الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

لا تنتقم

عندما تأملت قوله تعالى «وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين».
ساحت في عقلي معان عديدة تدور جميعها على التحفيز القرآني في الحث على الصفح وبث روح التسامح والتشنيع من الانتقام والانتصار للذات والنفس، بل إن الإشارة إلى عدم محبة الله للظالمين في هذا الموضع فيه بيان واضح إلى أن أخذ الحق غالبا يتجاوز إلى الظلم.

كما أن الشيخ محمد بن عثيمين ــ رحمه الله ــ علق على هذه الآية بمعنى آخر مفاده بأن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق إلا إذا كانت مقرونة بالإصلاح «فمن عفا وأصلح فأجره على الله».

والشيخ عبدالرحمن السعدي ــ رحمه الله ــ ألمح في تفسيره إلى معنى جميل آخر في الصفح والعفو وهو في قوله تعالى «فأجره على الله» بأن هذا مما يهيج على العفو وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم فإن الجزاء من جنس العمل.

المؤكد أن كثيرا من الناس يتعرضون في أحوالهم وحياتهم وظروفهم لأنواع من الأذى والظلم فهل التعامل يكون بظلم مثله أو بأسلوب انتقامي آخر.

وهو ما وصفت الآية الكريمة المعيار والضابط له بأنه المماثلة التامة وهي الحالة الأولى المطروحة على من ظلم.
أما الحالة الأخرى والتي هي أعظم أجرا العفو والصفح فالأولى يأخذ المظلوم حقه بنفسه أما من صفح لله وتسامح فجزاؤه عند الله وما عند الله خير وأبقى.
 
إن من السهل الهين على الكثيرين أن يهيئ للبعض الانتقام والبطش وأخذ الحق إلا أن التعالي على هذه النفس يرفع المرء والإنسان للرتب العليا من المعالي كما قال تعالى «ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور».
 
من المؤكد أنه ليس سهلا على المظلوم تناسي ظلم الظالم إلا أنه حينما يفعل ذلك فإنه يتسامى بأخلاقه إلى الرتب والقمم.
كنت ومازلت خلال عملي في مهنة المحاماة أجد كثيرا من الذين يرفعون القضايا جزء منها بغرض الانتقام والتشفي والانتصار للذات والنفس.

وكنت كذلك أبذل وسعي في أن تدمح الزلات ويتغاضى البعض على الهفوات والإساءات التي قد تصدر بين الأقارب وخصوصا الأزواج.
وأعجب كثيرا من بعض النفوس التي لا تسمح بالغفران أو تتسامح مع الآخرين.

بل إني أجزم أن مبدأ التسامح والصفح والتجاوز لو فشا وانتشر بين المجتمع لخفت كثيرا من القضايا ولأوصدت أبواب للشيطان مفتوحة بسبب الدعاوى المتبادلة بين الأطراف.
 
اتصل بي أحد الأشخاص الأسبوع المنصرف يستشيرني في أن شخصا أقام عليه دعوى ثم إن المدعي أثناء نظرها تنازل عن دعواه في أول جلسة.

يقول لي هذا الشخص وهو المدعى عليه إنه يرغب في إقامة دعوى جديدة ضد ذلك الشخص لأنها دعوى كيدية ناصحته وحاولت صرفه عن ذلك وأخبرته أن الله سلم وانتهت القضية وإذا كان لك ثمة حق أو ظلم فاحتسبه عند الله.

المؤكد أنه لم يقتنع بكلامي وسوف يرفع دعوى والشخص الآخر «المدعي» الأول سوف يحرك دعواه السابقة.

وسوف يفاجأ القضاء بثلاثة دعاوى كانت شراراتها بالتأكيد دعوى انتقام.

أما لائحة الانتقام المتبادلة بين الزوجين الطليقين فهذا أمر أجزم أن لدى القضاء سجلات حافلة منه فالمحاكم مليئة بالدعاوى المتبادلة كل منهما يريد التشفي من الآخر والانتقام منه بل إني أجزم أن أحدهما لا يمانع أن يفتري وأن يكذب من أجل محاولة الإساءة إلى الآخر مع الأسف الشديد.

إن العظماء يتبوأون أدوارهم وينالون مكانتهم ليس بشيء إنما بتلك السجايا والأخلاق الكريمة التي يشعر الإنسان فيها على ذاته ونفسه.

آمل أن تتجه وزارة العدل إلى إجراء مسوحات عاجلة على نوعية القضايا المنظورة في المحاكم لتستخلص إثر ذلك حلولا لمشكلاتنا قبل أن تصل إلى أروقة المحاكم خصوصا التي مبناها على الضغينة والحقد ودعوى الانتقام.

-- عكاظ - محمد بن عبدالله المشوح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*