشيخ عبدالعزيز الحمين.

فالخير كل الخير، والفلاح كل النجاح أن يُسند الأمر لمن هو أهل له، ويوكل العمل لمن هو فاهم بأصول أدائه.

** ** **

المعروف هو كل سبيل، أو عمل، أو قول، أو فكر طيّب يوافق الشرع، ويتفق مع الخلق الكريم، ويهدي إلى الحق، ويثمر الخير.

المعروف ليس فقط الدعوة إلى صلاة الجمعة، وإغلاق أبواب المتاجر عند الأذان؛ بل المعروف ممتد لكل شيء طيّب مهما كان صغيراً؛ مثل أن تحث أسرتك على حسن معاملة الآخرين، وأن تفسح الطريق ليمر مترجل وسط السيارات.. وأن تساعد كهلاً ليعبر الشارع هو من المعروف وأطيبه، وأن تأمر بالالتزام بأوقات الدوام، وقضاء مصالح الناس، والإخلاص في العمل وإتقانه، وألا تبخس الناس حقوقهم، وغير ذلك كثير من صور المعروف عظيم يتجلى في آلاف الأعمال، والأقوال، والأحوال.

** ** **

صور المعروف لا حدود لها في الأسرة، في الإحسان إلى الناس، في تربية الصغار، وتوجيه الكبار، في البيع والشراء، في الضيافة والأفراح، في الفصل والملعب. وفي سائر شؤون الناس صدق وأمانة، وإخلاص.

جاء المعروف في إحدى وأربعين آية في القرآن الكريم، منها في معاملة الزوجات (فأمسكوهن بمعروف)، ومنها في حسن التعامل والحوار مع الناس (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)، ومنها في البر بالوالدين (وصاحبهما في الدنيا معروفا)، ، ومنها في تربية الأبناء (يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف).

فمن هم الذين يخول لهم الأمر بالمعروف؟

وما حدود سلطات من يقومون بهذا المعروف؟

** ** **

لكنْ هناك أمور أخذت على أنها منكر يجب النهي عنه، وفي ذلك نظر!!

فالمنكر هو كل ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو يقبحه الشرع، أو إنكار فضل الله، أو فضل الناس.

والحمد لله أن صور المنكر التي ينبغي النهي عنها في مجتمعنا أقل بكثير من معروف أهمله بعض الناس، ومن هنا جاء ذكر النهي عن المنكر بكل صوره في سبع وثلاثين آية من القرآن الكريم: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون).

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

** ** **

النهي عن المنكر ليس ضرباً بالعصي، ولا صياحاً بالمكبرات، ولا إلقاءً للمخطئين في سيارات الهيئة.. إنه التوجيه الطيب بالقول المعروف، والإقناع الرقيق بترك المنكر، ولقد علّمنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كيف تكون الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر.

قال – صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يكون فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عالم بما ينهى، عدل فيما ينهى».

وقوله – صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة – قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».

الدين النصيحة.. حدود بينة لعملية الأمر بالمعروف والنصح بفعله، ويمتد ذلك النصح ليشمل الدعوة إلى الايمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، وكل ما هو من ثوابت الايمان.. نصح بالقول الطيب، والتوجيه الرقيق.. لا بالقسوة والضرب والتهديد.

** ** **

وإذا كان المعروف واضحاً في معظم صور الحياة – المادي والمعنوي منها فإن خطأ الفهم يقع في المنكر وصوره، وحدود النهي عنه.

لذا.. فإن هناك تبرماً واضحاً من بعض من يقومون بالنهي عن المنكر؛ إذ هم يخلطون ما بين منكر جليّ محرم طبقاً لشرعنا الإسلامي، وبين ما اعتمل في مفاهيمهم على أنه منكر، ويزجرون الناس بغلظة عند ظنهم أنهم فاعلوه، ومن أمثلة ذلك: دخول المطاعم العامة، والتأكد من أن هذا الرجل مَحْرم لهذه السيدة التي ترافقه، أو زجر المرأة لتضع عباءتها على رأسها وليس فقط على كتفيها مع أنها متحجبة، أو أن تغطي وجهها، مع وجود آراء للفقهاء مختلفة في ذلك الوجوب، مما لا يجيز إجبار الناس على الأخذ بما فيه خلاف، ومن ذلك ما يحدث في عالم الأسواق المغطاة (المولات) إذ يمنع دخول الرجال والشباب بمفردهم دون نسوة معهم – فهل هذا منكر يمنعون لأجله؟!

** ** **

والأمر الآخر هو أن بعض من يقومون بهذه المهمة ليسوا على مستوى التأهيل العلمي الشرعي للقيام بهذه المهمة؛ فكيف يأمر أحد بالمعروف وهو لا يعرف رحب حدوده! وينهى عن منكر يظنه منكراً – وهو ليس كذلك – أو هو منكر في أبسط صور المخالفة، إذ إن المنكر درجات.

إني لأرجو أن يكون قد آن الأوان لتحقيق أمور بالغة الأهمية هي:

١- إذا كان المعروف معروفاً في معظم الحالات فإنه يجب توضيح جليّ للمنكر ودرجاته، وأن يكون ذلك التحديد معروفاً للجميع؛ حتى لا يستنكروا حين يأمرهم أحد بترك ما هو باليقين منكر.

٢- توظيف من هو مؤهل ذاتياً، ونفسياً، وشرعياً، وعلمياً للقيام بهذه المهمة الدينية الإنسانية الخطيرة؛ حتى لا تختلط الأمور على الناس، ويقوم بها من لا تتوافر فيه شروطها.

٣- تحديد وسائل وأساليب الأمر بالمعروف، وحدود النهي عن المنكر؛ حتى لا يشتط بعض الدعاة في تنفيذ مهماتهم.

** ** **

وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

-- الرياض - محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*