الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مفتي مصر لا تكن عونا للشيطان على أخيك

مفتي مصر لا تكن عونا للشيطان على أخيك

لا أعلم أحد أولى بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المفتي الذي يمثل هرم النظام الفقهي في البلاد ، وهو المخول بتقديم الاستشارات الشرعية فيما يستعصى على العلماء بحكم أنه قد وصل إلى درجة الاجتهاد أو المفترض أن يكون كذلك ، بالإضافة إلى جمع قلوب المسلمين إليه على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم واتجاهاتهم ، بحيث يكون أولى بهم من أنفسهم..

لكن الشيخ علي جمعة مفتي مصر أحسب أنه قد حاد عن ذلك ، فهو قد صار لا يمثل إلا طائفة واحدة من طوائف المسلمين ، وهي طائفة الصوفية ، وقصر المصريين عليها ؛ حتى قال في بعض أحاديثه : “إن الله منّ على مصر بأن وُجِد الإسلام بها ، ونرى الأزهر الشريف لا ينتمى إليه إلا من كان أشعريا أو صوفيا، فالتصوف رسالة من الرسائل التي يحافظ عليها المصريون، وهو الذى يعطي الشريعة وسطيتها ، والإسلام روحه ، ولهذا الدين معناه، ولقد عجبنا ممن يحاربون التصوف فكانت ليلتهم ظلماء وليلتهم أسود من قرن الخروب “.

ومع إن قصر المصريين على الصوفية فيه جور كبير لهم ، كما أن اعتبار التصوف الذي لم يوجد إلا في عصور متأخرة هو الذي يعطي الشريعة الإسلامية وسطيتها والإسلام روحه فيه غبن كبير لجيل الإسلام الأول الذي لم يسمع عن التصوف ، ولم يعرف غير كلمة الإسلام أو الحنيفية التي بُعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أقول : رغم هذا الجور وذلكم الغبن إلا أن ذلك قد يكون مقبولا من الشيخ علي جمعة ؛ لأن الإسلام لا يحجر على أي مسلم أن يؤمن بالفكرة التي يراها صوابا ، ولكن الغير مقبول منه أن يشن حملة شعواء ضد من يخالفونه في الرأي ما دام الإسلام يتسع للجميع ، وأن يقول :  إن السلفيين لا ينتسبون بأي حال من الأحوال للسلف الصالح، بل هم من المتنطعين ، ويضيف «هلك المتنطعون» وأن «السلفية أصحاب مناهج حمقة» وإن الأزهر سوف يعالج هؤلاء الحمقى (1) …

ولم يكتف الدكتور علي جمعة بذلك بل هاجمهم بما يشبه التحريض عليهم خارج مصر وبين غير المسلمين ،  فقد نشرت له صحيفة “واشنطن بوست الأمريكية ” مقالا جاء فيه : إن السلفيين يشكلون خطرا حقيقيا؛ لأنهم من يقفون وراء استهداف الكنائس والأضرحة في مصر.

وأن الأسابيع القليلة الماضية شهدت صعودا مقلقًا للعنف من قبل أوساط متشددة استهدفت أماكن تحتل أهمية دينية، فقد تعرضت كنائس قبطية وأضرحة لهجمات ، وهذه تطورات مقلقة للغاية، وخاصة في ضوء الوضع الهش لبلدنا في هذا المنعطف الخطير.

وأن هؤلاء الذين يقومون بتلك الهجمات الشائنة ليسوا إلا منتهزي فرص ومتشددين، لا يمتون بصلة إلى التراث الإسلامي العظيم.

وأن تفكيرهم رجعي حيث يريدون العودة إلى الماضي؛ وأنهم يقومون بمثل تلك الهجمات البربرية ضد الشعب المصري ومؤسساتهم الثقافية والدينية لا يهدفون ببساطة إلى إظهار مثالية الماضي، بل إلى عودة تامة إليه بكل تفاصيله وتفصيلاته”.

