السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الصوماليون في الغرب ومستقبل أبنائهم المجهول

الصوماليون في الغرب ومستقبل أبنائهم المجهول

لقد نزح آلاف الصوماليين من بلدهم منذ التسعينات من القرن الماضي ولجأوا إلى البلدان الغربية بسبب الحروب الأهلية التي تعصف ببلدهم منذ عقود. وكان يُعتقد أن هؤلاء محظوظون لوصولهم إلى بلدان متقدمة تضمن لهم ولأبنائهم حياة أفضل من حياة نظرائهم الذين لجأوا إلى البلدان المجاورة للصومال ككينيا وإثيوبيا على سبيل المثال.

غير أنه ما لم يتوقع أحد هو أن ما كان يعتبر نعمة على هؤلاء الصوماليين كان سيتحول إلى نقمة بالنظر إلى ما يدفعونه الآن من ثمن باهظ بسبب الاختلاف الشديد بينهم وبين البلدان المضيّفة لهم، وذلك على المستوى الديني والثقافي والعرقي. ولعل المستقبل المجهول لأبنائهم هو أغلى ما يدفعونه من ثمن إلى جانب المشاكل المادية والمعنوية التي يعانون منها بطبيعة الحال. فكيف هو حالهم وما هو المستقبل المجهول الذي ينتظر أبناءهم؟ هذا ما ستجيب عنه هذا الدراسة بدءا بالواقع اليومي.

واقع الصوماليين في الغرب

يعتبر الصوماليون في كل من بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية والسويد على سبيل المثال من أكثر الجاليات المسلمة في الدول الغربية من حيث العدد، حتى إنك تتخيل أحيانا أنك في مقديشو إن صادف أن تزور بعض نواحي لندن او ترونتو أو مينابلس بالولايات المتحدة الأمريكية.

أما من حيث التكيف والاندماج فيعتبر الصوماليون من أقل الجاليات المسلمة اندماجا في المجتمعات الغربية، حيث يعيش غالبية أفرادهم على هامش تلك المجتمعات. فالبطالة على سبيل المثال عالية فيهم بالمقارنة مع المجتمعات المسلمة الأخرى، إذ أن غالبيتهم، وبخاصة أولئك الموجودون في البلدان الأوربية السخية كالسويد والنرويج وفينلاندا، يعيشون على الإعانات المالية التي تقدم لهم مؤسسات الضمان الإجتماعي في هذه البلدان. وقد أصبحوا كُسالى بسبب هذه الإعانات إلى حدٍّ لا يغادر بعضهم المقاهي ومجالس القاد التي يقضون فيها معظم أوقاتهم.

ويبدوا أن التمييز العنصري وحرمان الأجانب من الفرص في العمل والتعليم؛ أمور تضرب بالصوماليين أكثر من المجتمعات المسلمة الأخرى وذلك بسبب كونهم أفارقة سود إلى جانب كونهم مسلمين ومهاجرين في الآن نفسه .

ومعلوم أن واحدة فقط من هذه الأوصاف الثلاية، أي أن تكون أسودا أو مسلما أو مهاجرا، تكفي لتتعرض إلى التمييز في البلدان الغربية نهيك عن تجمُّعها فيك كفرد واحد كما هو حال الصوماليين هنا في الدول الغربية.

ومما يزيد الطين بلة بالنسبة إلى هولاء الصوماليين ويضاعف من عزلتهم وتهميشهم على ما يبدوا هو أنهم يحتلون الصدارة من بين المسلمين حين يتعلق الأمر بإظهار مظاهر التدين كاعفاء اللحية ولبس القميص وارتداء الحجاب، مما يعطي عنهم صورة مغلوطة، حيث تتصور المجتمعات الغربية التي يعيشون في كنفها أن لهذه المظاهر محتوى يتطابق ومفهومهم عن الإسلام السياسي العنيف. والحقيقة أن الأمر ليس كذلك إذ أن الصوماليين ليسوا أكثر تدينا من المجتمعات الإسلامية الأخرى في الغرب.

 بل ويمكن القول إن العكس هو صحيح إذ أن الإيمان بالقبيلة أقوى عند كثيرين منهم من الإيمان بالإسلام مما يؤكد وهمية هذه المظاهر في كثير من الأحيان.

على صعيد آخر تعاني الجاليات الصومالية في الدول الغربية من تفكك داخلي حيث تنعدم اللحمة وينعدم الانسجام فيما بينها، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، كما أن التفكك الأسري أصبح جزءا لا يتجزأ من واقعهم اليومي.

