الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أحداث وفتن تعرض لها الحرم المكي عبر التاريخ

أحداث وفتن تعرض لها الحرم المكي عبر التاريخ

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فقد مرت على الحرم المكي أحداث كبيرة، وتعرض لفتن عصيبة خلال تاريخ الكعبة الطويل، ولكن الله -تعالى- حفظ بيته وأبقاه لنا مثابة للناس وأمنا، وإن عانت الأمة من هذه الأحداث فإن مواجعها لم تدم طويلاً، ولله الحمد والمنة. ومن هذه الفتن الجسام:

– محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة:

حيث صرف الله -تعالى- عن قريش أصحاب الفيل الذين عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله عن آخرهم، وردهم شر خيبة، ورغم أن أصحاب الفيل كانوا نصارى، أي دينهم أقرب حالاً من كفار قريش، الذين يعبدون الأوثان، فلم تنصر قريش لخيريتها، وكن صيانة للبيت العتيق الذي شرف ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، فإن ذلك وقع في العام الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

– وقصة أصحاب الفيل بإيجاز:

أن أبرهة الحبشي  لما استقل بحكم اليمن من قبل النجاشي، بنى كنيسة عظيمة بصنعاء لم يبن قبلها مثلها، سمتها العرب “القـُلـَّيْس” لارتفاعها، بحيث أن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها.

وعزم أبرهة الأشرم أن يجعل حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى في الناس بذلك، فكرهت العرب ذلك، وغضبت لذلك قريش غضباً شديداً، فقصدها أحدهم ودخلها ليلاً وأحدث فيها، وكرَّ راجعاً، فلما علم أبرهة بذلك أقسم أن يسير إلى الكعبة ليخربنها حجراً حجراً، فصار أبرهة في جيش عظيم لئلا يصده عن البيت أحد، واستصحب معها فيلاً عظيماً لم يُرَ مثله -وقيل عدة أفيال-، فلما سمعت العرب بأمره حاولوا رده، فتصدى له “ذو نفر” من أشراف مكة ومعه قومه، فهزمهم أبرهة.

فلما بلغ أرض خثعم اعترضه نفيل بن حبيب الخثعمي ومعه قومه، فهزمهم أبرهة، فما بلغ الطائف صانعه أهل ثقيف خشية أن يهدم بيتهم “اللات” الذي يقدسونه، فما بلغ أبرهة مكة أدرك أهلها أنهم لا قبل لهم بأبرهة وجيشه، فخرجوا إلى رؤوس الجبال للتحصن بها.

فعبأ أبرهة جيشه وتهيأ لمحو الكعبة من الوجود، فطفق الفيل الذي معه يأبى التحرك تجاه الكعبة، فإذا وُجِّه إلى غير وجهة الكعبة تحرك وهرول، وإذا وُجِّه إلى جهة الكعبة برك وامتنع. ثم أرسل الله -تعالى- طيراً من جهة البحر في جماعات متتابعة، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره، وحجران في رجليه، فألقوا بالحجارة على جيش أبرهة، فكانت من شدتها وصلابتها إذا أصابت الجندي من جيش أبرهة أهلكته، ففر من بقي من الجيش راجعين إلى بلادهم، وهم يتساقطون بكل طريق، وأصيب أبرهة فحملوه معهم، فأتوا به صنعاء اليمن فمات هناك متأثراً بما أصابه، واستولت قريش على أسلاب الجيش. وفي شأن هذه القصة العجيبة نزلت سورة الفيل في القرآن الكريم لتكون آيات تتلى تمجد ذكرها إلى يوم القيامة.

– حصار مكة والحرم في عهد عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-:

لما توفي معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، وجاء الخبر بالبيعة ليزيد بن معاوية إلى المدينة، خرج الحسين -رضي الله عنه- إلى العراق، فما قتل -رضي الله عنه- بكربلاء تفرد عبد الله بن الزبير بالمكانة العالية في مكة، واستقل بها، فجاء لمكة جيش من قبل يزيد بن معاوية بقيادة حصين بن نمير، فاقتتل الطرفان قتالاً شديداً، ونصب جيش يزيد المنجنيق فرموا به مكة والحرم، واحترق جدار البيت، فلما بلغ جيش يزيد نعي يزيد، انصرف عائداً إلى الشام.

