الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الرمزُ والهمز

لا يسقطُ الرمز السياسيُّ وحده بل يجرُّ معه رموزًا ثقافيةً ومجتمعيةً، وحين يختفي نظامٌ فإنه يحمل معه أولياءَه ، لا إلى « ذاكرة النسيان « – كما يُظن – بل إلى محاكمات التأريخ التي تتجددُ جلساتُها مهما طالت الأزمنة أو تبدلت الأمكنة، وهو ما يعني أن حياة الشخصيات العامة ممتدةٌ بمقدار حضورهم في المشهد « الجماهيري « ومكثهم فيه. 

 

السقوط غيرُ الموت؛ فحين يغيب الرمز بقضاء الأجل فإن حظَّه في هدنةٍ مؤقتة قد تطول قبل أن تتغيرَ الوجوه الحارسة فتفتح الملفاتُ الدارسةُ، وتنعتق أجيالٌ من إرث التبعيةِ والولاء والخوف والمجاملة ، وتبدأ في استعادةِ الذكرى وتقليبِ الأرشيفِ الممتلئ بما يعطي مدًى لحريةِ القائل والمقول والكاتب والمكتوب. 

 

الأمرُ هنا لا يعني سلبيةً أو اتجاهًأ أحاديًا؛ فربما حلَّ إنصافُ تجربةٍ محل إغفالها وظلمها، وقد يحصلُ خلافُ ذلك، وفي سجل التاريخ غير البعيد ما تزالُ الرؤى متبدلةً بين التصنيم والتحطيم لشخصي « الخليفة عبد الحميد « و» كمال أتاتورك « في سجالٍ أقفلَ زمنًا في بلدهما وفتح في سواهما بمساحات ممدودةٍ يعادُ فيها اعتبارُ زعيم ويُساءل آخر، وليس المهم نواتجَ الدراسات بمقدار الحريةِ في تناولها ووجود اتجاهٍ غير إجباريٍّ في العبور نحو الحقيقة بشأنهما. 

 

والأمر ذاته ينطبق على شخوصٍ رمزيةٍ كثيرة في التأريخ المعاصر؛ ففاروق ونجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك و بومدين و بورقيبة والأسد الأب وغيرهم باتوا موادَّ قابلةً للاشتغال بها عبر ضدياتٍ يميزها هامشُ مفتوحٌ لا يتوقف عنده الرقيب. 

 

تبقى للسياسيين أجواؤُهم المتقلبةُ، ويظلُّ الناس مختلفين حولهم مدى الدهر لنعاني – حتى اليوم والغد- من تبعات اختلاف «السقيفة وصفين» و»الأمويين والعباسيين» دون وجودِ منطقةٍ وسطى للقاءٍ أو حتى لهدوء، أما الرموز الثقافية والمجتمعية فهي المُساءَلَةُ عن أطياف الألوان المتعددةِ المكوِّنةِ لملامحها بمقدارِ أحقيتها بحمل لقب «رمز « حين تواجهُها النظراتُ الواعيةُ النائيةُ عن تأثيرِ الحضور الرسميِّ والشخصي. 

 

قد تتكشف أمورٌ لاحقةٌ ؛ فيبدو الشاعرُ تاجرًا والناقدُ ناقلا والمؤرخ مزيِّفًا والعالم متكسبًا والكاتبُ أجيرًا والوجيهُ ذا مداخيل مشبوهة وغيرُهم ذوي مسالكَ ملتويةٍ، وهنا تكبرُ مصيبةُ النشءِ في نماذجهم وتتسعُ مسؤوليةُ النماذج أمام مريديهم، ولعلنا بحاجةٍ إلى إجراءات شبيهةٍ بما يطالَب به « السياسيون « من إبراء ذممهم وكشف حساباتهم، ويضافُ للآخرين مناقشة مرتكزاتهم العلمية والإبداعية وإخضاعُهم لاختباراتٍ منبريةٍ يَبينُ فيها قادرٌ وعاثر ، ونزيهٌ ومتلون ، وصادقٌ ومراءٍ ، وذو مبدأٍ ومن تميل به الرياح. 

 

الشداةُ يحتاجُون إلى نماذج حقيقيةٍ غير مزيفة، ولا تُهمُّ صدماتُهم بالسياسيين؛ فهي محتملةٌ، والموقف منهم محكومٌ بسطوتهم وسلطويتهم، والصمتٌ عنهم لا يعني حالةَ رضا أو قبول؛ فقد جاء حِراك الشوارع العربيةِ ليفسد كل المعلقات والافتتاحيات والمجلدات، أما سادةُ المنابر الثقافية والمجتمعية فإن سقوطهم غيرَ المتوقع سيحدث زلازل نفسيةً في دواخل المتلقين، وقد يكفرون بما يمثلونه من تيارات وتوجهات، وربما اختلطت الأوراقُ حتى لا يميزَ ماءٌ من سراب. 

 

المرحلة الحاليةُ تتجاوزُ تعليقات المحللين السياسيين لتتطلع إلى أبحاث علماء النفس والاجتماع والأخلاق، ومعها رغبةٌ في فتح ملفات الثقافة الجادةِ غير المنتفعةِ بشخوصها ونصوصها؛ فلم تعد الثقة بالزمن وأربابِه اليوم مثلما كانت بالأمس. 

 

لا نريد للرموز أن تتساقط؛ ما يجعلنا نبحث عن عوامل طمأنةٍ جديدةٍ يسودها الوعيُ والشفافية والتدقيق والتوثيق. 

 

الرمزُ ثراءٌ وانتماء. 

 

-- صحيفة الجزيرة - د: إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*