فبالنسبة إلى اللحمة والانسجام لدى الصوماليين في الدول الغربية، فقد انهارت عندهم القيم الأخلاقية الحميدة، والتي من شأنها أن تضمن الاحترام والتقدير للمسنين ورجال الدين والمثقفين على سبيل المثال.

وقد أصبح الكل يتساوى عندهم؛ الشيخ مع الشاب والجاهل مع العالم والشريف مع الشرير إلخ. وبعبارة أخرى، بعد أن جلس الجاهل مع المثقف في المقاعد المدرسية لتعلم لغة البلاد التي هاجر هؤلاء الصوماليون إليها، وبعد أن استلما -هو والمثقف- نفس الإعانات المالية من صناديق الضمان الإجتماعي على سبيل المثال، وجلسا جنبا إلى جنب في نفس المقهى وشربا من نفس الفنجان اعتقد الجاهل بِأنْ لا فضل للعالم أو المثقف عليه وبالتالي لا داعي إلى الاستماع إليه ولا إلى طاعته أو الاستفادة من آرائه وبالتالي تساوى الجميع وانهارت السلم الإجتماعية التي كانت تحدد لكل طبقة من الطبقات الإجتماعية مقامها في المجتمع.

وقد أدى ذلك إلى فوضى عارمة في الجاليات الصومالية في الدول الغربية وأصبح التفكك سيد الموقف بكل ما يحمل ذلك من مخاطر على المهاجر الصومالي بطبيعة الحال.

أما بالنسبة إلى التفكك الأسري، فقد كثرت عند الصوماليين ظاهرة “الأم العازبة”، وهي أم تربي أطفالها لوحدها بعد أن هاجرها زوجها إما مطلقا أو مطرودا من المنزل إثر تغير موازين القوة في الأسرة لصالح المرأة، وبالتالي سوء استخدام السلطة من قبلها أحيان ومبالغة الرجال في التطرف والثوران أحيانا أخرى.

فمنذ أن انتهى الصوماليون إلى البلدان الغربية انقلبت الأمور رأسا على عقب بالنسبة إلى الأسر الصومالية؛ فبعد أن كان الأب سيد الأسرة أيام زمان أصبحت الأم الآن صاحبة القول الفصل. وبعد أن كان الرجل ينفق على العائلة ويتصرف بالأموال أصبحت الأم من يستلم الأموال من صناديق الإعانات لأولئك الذين يعيشون على الإعانات المالية من قبل المؤسسات الحكومية على الأقل، وبالتالي أصبح التصرف بالأموال بيدها في كثير من الأحيان، كما أن القوانين في هذه البلدان تقف إلى جانب حقوق المرأة بطريقة لم يتعوذ عليها الرجال الصوماليون من قبل، إضافة إلى أن النساء أصبحن أكثر جرأة من ذي قبل بالمطالبة بحقوقهن من الأزواج.

وبالنظر إلى أن كثيرا من الرجال لا يروق لهم هذا الموقف الجديد يحتدم الصراع بين أفراد الأسر، وينتهي بها المطاف إلى الطلاق عادة مما يكثر من عدد الأمهات اللواتي يربين أطفالهن دون الرجال، وهو ما يطلق عليه الصوماليون اسم “الأم العازبة”.

وحسب صحيفة يوتبوري بوستين[1] السويدية فإن خمسين بالمائة من الأمهات الصوماليات مطلقات أو لا يعشن مع أزواجهن.

 ومن سلبيات هذه الظاهرة أن الأطفال وبخاصة البين منهم يكبرون في جو غيرسليم إذ لا يجدون قدوة حسنة من الذكور لينتهي بهم المطاف إلى التمرد ليس فقط على الأمهات وإنما أيضا على المجتمع ككل وبالتالي يدفعون ثمن تفكك أسرهم طيلة حياتهم.

محنة الأطفال الصوماليين في المدارس

كنتجة للتفكك الأسري وما يترتب عن فقدان الأطفال لأحد أهم أركان الأسرة، ألا وهو الأب عادة، يصبحون عرضة إلى مخاطر كثيرة.