وتابع يقول: “وهذا التفكير الرجعي هو مشكلة في حد ذاته، ولكن الأكثر سوءا عندما يتم طرحه على أنه المعيار الذي يجب أن يلتزم به جميع المسلمين، بينما من لا يفعل منهم يتم توبيخه والتشكيك في صحة إيمانه ، وهذه القوى قد زرعت الشقاق في المجتمع كما عزلت بعض شرائح المجتمع المسلم عن الآخرين” ….

وأنا لست من السلفية ولا أدعي أنه لا يوجد ملاحظات عديدة على تصرفاتهم وآرائهم ، ولكني أرى في الوقت ذاته أن تقويم هؤلاء ليس بالتشهير بهم ، ولا بنسبة التهم إليهم أو تصديق كل ما يقال عنهم من اعتداء على الأضرحة أو الكنائس ، لأنه لم يثبت إلى الآن أن واحدا من هؤلاء الشباب قد اعتدى على كنيسة أو هدم ضريحا ـ رغم كل ما يقال عنهم ـ حتى موضوع الرجل المسيحي الذي قيل إنه قد قطعت أذنه لأنه كان يؤجر شقته للدعارة ، هذا الموضوع الذي ظل أياما والناس تتحدث عنه كأنه حديث الساعة لم تثبت التحريات أن الذين قاموا بالاعتداء عليه هم شباب من السلفية ، ولم يعرف حتى من كان وراء هذا الأمر ، وسجلت التحقيقات الحادث ضد مجهول حسب ما نُشر في وسائل الإعلام بعد ذلك ..

 وأما موضوع هدم الأضرحة فلم يثبت أن ضريحا واحدا قد هُدم على يد هؤلاء الشباب ، ولم يُعلم من كان وراء نشر تلك الأخبار ، وماذا كان يقصد من جراء إشاعتها .

وإذا كان الأمر كذلك فكان ينبغي على الدكتور علي جمعة أن يتثبت من الخبر قبل أن يبني عليه تصريحاته انطلاقا من قول الله عز وجل : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات: 6] ..

وأما بالنسبة للقصور الذي يراه في الشباب السلفي فكان من واجبه أن يسعى للالتقاء بهم في المساجد وأماكن تجمعهم ، وأن يوعيهم بجوهر الإسلام وبيان ما هم عليه من قصور في فهمهم لبعض الأمور ، ويصبر عليهم كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يقنعهم بالحسنى ، ويشعرهم بالعطف والحنان الذي يكنه العلماء لعامة المسلمين بدلا من التشهير بهم في مجلة أجنبية ، ولا يكون عونا للشيطان عليهم ؛ لأن ذلك قد يدفعهم إلى فقدان الثقة فيه وفي غيره من العلماء ..

والدكتور علي جمعة أعلم مني بموقف النبي صلى الله عليه وسلم من الثَلاَثَةُ رهط الذين جاءوا إِلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما أُخْبِروا كأنهم تقالوها فقالوا : “وأين نحن من النبي – صلى الله عليه وسلم – قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أَحدهم أَمَّا أَنا فَإِني أُصلى الليل أَبدًا ، وقال آخر أَنا أَصوم الدهر وَلا أُفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا “..

فلم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بالتشهير بهم ، ولم يصدر بيانا ويرسل أحد أصحابه لقراءته على من في بلاد الروم أو بلاد الفرس ليعلموا أن من وسط المسلمين من ضل الطريق فيزدادوا به شماتة ، وإنما أرسل إلى الشباب الثلاثة وأحضرهم إليه وقال لهم : « أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إني لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » صحيح البخاري.

وكانت النتيجة أن اقتنع الشباب الثلاثة بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُبدوا أي اعتراض ..

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعا البصيرة في الدين ، وأن يلهمنا السداد ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ جاء ذلك خلال الاحتفال بختم تدريس كتاب «الشمائل المحمدية» للإمام الترمذي .

المصدر : موقع التاريخ الالكتروني

 

-- *د. أحمد عبد الحميد عبد الحق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*