الجمعة , 9 ديسمبر 2016

سلفيّة متجددة

“وهناك آخر لا يقف إحساسه بالمسؤولية عند حدود بيته، بل يتعداه إلى الفئة التي ينتمي إليها، أو وطنه كاملاً، هذا النوع هو الذي يتكوّن منه: وقود الثورات، أو سكّان السجون، أو الباحثون عن المعرفة”.  أحمد بهاء الدين
 
إن كنتَ ممّن يمضغ الكلماتِ بفمٍ متورِّم، ويصرخ في انفعالٍ أبله: “يستتاب فإن تاب قُتل”! فلا تقرأ هذه المقالة..
 
.. لقد كان المنهج العلمي السائد في هذا البلد يفي -إلى وقتٍ قريب- بالحاجة المعرفية والإنسانية لأهله، لما كان عليه المجتمع من بيئة مغلقة، وفطرة قريبة.
 
لكنَّ العلمَ الشفهيَّ، وحَلَّ المتون، والفتوى الحاضرةَ التي تدور على المواسم؛ ما عاد قادرًا –وحده- على صياغة نظرةٍ شاملة للإنسان والكون والحياة في زماننا الحاضر هذا.
 
بناءُ الإنسان لحصونه مقدَّمٌ على دكّ حصون الآخرين، فالتسلّح بالمعرفة يكون قبل ثقافة الردود، وكان مما أضعف الخطاب السلفي المعاصر؛ أن المشروع العلمي الكتابي للصحوة كان أكثره قائمًا على ثقافة الردود الوقتية غير المؤصلة وليس على البناء العلمي، غابت تلك الردود مع شمس أحداثها، بعد أن أضرّتْ بعقول نابتة الصحوة من شيوخ اليوم.
 
كثيرٌ ممّن شغب على المدرسة السلفية؛ إنما استطال عليها بأدوات علم أنها لا تحسنها كثيرًا، أصبحت أقدامهم ترتاد مساحات معرفية لا تطرقها أقدامنا، فبلغوا منّا شئنا أم أبينا.
 
ولا سبيل إلى ردِّ عادية هؤلاء عن أصولنا وثوابتنا؛ إلا بخطاب معرفي يملك من الكفاءة ما يفكك أطروحاتهم من الداخل، إذ ليس أدعى لهزيمة الخصم ولا أنهض للحجة من أن تساجله بخطابٍ من جنس خطابه.. وأما حوقلة العجائز فللعجائز!
 
الهرب من المشكلة لا يعالجها بل يزيدها استفحالاً، فليس كل ما يقال عنا غير صحيح، وإذا ما تحدّث من لا تودّ عن فوائد التنفّس فلا تمت مختنقًا.
 
لا تكن على مبدأ أطباء موليير: “خير للمريض أن يموت على قوانين الطب من أن يشفى على خلافها”؛ لا تكن على هذا المبدأ لئلا يطبق عليك أول ما يطبق.
 
لقد جعل درس المؤسسة الاجتماعية، ونزعة التعليل في العقل المعاصر، وحديث الوعي بالهوية، وتحقيق الذات المبدعة؛ الخطابَ السلفي يخفت صوتُه في أنفس باتت ترى أن هذا النصَّ الضيق ما عاد قادرًا على أن يستوعب آمالها المعرفية، ولا يلبي شوق الإنسان فيها إلى خطاب الحضارة المُربك واللذيذ.
 
إننا إن استمررنا في الجمود على ما نحن عليه: من ضعف اعتبار الواقع، والجهل باللغات الحضارية، وتنقّص قيمة البناء المعرفي، والغض من شأن أثر الثقافة؛ مما أنتج هذا الخطاب المعرفي..
 
إن عرضنا معتقدات الآخرين وأفكارَهم من أوهى مَكاسِرها: حتى إذا ما قيّض لواحد من أبناء مدرستنا أن يناقش أصحابها؛ هالته هذه السطحية الساذجة التي غذونا بها عقله فعاد باللائمة علينا بما غيّبناه..
 
إننا إن سلبنا حرية الإنسان، وأهدرنا كرامته: بسطوة الإسلام السياسيّ المتوهَّمة، ودعوى القَدَر التاريخي؛ فألجأناه ببقايا آدميته إلى قيم الليبرالية..
 
إن نحن رَدَدنا آلةَ رأس المال الطاحنة، والقلقَ الاجتماعي الفاتك، وأزمةَ الاغتراب في الضمير المعاصر، والتنميطَ القسري للعولمة، وضجيجَ العلمانية المُصمّ، وشهوةَ هوليود الآثمة: بمرقّعةٍ تشفّ عن بؤس لابسها؛ إن فعلنا كلّ أولئك؛ فإن طوفان المجتمع المدني غامرنا لا محالة.
 
“القدرة على الإصغاء إلى الآخر تعني أكثر من التقاط الإشارات الصوتية, بل تعني أكثر من فهم ما يقوله الآخر.. إنها تعني أن أُدرك أن الآخر يودّ أن يقول لي شيئًا، شيئًا مهمًا بالنسبة إليّ, شيئًا عليّ أن أُفكّر فيه, وقد يرغمني -إذا دعت الضرورة- على أن أُغيرّ رَأيي” . بولنوف.
 
إضافاتٌ لحُسن النيّة:
 
1- كتبتُ هذه المقالة بقصد “النقد الذاتي الإيجابي” لمحاولة إصلاح المنهج مما يكون قد اعتوره من خلل (ليمكن للفكر أن يعود فيجعل الأيدي تتحرك).. وليس لتقويض المنهج القائم وإحلال منهج آخر محلّه، فعنوان المقالة “سلفية متجددة أو المجتمع المدني” وليس “الظلامية السلفية عدوّ المجتمع المدني”.
 
2- أتحدث هنا عن المنهج العلمي السائد بما هو اجتهاد بشري قابل للنقد، أتحدث عن آلات الخطاب وأدواته.
 
لا أعني بحالٍ الخطاب الشرعي المنزّه نفسه، ولا النص السلفي المبارك، حاشا.. ونعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.
 
3- لست أتعالى فاستثني نفسي مما آخذه على غيري، فأنا لا أحسن لغةً ثانية، وأعاني ضعفًا فاضحًا في تحقيق أدنى الكمال من الاطلاع على كثير من ضروب النتاج المعرفي، لكن “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت” ما استطعت.

-- الإسلام اليوم - عبد الله بن عبد العزيز الهدلق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*