غير أنه قبل أن أتطرق إلى هذه المخاطر أود أن أشير أولا إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يدفعون ثمن تفكك أسرهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ قسم تتفكك أسرهم في سنوات مبكرة من حياتهم، وقسم تتراوح أعمارهم بين السابعة والثانية عشر من عمرهم حين يفقدون أحد أبويهم إما بالطلاق أو بالطرد من المنزل، وقسم ثالث تنهار عائلاتهم وهم في سن المراهقة وبالتحديد بين الثالثة عشر والثامنة عشر من عمرهم.

 فالقسم الأول من هؤلاء الأطفال هم الأسوأ حظا نظرا لما ينتهون إليه أحيانا من إعاقة عقلية تُفرَض عليهم خطأ بحيث يوضعون في مدارس المعاقين ويعاملون معاملة الأطفال القاصرين مما يبطئ من نموهم العقلي ويقضي على مواهبهم الطبيعية في نهاية المطاف.

 ولعل ظاهرة التوحد (أوتيزمautism) المعروفة أيضا بمرض الانعزالية، والتي تعوق من استيعاب المخ للمعلومات وكيفية معالجتها وتؤدي إلى حدوث مشاكل لدى الأطفال في كيفية الاتصال مع الآخرين وكيفية اكتساب المهارات التعليمية والسلوكية والاجتماعية، أو ما يسمى بمرض قصور الإنتباه وفرط الحركة (أي دي أش دي ADHD)، والذي يجعل الأطفال غير قادرين على إتّباع الأوامر أو على السيطرة على تصرفاتهم، – وهو بالذات ما يعاني منه الكثير من الأطفال الصوماليين- تزيد من عمق مشاكل هؤلاء الأطفال، وذلك أنهم يوضعون في خانة المصابين بهذين المرضين رغم أن مشاكلهم مترتبطة ارتباطا وثيقا بظاهرة “الأم العازبة” ويعود سببها إلى عدم إعطاء فرص لهم لتنمية مهاراتهم اللغوية والاجتماعية والسلوكية منذ وقت مبكر من حياتهم.

 ولعل الدراسة التي قامت بها الدكتورة مارغريت أوبوندوا (Margaret Obondo) -الباحثة الكينية السابقة في جامعة استوكهولم والأستاذة في جامعة ميلاردالن السويدية-، تعطي لنا صورة واضحة عن حالة هؤلاء الأطفال وما يجعلهم يتشابهون سلوكيا مع المصابين بالمرضين المذكورين أعلاه.

 ففي دراستها[2] تتحدث الدكتورة أوبوندوا عن طريقتين مختلفتين لتعليم اللغة للأطفال وتنشأتهم اجتماعيا وسلوكيا:
1.طريقة يتعامل الآباء مع الأطفال كأطراف في الحوار متجاذبين معهم الكلام باستمرار وكأنهم متساوون معا من حيث العمر ومن حيث المرتبة. وهذه الطريقة تُعتمد عادة في العالم المتقدم وبخاصة عند الطبقتين العليا والوسطى من المجتمعات الغربية، وهي تمكّن الآباء من تعليم أطفالهم اللغة والمهارات الإجتماعية والسلوكية دون حاجة ماسّة إلى محيط يساهم في تطوير هذه المهارات قبل سن الالتحاق بالمدارس.

2.وطريقة أخرى يتعلم الأطفال اللغة ويكتسبون المهارات السلوكية والإجتماعية عبر مشاهدة الكبار وملاحظة ما يعملون به والاستماع إليهم وطاعتهم دون تجاذب الكلام معهم كأطراف في الحوار إلا إذا كانوا يجيبون على ما يطرح عليهم من أسئلة أو يستجيبون لأوامر أعطيتهم. وعادة ما لا يتجاوز حوار هؤلاء الأطفال مع الكبار بقول :”نعم، سمعا وطاعا، لا، لا أدري” أو ماشابه ذلك. وهذه الطريقة تسود في العالم الثالث وبخاصة في الدول الإفريقية كالصومال، وهي لا تؤدي إلى النمو اللغوي والاجتماعي والسلوكي إلا إذ توفر حول الطفل ما يلزم من النشاط الإجتماعي كأن تتواجد حوله أعدد غفيرة من الأشخاص البالغين باستمرار وأن يجد عددا لا بأس به من الأطفال للّعب معهم لكي ينال من النمو الإدراكي واللغوي ما يتناسب وعمره قبل سنوات الدراسة الأولى.

وهنا تكمن مشكلة الأطفال الصوماليين الذين يعانون من المشاكل السلوكية والاجتماعية واللغوية المذكورة أعلاه.

