الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دور (الإمام والخطيب) في تعزيز الأمن الفكري.. وكشف المخططات الإرهابية

دور (الإمام والخطيب) في تعزيز الأمن الفكري.. وكشف المخططات الإرهابية

لا يخفى على الجميع أهمية دور المسجد والرسالة العظيمة التي يقدمها للمجتمع منذ القدم وخاصة منبر المسجد التي انطلقت من خلاله نور الرسالة الخالدة لتضيء سماء الكون بالدعوة للحق وطرد الجهل ومنه انطلقت دعوة دين الرحمة والعدل والمساواة للبشرية جمعياً.

ومع اختلاف الزمان لم تختلف أهمية ورسالة المسجد بل إن أهميته زادت في الوقت الراهن وفق تغيرات العصر وما يشهده العالم وخاصة العالم العربي والإسلامي من مسيرات واضطرابات فقد آن الأوان ليعود المسجد لممارسة دوره الريادي والتوعوي بعد أن شهد بعض الانحسار في كثير من البلدان العربية وتفعيل أدواره المهمة جداً للمجتمع ولعل رسالة الإمام والخطيب وأثرها التوجيهي على الفرد والمجتمع.

من أهم هذه الأدوار بعد أن أثبتت الدراسات الحديثة والبحوث العلمية ومواقع الاستطلاع أن الخطاب المنبري أحد أهم وأسرع وسائل التأثير على المتلقي إذا أحسن إعداده وصياغته وموضوعيته وكل ما كان الخطاب يحاكي الواقع الراهن وفق متطلبات العصر ولغته كان الخطيب أسرع إلى الوصول إلى ذهن السامع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإن من البيان لسحرا) لذا اهتمت الدولة أيدها الله ممثلة في وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والأوقاف بالإمام والخطيب في المسجد الذي تقع عليه مسؤولية كبيرة وجسيمة خاصة في الوقت الراهن الذي تتجاذب فيه التيارات الفكرية المختلفة عقول الشباب إلى جانب ما يحدث في كثير من البلدان العربية من مظاهرات.

وبعد أن أثبتت المراجعات الفكرية مع الموقوفين أن سبب انحراف بعضهم فكريا كان بسبب خطبة إمام مسجد جائر جاهل بعواقب الأمور جعلت المصلي يخرج من الخطبة وهو يفكر في حزام ناسف فبدل أن يكون هذا الإمام رحمة وسبباً لهداية المتلقي أصبح معول هدم وسبباً في انحرافهم بعد أن استغل وظيفته الرسمية الذي يتقاضى بموجبها راتباً من الدولة.

أصبح يستغل ذلك المنبر في التهجم عليها ويخالف سياستها الحكيمة المستمدة من الكتاب والسنة في اجتهاد قد يكون خاطئاً يثير البلبلة ويساهم في زعزعة واستقرار المجتمع، ورغم الجهود الواضحة والملموسة والكبيرة التي تقوم بها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والأوقاف التي تعد في الوقت الراهن من أبرز مؤسسات المجتمع المدني التي تقوم بدورها في سبيل تعزيز الأمن الفكري.

إلا أن هناك قصور، وهذا التقصير شخصه وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور توفيق بن عبدالعزيز السديري بتقير أئمة وخطباء المساجد في تعزيز الأمن الفكري لدى الشباب، واصفاً دور المسجد في هذا المجال بأنه أساسي.

وقال السديري في ورشة العمل الخاصة بدراسة الانحراف لدى الشباب في المجتمع السعودي: «صحيح وأن هناك قصوراً في ذلك لأن الأئمة يتولون دوراً مهماً في حماية الأمن الفكري».

وقد سبقه إلى تشخيص هذا القصور رجل الأمن الأول الأمير نايف عن دور مؤسسات المجتمع في محاربة الإرهاب أجاب حفظه الله: «إننا مؤمنون إيماناً كاملاً بدور المؤسسات.

وسبق أن قلت في عدة مناسبات بأن الأمن الفكري هو المطلوب ويجب أن ننظف الأفكار من المفهوم الخاطئ ولذلك نعلق على مؤسساتنا الشرعية والاجتماعية والعلمية بأنها تعطي هذا الجانب الاهتمام الكبير.

ولكن أحب أن أقول أنه للأسف إلى الآن وهذا الجانب لم يواكب الجهود التي يبذلها رجال الأمن» وكان الجميع يتابع قرار الوزارة إبعاد عدد كبير من الأئمة والخطباء وصفها البعض بأنه خطوة جريئة اتضح بعد ذلك أن سبب قرار الإبعاد كان بسبب انقطاعهم وغيابهم فقط».

وعلى الرغم من القرار الإيجابي في إعادة الوزارة النظر في فحوى الخطاب الديني المتشدد الجاف، واستبداله بخطاب أكثر قبول وواقعية وتوجيهه لمناقشة قضايا المجتمع المعاصرة مثل قضايا التكفير وكشف بدع المضللين وزيفها وإماطة اللثام عنها ولكن محاولاتها في بعض الأحيان تصطدم بالواقع الذي تغلغل فيه هذا الفكر.

لكن لا بد للوزارة أن تبذل جهوداً أكبر وأكثر في إعادة تأهيل هؤلاء الخطباء والأئمة علمياً وشرعياً ونفسياً واجتماعياً وفكرياً، وإلحاقهم بكثير من الدورات المستمرة التي يكون لها تأثير على فحوى خطابهم الديني، في وقت أصبح الاعتدال والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة مطلب وحاجة ملحة من أئمة المساجد.