واستفحل أمر ابن الزبير فبويع له الخلافة في كثير من البلاد الإسلامية، وذلك عام 64هـ، وفيه هدم ابن الزبير الكعبة لما مال جدارها من رمي المنجنيق، وبلغ أساس إبراهيم -عليه السلام-، فأعاد بناء الكعبة على ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يبنيها عليه من الشكل، كما في الحديث الذي في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافَ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ -الْحِجْر- فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ).

ولما بويع بالخلافة لعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- عام 64هـ عارضه مروان بن الحكم وأهل الشام، فلما مات مروان، وتولى بعده عبد الملك بن مروان، بعث الحجاج بن يوسف لقتال ابن الزبير في مكة، فحاصرها، ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس، ليرمي به المسجد الحرام الذي اعتصم به ابن الزبير وأتباعه، وما زال الحجاج يقاتل ابن الزبير حتى ظفر به وقتله سنة 73هـ، فاستقرت الخلافة لعبد الملك بن مروان وبني أمية من جديد، وهدم الحجاج الحائط الشمالي وأخرج الحِجر كما كان أولاً بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، ولم يكن قد بلغه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغه الحديث قال: “وددنا أنا تركناه وما تولى -يعني ابن الزبير- من ذلك”.

– إلحاد الشيعة القرامطة في الحرم المكي:

للشيعة مواقف تدل على استهانتهم بالكعبة وقلة تعظيمهم لها، خاصة غلاتهم. وقد بلغ الأمر أشده فيما اقترفه الشيعة القرامطة في الحرم المكي، والقرامطة من أدق ما عرف من الجمعيات السرية في التاريخ، وحركتهم حركة باطنية انفصلت عن الشيعة الإسماعيلية، وهي نسبة إلى “حمدان قرمط”، اتبعه على ضلاله كثير من العرب وغيرهم، واستفحل خطرهم، وارتكبوا فظائع وجرائم كبيرة.

بدأ ظهورهم عام 278هـ، واستولوا على العديد من البلاد، وزحفوا على الحرمين، فنهبوا حجاج البيت الحرام يوم التروية عام 317هـ، وقتَّلوهم، ودفنوهم في المسجد الحرام وبئر زمزم، بعد أن نزعوا قبته، ونزعوا كسوة الكعبة، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه، وحملوه معهم إلى بلادهم في الإحساء من أرض البحرين، ورفضوا إعادته، فظل في حوزتهم إلى أن ردوه في عام 339هـ، أي بعد 22عاما، وكانوا ممالئين للفاطميين، قالوا بوقوع النسخ في شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا بالنبوة لأئمة منهم، وبالحلول ورفع التكاليف، وشيوعية النساء والأموال فيما بينهم، وقد قضي عسكرياً على دولتهم عام 466هـ.

– فإن قيل: لمَ لمْ يعجَّـلوا بالعقوبة كأصحاب الفيل، ودينهم أشر من دين النصارى، وفعلوا بمكة ما لم يفعله أحد من قبل؟

وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل عُجِّلوا بالعقوبة الدنيوية إظهاراً لشرف البيت الحرام، لما يراد من التشريف بإرسال النبي -صلى الله عليه وسلم- من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عجل الله -تعالى- هلاكهم، ولم يكن هناك شريعة مقررة تدل على فضل البيت لو دخلوه وأحدثوا فيه، مما يجعل القلوب تنكره، بل كانت ستنكر عندئذ فضلَه.

وأما هؤلاء القرامطة ففعلوا ما فعلوه بعد إظهار الإسلام شرفَ مكة والكعبة، لذا فكل مسلم يعلم أنهم ألحدوا في الحرم إلحاداً عظيماً، ينكره عليهم، فلم يحتاجوا إلى تعجيل العقوبة، بل أخرت إلى يوم الجزاء والحساب. والله -تعالى- أعلم.

– وفي عهد الدولة الصفوية الشيعية التي أسسها إسماعيل الصفوي عام 1500م، وجعل عاصمتها تبريز، والتي بلغت أوجها في عصر الشاه عباس الصفوي (1588م – 1629م).