ومحنتهم هي أن النشاط الإجتماعي الضروري لهم لتنمية مهارتهم على جميع الأصعدة ينعدم حولهم عند ما ينفردن الأمهات بتربية الأطفال. فالأمهات في أحسن الأحوال لا يجدن وقتا كافيا للأطفال بسبب الأعباء المنزلية والمهنية والاجتماعية التي كان الآباء يتقاسمون معهن حين كانت العائلات متماسكة، ثم إن إمكانياتهن لتلبية حاجات بعض الأطفال -وبخاصة البنين منهم- كمرافقتهم إلى المسابح وأماكن الرياضة المختلفة محدودة إما بسبب العادات والتقاليد التي تعيق الأمهات أوبسبب عقبات أخرى كعدم حصولهن على رخصة السياقة أو حتى عدم تمكنهن من اللغة أوخجل بعضهن من التجمعات الرجالية إلخ.

وفي أسوإ الأحوال يعاني هؤلاء الأمهات من إدمان لمخدر القاد -الذي أهلك شعبنا-، وتجرين وراء رجال أذلاء ليشتروا لهن ما يسمي الصوماليون ب “لقن جادا” مقابل توفير مجالس مرفهة لهم ومتعة جنسية في بعض الأحوال، وذلك على حساب رعاية أطفالهن. وقد حدثني أحد المدمنين من الرجال عن إحدى الأمهات المدمنات مادحا إياها بأنه لم ير أطفالها لمدة سنتين كان يجالسها في منزلها برفقة زملاءه مع أنها أمّ لأربع بنات، مما يظهر كيف أنها استطاعت أن تقهر هؤلاء البنات، ليس فقط إلى حد الإسكات وإنما أيضا إلى حد تحديد حركاتهن، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى ضياع نموهن الطبيعي على جميع المستويات.

 هذا وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد عند غالبية الصوماليين في الغرب شبكات إجتماعية من أقارب وأصدقات تساعد في تعويض النقص الحاصل كنتيجة للتفكك الأسري عبر توفير الجو المناسب للتنشأة الاحتماعية للأطفال كما هو الشأن في الصومال حين يفقد الأطفال أحد أعضاء الأسرة لسبب ما.

وهكذا، ولظروف اجتماعية، يأتي التباطأ في النموي اللغوي والاجتماعي والسلوكي عند هؤلاء الأطفال بعيدا عن الأسباب العقلية، وحين يلتحقون بالمدارس في السن السادسة أو السابعة من عمرهم ويكتشف التربويون النقص الكبير في مهاراتهم اللغوية والسلوكية والاجتماعية يفترضون أن ذلك يعود إلى إعاقة عقلية غير مدركين بالظروف المنزلية والثقافية لهؤلاء الأطفال، وبالتالي يعرضونهم على الأخصائيين في علم النفس الذين يقررون بإصابتهم بمرض الانعزالية (أوتيزمautism) وينصحون بوضعهم في مدارس المعاقين أو معاملتهم كقاصرين حسب درجة مرضهم المزعوم، وهو ما يلاحق هؤلاء الأطفال طيلة حياتهم. وكم طفلا موهوبا ضاعت مواهبه بهذه الطريقة؟ يرحم الله الأمهات العازبات.

أما القسم الثاني من الأطفال، أي أولئك الذين يغادر أباؤهم منازلهم بين السابعة والثانية عشر من عمرهم، فيتعرضون إلى جانب كبير من هذه المشاكل غير أن مصيرهم يصبح مختلفا إلى حد ما. فهؤلاء الأطفال لا يعانون عادة من المشاكل اللغوية باعتبار أنهم تجاوزوا مرحلة اكتساب اللغة الأولى قبل انفصال الآباء كما أنه لا يمكن قهرهم إلى حد الإسكات أو تحديدهم في أماكن معينة من المنازل، إلا أن مشاكلهم تكمن في الجوانب السلوكية والاجتماعية، وذلك كنتيجة لعنف يمارس ضدهم من قبل الأمهات المدمنات على وجه الخصوص أو بسبب عدم صرامة الأمهات اللواتي يحاولن اكتساب ثقتهم مما يجعلهم مسيطَرين من قبل الأطفال.