مع توجيههم من قبل الوزارة على تحمل مسؤولياتهم بكل أمانة وصدق في شرح الإسلام الصحيح والعقيدة الخالصة من بدع المضللين وكشف الشبهات التي يحاول الإرهابيون إضفاء الشرعية على أعمالهم الإرهابية ومبرراتهم الواهية التي من خلالها يقول سمو الأمير نايف مخاطباً الأئمة والخطباء (وبما أن قدركم وضعكم في مكان المسؤولية ولأن الاعتداء هو على الإسلام فأنتم خير من يواجه هذا لأن المطلوب منكم أن تواجهوا هذا الأمر بكل علم وعقل وشجاعة رأي وشجاعة كلمة لا تأخذكم في الله لومة لائم).

حقاً سمو الأمير هذا ما نريده من الخطيب وإمام المسجد هو التركيز على قضايا المجتمع المصيرية وعدم إغفالها وإعها الأولوية كما وجه سمو الأمير نايف الجميع وهو يقول: (لو قامت كل هذه المنابر بالواجب عليها وركزت على واقعنا وأهملت «ليس إهمالاً كاملاً ولكن يعطيها الأولوية لأوضاع خارج الوطن» لو ركزت على شرح ضلال هؤلاء وتحذير الناس من الانخراط والاستماع أو القبول أو التعاون مع هؤلاء لاهتدى أناس كثير).

هذا ما نُريده حقاً من الخطيب التركيز على قضايانا من حيث الطرح والتناول والمعالجة أولى من تشتيت أفكار المتلقين، والسؤال الذي يطرح نفسه للأئمة والخطباء إذا كان الإرهابيون على الرغم من قلتهم وفي بؤرهم وأماكنهم المشبوهة التي يستترون وراءها وهم يعيشون في عزلة وانطواء عن المجتمع، استطاعوا أن يغيروا مفاهيم صحيحة لدى الشباب وتحويلهم بقدرة قادر على قنابل مؤقتة قابلة للانفجار في أي وقت مع تجنيدهم في خلاياهم الإرهابية من خلال مضامين خطابهم البسيط الذي لا يستند على علم شرعي صحيح ويحمل كثيراً من الشعارات الجوفاء.

 ألا يستطيع خطباء 56 ألف منبر خطبة جمعة في الشهر أن يملكون الدليل الواضح والحجة القوية التي تفند هذا الفكر الإرهابي وتكشف زيفه وتبين خطورته على المجتمع وأثاره السلبية، فخطب أئمتنا ودعواتنا يجب أن تمضي على نور الشريعة وسمو المنهج ووفرة العلم وزينة العقل.

فإذا كان الإمام والخطيب لا يملك العلم الشرعي الذي يؤهله أو ليس له قدرة على قراءة واقع الأمة ومستجدات العصر فليترك المجال لمن هو أجدر منه فنحن الآن في مرحلة نكون أو لا نكون في حربنا المصيرية مع الإرهاب فلا يتعامل الخطيب مع الأحداث بعواطفه بل بما يمليه عليه الشرع ويرتضيه الخالق ويتبع فيه سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فالخطيب الجيد هو الذي يلتزم منهج التبشير بالعاقبة الحسنة والتوجيه بالصبر الذي في الغالب يعقبه الفرج، ولا يلجأ إلى أسلوب ينشأ عنه التشاؤم لدى السامعين والقنوط والسخط فيخرجون بلا فائدة بل وربما يلجؤون للتفريج عن سخطهم بأي عمل يرضي تهيج عواطفهم التي أشعلها الخطيب المنفر الذي لم يلتزم بمنهج التبشير والتيسير بعيداً عن المزايدة على الدين.

فلا بد للخطيب المتمكن أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة ويقدم الإسلام بصورته المشرقة الناصعة، ولا بد للقائمين على الشؤون الإسلامية أن يكون اختيارهم الإمام والخطيب وفق أسس ومعايير يكون أهمها:

1- تأصيل العلم الشرعي لديه.

2-  التفقه في الدين.

3-أن يكون عارفاً بواقع الأمة ومستجدات العصر والواقع العالمي الراهن.

4- ومن المهدلهم بالوسطية والاعتدال.

5- ويتميز بالحكمة والعلم وبعد النظر.

6- وأن يكون لديه قبل كل شيء قدرة على التأثير على المستمع مع القدرة على استخدام وسائل العصر الحديثة.

إذاً التطوير وإعادة التأهيل مطلب لملاءمة ظروف العصر بشرط أن لا يمس الثوابت الدينية.

فنحن ضد التشدد الذي ينقل المستمع إلى ممارسة أو تأييد الإرهاب، أو حتى التعاطف معه وفي نفس الوقت ضد التحلل الذي ينشأ عنه الانسلاخ عن الدين.

إذاً الوسطية والاعتدال كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وكما وضح الرسول صلى الله عليه وسلم (خير الأمور الوسط). أصبحت مطلباً وضرورة ملحة يجب على الخطيب التمسك بها. لأن هذا المنبر من أكثر المناصب مسؤولية أمام الله تعالى.

-باحث وأكاديمي متخصص في الشؤون الأمنية الفكرية ومكافحة الإرهاب

 

hdla.m@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة - د. محمد بن حمود الهدلاء(*)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*