عمل الصفويون على تحويل الحجاج الإيرانيين من مكة إلى مشهد، حيث حج الشاة عباس الصفوي سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد تقديساً لضريح الإمام “علي الرضا”، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مشهد مدينة مقدسة يؤمها الشيعة الإيرانيون، وقد نجح العثمانيون في القضاء على الدولة الصفوية الشيعية عام 1722م.

– يقول الأستاذ الندوي عن مشهد “علي الرضا” في إيران:

“فإذا دخل غريب في مشهد “علي الرضا” لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم، فهو خاص بالحجيج، مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجال والنساء، مزخرف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء وتبرعات الفقراء” (وجاء دور المجوس ج1/ 202 نقلاً عن مجلة الاعتصام).

ويقول الخوميني: “إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي -رضي الله عنه-: يا علي إن من يبني قبوركم، يأتي إلى زيارتها يكون كمن شارك سليمان بن داود في بناء القدس، ومن يزور قبوركم يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويكون كمن ولدته أمه تواً” (الخمينية وريثة الحركات الحاقدة والأفكار الفاسدة ص104، نقلاً عن كشف الأسرار للخوميني).

– ولما قامت الجمهورية الإيرانية بعد الثورة الشعبية في إيران، امتد نشاطها لتصدير الثورة الإيرانية إلى الحرم المكي في مواسم الحج، حيث كان يحرص الحجاج الإيرانيون الشيعة على إقامة المظاهرات وإثارة القلاقل بين الحجيج دون مراعاة لما يتطلبه موسم الحج من التفرغ لأداء الشعائر، حتى نجحت السلطات السعودية في السيطرة على هذه الظاهرة وتحجيمها.

– فتنة جهيمان والمهدي القحطاني:

جهيمان بن سيف العتيبي، من قبيلة عتيبة، خدم في الحرس الوطني السعودي 18عاماً، وعمل في الدعوة، فكان له الأتباع من الشباب، قام هو وأتباع له بالاستيلاء على الحرم بعد صلاة الفجر في الأول من المحرم عام 1400هـ الموافق 20/11/1979م، حيث أغلقوا أبواب المسجد الحرام، وادعوا أن محمد بن عبد الله القحطاني أخو زوج جهيمان هو الإمام المهدي، وأنه تنطبق عليه الصفات الواردة في أحاديث المهدي، واستندوا إلى تواتر رؤى منامية تؤكد ما قالوه، وقاموا بمبايعته بين الركن والمقام.

ولاستعادة الحرم من جهيمان وأتباعه دار قتال عنيف حول وداخل الحرم قرابة أسبوعين، انتهى بمقتل الكثيرين من أتباع جهيمان، منهم محمد بن عبد الله القحطاني المدعى أنه المهدي، وتم القبض على جهيمان ومعه 62 من أصحابه حيث أعدموا.

وقد اتفقت كلمة الأمة على عدم مشروعية ما قام به جهيمان وأتباعه، وتحملهم وزر انتهاك حرمة البلد الحرام، وحرمة البيت الحرام، في الشهر الحرام شهر محرم، وسفك دماء المسلمين في الحرم، وترويع الآمنين، إلى جانب تعطيل ذكر الله -تعالى- في الحرم والصلاة والطواف والسعي وإحصار المعتمرين فيه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

– هدم الكعبة في آخر الزمان:

وبعد هذا الحفظ لبيت الله -تعالى-، فإنه لن تقوم الساعة حتى يأتي رجل فيهدم الكعبة، وهذا الهدم من أشراط يوم القيامة، وهذا الرجل هو ذو السويقتين الحبشي، كما جاء في الحديث في الصحيح وغيره، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ) متفق عليه.

وعند البخاري في كتاب الحج “1595” عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا)، الفحج: تباعد منا بين الساقين، و(يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا) يعني: الكعبة، و(ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) تثنية سويقة، وهي تصغير ساق، أي له ساقان دقيقتان، وهذا محمول في آخر الزمان قرب قيام الساعة حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: “الله الله”، كما ثبت في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله).

فإذا خربه ذو السويقتين لا يعمر بعده أبدا، والله -تعالى- أعلم، فتأويل ذلك وقوعه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

-- موقع صوت السلف - علاء بكر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*