ومن هنا تأتي المشاكل السلوكية والاجتماعية في المدارس عند هؤلاء الأطفال حيث إنهم يحاولون فرض إراداتهم على المعلمات بصفة خاصة، كما يستعملون العنف الجسدي والكلامي في لعبهم مع الأطفال الآخرين وتسوية خلافاتهم معهم كما في منازلهم، وهو ما يعتبر غير مقبول على الإطلاق ويؤدي إلى استشارة الأخصائيين في علم النفس لدراستهم وإيجاد حلول لهم وبالتالي يقع اتهامهم من قبل هؤلاء الأخصائيين بإصابتهم بمرض أي دي أج دي ADHD المذكور أعلاه. ومن هنا يبدأ ضياع مستقبل هؤلاء الأطفال ويتحولون إلى قاصرين يجب التساهل معهم وخفض سقف مطالب المعلمين منهم، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فشلهم في التعليم وبالتالي الانتهاء إلى عالم البطالة والهامشية.

أما القسم الثالث من الأطفال فتقل خطورة محنتهم كلما اقتربوا إلى سن البلوغ قبل افتراق الأزواج، كما تشبه حالتهم حالة القسم الثاني من الأطفال كلما ابتعدوا عن سن الرشد قبل انفردن الأمهات بهم.

و مما يميز هذا الفريق من الأطفال هو أن الأمهات لا تتمكن من تشويه العلاقات بينهم وبين آبائهم كما هو الحال بالنسبة إلى الأطفال الصغار أحيانا، وهو ما يؤدي عادة إلى تخفيف التأثير السلبي لظاهرة الأم العازبة عليهم، وذلك على الرغم من أن هذا لا يحول دون فشلهم في التعليم كبقية الأطفال.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن هذه المشاكل لا تواجه فقط أطفال المطلقات وإنما أيضا عند أطفال العائلات المتماسكة التي ليست لها شبكات اجتماعية من أصدقاء وأقارب يترددون على منازلهم غير أن الخطورة أكبر عند ما ينفرد أحد الآباء بتربية الأطفال سواء كان ذلك الأب أو الأم، كما أن هذا لا ينفي أن بعض الأمهات ينجحن في تربية أطفالهن تربية صالحة إلى حد كبير.

والسؤال المطرح هو إلى أين يؤول مستقبل هؤلاء الأطفال بعد سن الرشد؟

محنة الشباب والمستقبل المجهول

بسبب المشاكل المذكورة أعلاه يقل عدد الشباب الصوماليين الذين يحصلون على شهادات إعدادية متكاملة في بلدان كالسويد عن 25% حسب إسكول فيركت[3]، المؤسسة الحكومية المعنية بالشؤون المدرسة في السويد، كما يتأهل قلة قليلة منهم فقط إلى الدراسات الجامعية مباشرة بعد الثانوية.

ومما يترتب عن فشل هذا الجزء الكبير من الشباب في التعليم هو أن ينتهوا إما إلى عالم الجرائم والمخدارات وبالتالي إلى القتل أو السجون أو أن يقعوا في أيدي الإسلاميين المتشددين وبالتالي في أيدي القاعدة وعالم الإرهاب.

 ولعل قصة عائلة صومالية كندية بُثت محنتها في برنامج (the fifth estate)[4] على قنات سي بي سي نيوز (CBC News) الكندية تصور لنا جانبا كبيرا من مآسي هؤلاء الشباب الفاشلين. فقصة هذه العائلة تتمحور حول ولد مقتول بسبب المخدرات وأخت له تواجه السجن المؤبد أو ما يقارب ذلك في السجون الجاميكية من أجل المخدرات أيضا.

 وخلاصة الحكاية هي أن أمًّا مطلقة كانت تربي أطفالها الخمسة لوحدها إثر افتراق الزوجين بعد هجرتهما إلى كندا في أوئل التسعينات من القرن الماضي حسب البرنامج. وبعد أن بذلت الأم قصارى جهدها لضمان مستقبل أطفالها انتهى بأحد أبناءها المطاف إلى التحاق بالعصابات الإجرامية التي تتجار في المخدرات في مدينة ألبيرتا الكندية، مما أودى بحياته إثر مقتله من قبل هذه العصابات.

كما أنه قد تم خداع أخته من قِبل تاجر مخدرات جاميكي تظاهر بأنه صديق حميم لها مشتريا لها ولصديقتها تذاكر سفر إلى جاميكا كسائحتين، حيث أقامتا هناك مع عائلته لفترة قصيرة. وأثناء مغادرتهما إلى كندا حملتهما العائلة أسماكا تحتوي في داخلها عشرين ك.ج.

