السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اليمن السعيد.. هل هان على أبنائه؟

اليمن السعيد.. هل هان على أبنائه؟

من المؤسف فعلاً أن نرى ذلك التراشق والإسفاف الإعلامي غير المتحضر على الإطلاق الذي تمارسه بعض الأجهزة الإعلامية على طرفي النزاع، وما يحاول البعض تلفيقه من القصص والمشاهد بطريقة تسخر من عقلية المتلقي

اليمن السعيد الذي لا يكرهه أحد، يبدو أنه على وشك الهوان عند أهله، فاليمن السعيد ذلك البلد المكتظ بما يزيد على 25 مليونا من السكان، تكتشف في حضرته أنك أمام مارد عظيم الأخلاق شريف الكبرياء، مختلف عن كل ما ومَن حوله حتى في طريقته وهو يغلي ويثور.

أكثر من 100 يوم مضت واليمن السعيد الذي يحتضن ما يقارب الـ60 مليون قطعة سلاح في جوفه، والرصاصة على بعد إصبع من الانفجار، ما زال يتمتع أهله حتى اللحظة بالحكمة ورباطة الجأش، مُجسدين وضاربين أقوى مُثل الوعي الذي طالما جردهم منه الكثير من المتحاذقين، وافتقدته العديد من المجتمعات العربية والعالمية.

وكم هو غامرٌ ومُشرف أن يُجبرك من يحمل السلاح على احترامه حينما تراه يحترم ما بيديه من قوة يرفض إطلاق العنان لهمجيتها وقبحها. وأجدني أقف احتراماً وتقديراً لمثل هذا الوعي للشعب اليمني وقيادته، ولليمنيين أن يفخروا بذلك، ويتمسكوا به لآخر لحظة في تاريخ العالم.

أكثر من 100 يوم مرت، وثورة التغيير في اليمن السعيد تعبر مضائق السياسة ونزق الخيارات دون بوصلة. والغريب فعلاً أن تتفاوض الأحزاب السياسية مع الحكومة، على الرغم من كونها ليست صاحبة الفضل في تقديم السلطة للتنازلات تلو الأخرى.! والأغرب أيضاً أن يغيب صوت شباب ساحة التغيير كل تلك الفترة الماضية.

ليخرج أخيراً مبحوحاً تغيب عنه الثقة.!

والأكثر غرابة أن شباب التغيير في اليمن لم يقدموا (حتى الآن) أي مقترح يتلمس درب الخروج من الأزمة يقدمون أنفسهم من خلاله، ويشفع لهم ولو بتخيل مشروع سياسي واضح، يؤسس لمستقبل نظام دولة مؤسساتية مدنية.

زارني في الأسبوع الماضي أحد شباب التغيير وتناقشنا في الكثير من الجزئيات المتعلقة بثورة الشباب في ساحة التغيير، وجميعنا متفق على ضرورة وأهمية التغيير، لكننا كنا مختلفين على الكيفية.

ولا أخفيكم سراً لقد أدهشني اعترافه بأن لا أجندة تنظيمية بديلة لدى الشباب، أو حتى تصور مبدئي لتعويض الفراغ السياسي الذي ستدخل فيه البلاد في حال تنحي الرئيس صالح عن الحكم.

وكل ما هنالك هو ترديد ورفع كلمة (ارحل). لقد قال لي ببساطة متناهية.. كل المشاكل ستحل بعد رحيل الرئيس. قلت: هل هناك من ضمانات؟ قال لا..!!

وبصدق أرعبني أن تكون الرؤية لدى بعض شباب التغيير للمشهد اليمني من هذه الزاوية اللامبالية، في ظل اعترافه بانقضاض أحزاب اللقاء المشترك على ثورة شباب ساحة التغيير.

كما استمعت لبعض شباب التغيير على بعض القنوات الفضائية اليمنية، وأحزنتني نبرة التشنج في الحديث عبر وسائل الإعلام وهو ما لا مبرر له على الإطلاق، ولا يتوازى مع شعارات السلمية والتغيير وسقف المطالب العالي.

كلماتي هذه لا تعني بالضرورة أن كل شباب التغيير لا يتمتعون بالوعي، بل إنني على يقين بأن في ساحة التغيير الكثير من القيادات الشابة الطموحة التي تملك القدرة على قيادة البلاد للأجمل وبثقة، لكنها بكل أسف تتوارى عن الأنظار دون مبرر مقنع وواضح.

وكنت وما زلت أتمنى أن يتقدم شباب التغيير بمشروعهم السياسي ومقترحهم الذي قد يكون طوق النجاة الأمين لتخرج البلاد من دوامة اللا حرب واللا سلم.

وقوع اليمن في مأزق الفراغ السياسي وهو نفس المأزق الذي يعيشه كل من الشارع التونسي والمصري، سيجرد اليمنيين من لقب الحكمة بكل تأكيد، إذ إن الفراغ في اليمن سيكون رباعياً (رئاسيا وحكوميا وبرلمانيا ونظاما)، الأمر الذي سيذهب بالبلاد إلى دهاليز الجميع يرى مدخلها، لكن مخرجها لا تتوافر عنه أية معلومة بعد، وإذا ما سلمنا منطقياً بوجود الخلاف في التوجهات على المستويات الفكرية والمذهبية والسياسية بين أحزاب اللقاء المشترك، والسيطرة الميدانية للحركة الحوثية على كامل منطقة صعدة، ونبرات الحراك في الجنوب، فسندرك أننا على أعتاب مجهول بكل المقاييس، ومشكلات مستقبلية خانقة قد لا يتغلب عليها أبناء السعيدة سريعاً.

 وهو ما لا يرغب في الدخول إليه جميع اليمنيين حتماً.

 فمن جهة، يدرك تماماً الشباب المحتشد في ساحة التغيير قوة وحجم الساحة المقابلة في المشهد اليمني، فآثروا المكوث في ساحة الجامعة أو ساحة التغيير على المواجهة كل هذه المدة التي تجاوزت مئة يوم، وهم بذلك يعلنون عن سلمية الثورة ولكن بطريقة خاضعة لظروف ومعطيات خاصة لها ما لها وعليها ما عليها.

 لقد تمنيت ألا أرى انضمام لـواء العسكر الذي برأيي أضر بثورة الشباب أكثر مما أفادها، فقد جنح بها كثيراً عن شيم الثورات السلمية، تلك الثورات التي تعصف في طريقها بكل ما ومن يحاول الوقوف في وجهها بقوة نقائها وأيديولوجيتها الفارهة بخلوها من السلاح والعسكر.

 ومن المؤسف فعلاً أن نرى ذلك التراشق والإسفاف الإعلامي غير المتحضر على الإطلاق الذي تمارسه بعض الأجهزة الإعلامية على طرفي النزاع، وما يحاول البعض تلفيقه من القصص والمشاهد بطريقة تسخر من عقلية المتلقي الذي بات أكثر ذكاءً وفطنة، ومدركاً لأعمق حيل الصوت والصورة في ظل الانفتاح الإعلامي والمعرفي الذي جمع العالم من طرفيه في قطعة صغيرة بجيبك.

-- الوطن أونلاين -صالح الديواني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*