 من المخدرات دون علم الفتاتين. وقد تم إلقاء القبض عليهما في المطار الجاميكي بتهمة تجارة المخدرات ويواجهتان الآن بالسجن هناك لسنوات طويلة.

ويبدوا أن سذاجة هاتين الفتاتين، لعدم استعمالهما العقل السليم أثناء توفير التذاكر المجانية لهما وكذلك أثناء موافقتهما لحمل هذه الأسماك معهما إلى كندا، هي التي أوقعتهما في هذا الفخ، وذلك لعدم إدراكمها أنه لا يمكن أن يوفر لهما أحد تذكرة سفر دون أن يكون له هدف ما من وراء ذلك مهما كانت صداقته معهما عميقة وجيدة، كما أنه لا يخفى على عاقل أن من يعيش في كندا ليس بحاجة إلى أسماك مرسلة من جاميكا.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الأطفال الصوماليين الذين ترعرعوا في البلدان الغربية، سواء كانوا ناجحين دراسيا أو فاشلين، يعانون من مثل هذه السذاجة مما يترجم عن خلل في تنشأتهم الإجتماعية.

وهو ما يجعلهم فريسة سهلة ليس فقط لتجار المخدرات والمجرمين المحترفين وإنما أيضا للنشطاء الإسلاميين الذين يحاولون تجنيدهم في صفوفهم.

ولعل من أحدث ما وقع من استغلال لسذاجة هؤلاء الشباب هو ذلك التجنيد الوهمي الذي أوقع بمحمد عثمان محمود[5] في قبضة الأف بي أي (FBI) في أواخر نوفمبر الماضي. وقد تم استدراج هذا الشاب الصومالي الأمريكي، ذوا التاسعة عشر من العمر، من قِبل عملاء لمكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية الأف بي أي في ولاية أوريغون بالولايات المحتدة الأمريكية، وذلك بعد أن لوحظ قابليته للتجنيد في صفوف المتطرفين الإسلاميين إثر إجراءه اتصالات عبر البريد الألكتروني مع مشتبهين إسلاميين في باكستان.

وحسب نيورك تايمز فقد بدأت أف بي أي مراقبة اتصالات محمود الإلكترونية بعد أن أبلغ شخص مجهول عن شكوكه حول هذا الرجل. وقد اكتُشف أنه كان يجري اتصالات مع صديق له في باكستان بهدف الالتحاقه بالجهاديين الإسلاميين هناك، مما دفع بأحد رجال الأف بي أي تقمص شخصية إسلامية متطرفة تساعده في تحقيق أهدافه الجهادية داخل أمريكا. وقد أدت عملية استدراج هذا الشاب إلى اعتقاله وهو متلبس في عملية تفجير سيارة يَعتقد أنها مفخخة وضعها له العميل الإستخباراتي في مكان مزدحم يحتفل فيه الأمريكيون لنصب شجرة عيد الميلاد المسيح عليه السلام.

ومن النتائج الناجمة عن فشل هؤلاء الشباب في التعليم والبطالة التي تنجم عن ذلك فضلا عن صعوبات الاندماج التي تواجههم هو أن يلجأ بعضهم إلى المساجد ويقعوا في أيدي شيوخ متطرفين يفتقرون بأنفسهم إلى معرفة دقيقة لمعاني الإسلام ورسالته المسحة التي تدعوا إلى التعايش السلمي بين مختلف الفئات الإجماعية. وهؤلاء لا يعلمون الشباب إلا الكراهية والغضب ضد المجتمعات التي يعيشون فيها.

ولعل المقال المطول لأندريئا إيليوت (ANDREA ELLIOTT) في نيورك تايمز يعطينا صورة واضحة عن هؤلاء الشباب وما يدفع ببعضهم إلى الانخراط في الحركات الإسلامية المتشددة. ففي معرض حديثه عن الشباب الصومالي الذين التحقوا بحركة شباب المجاهدين في الصومال يروي إيليوت لنا قصة زكريا معروف؛ الرجل الذي يعتقد أنه كان المجنّد الرئيسي للصوماليين الأمريكيين في حركة الشباب المجاهدين، وقد قتل في عام 2009م حسب صحيفة ستار تريبيون(Star Tribune)[6]، وشِروَع أحمد؛ أول انتحاري يحمل الجنسية الأمريكية حسب واشطن بوست. ويذكر لنا إيليوت في هذا الصدد أن شروع أحمد على سبيل المثال كان قد فشل في التعليم قبل أن يُفَجر نفسه في مدينة بوساسو بالصومال، وذلك في 29 أكتوبر 2008م، كما أن زميله زكريا معروف كان أحد أفراد العصابات الإجرامية في شوارع مينسوتا بعد أن فشل هو الآخر في التعليم وقبل أن يمتهن مهنة تجنيد الشباب الأمريكي في حركة شباب المجاهدين في الصومال[7].

وهذا ينطبق أيضا على غالبية الشباب الذين يحاربون في الصومال في صفوف حركة الشباب المجاهدين على ما يبدوا، سواء كانوا أمريكيين صوماليين أو أروبيين من أصول صومالية.

غير أن ما تجدر الإشارة إليه أيضا هو أن القلة القليلة المحظوظة من الشباب، والناجحة في التعليم، والتي يعتقد أن لها مستقبلا طيبا في المهجر قد لا تنجوا أحيانا من الوقوع في فخ الإسلاميين المتشددين، مما يعزز من فرضية الخلل في تربية الأطفال الصوماليين في الغرب. وفي هذا الخصوص نقرأ في صحف واشطن بوست ونيورك تايمز وستار تريبيون أن المجندين الإسلاميين نجحوا إيضا في تجنيد بعض الشباب الصوماليين الناجحين دراسيا ومهنيا في حركة شباب المجاهدين.

ففي نيورك تايمز على سبيل المثال يذكر صاحب المقال المطول المذكور أعلاه، أن أحد الشباب الذين غادروا إلى الصومال للالتحاق بحركة شباب المجاهدين، وهو محمود حسن، كان طالبا في علوم الهندسة، كما أننا نقرأ في صحيفة ستار تريبيون أن عبدالفتاح يوسف عيسى، أحد الشباب الصوماليين الذين تجري محاكمتهم حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية بتهمة الارهاب، كان أيضا يدرس الهندسة في واشطن، مما يعني أن بعض هؤلاء الشباب كان لهم مستقبلا أفضل قبل وقوعهم في فخ هؤلاء المتشددين. ومما يؤسف له في هذا السياق، أنه لا توبة مقبولة في قاموس الغرب، وبخاصة عند الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الانضمام إلى الحركات الإسلامية المتشددة، مما يعني أن الخيارات المفتوحة أمام هؤلاء الشباب هي إما مواصلة القتال في الصومال وزعزت استقراره أو مواجهة التهم بالارهاب وبالتالي الإدانة والسجن المؤبد في البلدان الغربية التي نشأوا فيها، وذلك على الرغم من أنه لم يثبت إلى حد الآن حدث إرهابي واحد تورط فيه الصوماليون خارج الصومال باستثناء ياسين حسن عمر ورمزي محمد؛ الشابان الصوماليان الوحيدان المتهمان بالتآمر مع آخرين لتفجير أنفاق لندن في 21 يوليو 2007م[8].

خلاصة القول

هكذا نخلص إلى القول بأن الصوماليين في الدول الغربية يدفعون ثمن ابتعادهم عن محيطهم الأفريقي، وأن أطفالهم أصبحوا فريسة سهلة لمختلف الجماعات الإجرامية وبائعي المخدرات، كما أن الإسلاميين المتشددين اكتشفوا ضعف هؤلاء الأطفال من حيث التنشأة الاجتماعية وامكانية استغلالهم في المهمات القتالية الأكثر خطورة بما في ذلك العمليات الانتحارية الأكثر وحشية كتلك العملية التي نفذها دنماركي من أصل صومالي، على ما يعتقد، والتي أودت بحياة كوكبة من الطلبة المحتفلين في الثالث من ديسمبر في عام 2009م في فندق شامو، وذلك إثر إكمالهم للسنوات الدراسية الشاقة في كلية الطب في جامعة بنادر بمدينة مقديشو[9].

كما أن ما يعتقد بأنه إعاقة عقلية عند الأطفال الصوماليين بسبب فقدان أو قلة فيتامين د في أجسادهم وبالتالي إصابتهم بمرض الانعزالية أو أج دي أي دي ليس إلا مشكلة إجتماعية يعود سبب إلى الإختلاف الشديد بين طريقة تربية الأطفال عند الصوماليين والبلاد المضيفة لهم.

-- الشاهد الإخبارية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*