الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الثورات ما لها وما عليها

الثورات ما لها وما عليها

منذ فترة غير قصيرة، وخاصة مع تراجع الوزن السياسي للاتحاد السوفياتي راعي فكرة الثورة العالمية على الاستعمار الغربي لمدة طويلة من الزمن، فقدت لفظة الثورة وهجها عند الكثرة من الناس طلائع وجماهير ودعاة تغيير من كل لون وجنس.

فجأة وجدنا الثورة الكلمة السحرية المنتشرة عالمياً تتراجع عند محبّذيها وأعدائها لتتحول الى كلمة باهتة عادية لا تطرب أحداً، ولا تخيف أحداً، بل ولا تلفت ذهن مهتم بالسياسة أو غير مهتم.

انسحبت الكلمة ذات الهيبة عالمياً من التداول وكأنها لم تكن بالأمس القريب والبعيد متداولةً بمناسبة وغير مناسبة.

جاء غيابها كاملاً بل مطلقاً على مستوى العالم الى درجة أن الكلمة فقدت معناها بل وجرسها في آذان الناس في الدول الكبرى والصغرى على حد سواء.

فجأة وبقدرة قادر تعود الثورة الكلمة هذه المرة لتنطلق من الاذاعات والتلفزيونات في لغة أيديولوجية هادفة لم تكن لها من قبل، تروي أن هناك ثورات عربية هذه المرة قائمة، في الوطن العربي كله ومدنه وبلدانه. ما يوحي بأن كلام الناس ليس رواية بل دعوة واقتناع عند كاتب النص بأننا لا نقرأ جيدا واقع بلداننا والمطلوب دراسة جدية للاحتمالات باتجاه التغيير.

في القاهرة، في دمشق، في بيروت، في غيرها من الدول ليس من حديث في وسائل الاعلام إلا عن الثورات.

منذ مدة وأعداد متزايدة من الساسة والمثقفين والقراء العاديين تتابع أخبار ما أُطلق عليه اسم الثورات في العالم العربي، البعض يفعل ذلك من قبيل السلوى، والبعض من قبيل تلبية الفضول الاخباري، والبعض آخذاً بالحكمة القائلة: إن المرء حيث وضع نفسه

ومع أن أحداً على الأغلب من الناس العاديين لم يكن يعرف تماماً عما يتكلم إلا أن الجميع غدا مضطراً الى أن يدعي أنه يعرف، وإلا فهو غير موجود في هذا العالم أو على الأقل غير واعٍ على أهم ما يحدث فيه، وهو الثورات!

كاد كل مواطن تقريباً من كل بلد عربي مضطراً الى أن يدعي أنه يعلم حقيقة هذه الثورات التي يدور حولها الحديث.

إنها هزة عصا والله أعلم داخل العالم العربي تقوم بها السلطة الفلانية ضد السلطة الفلانية، الدولة الفلانية ضد الدولة الفلانية. لماذا؟ من أجل إصلاح الأحوال والله أعلم..

صحيح أن الدول التي ظهرت فيها ظاهرة الثورات أخيراً عربية هذه المرة ومحدودة العدد، ولكن هذه الثورات حسب الوعود لها سوف تعم بالتأكيد وتكسب جدية لما فيه عربياً خير الجميع من غير استثناء!

معظم المقاهي في البلدان العربية معرضة لزحف صور الثورات عليها وكلها يرحب بذلك على أن يكون بعده التغيير نحو الأفضل ، فلا يبقى والله أعلم قصور أو تقصير في أي مكان من أرض العرب.

كلّ الناس ترقب الثورات وكل الناس تصفق للثورات. ولكن لا أحد في الحقيقة يعرف ما وراء هذه الثورات. بل هل هي حقاً ثورات؟!

سكران من غير خمر هو الشعب في كل بلد عربي تعرض حتى الآن أو سيتعرض لظاهرة الثورات.

لا شك في أن الثورات الاستقلالية التي زلزلت موقع الحاكم الاجنبي في معظم البلدان العربية شيء، والثورات التلفزيونية التي تطل هنا وهناك في عالمنا العربي شيء آخر، ولكن مع ذلك فشعوبنا تحبها فلعل ما يبهج فتياننا وشبابنا وشاباتنا اليوم وكأنه مجرد ألاعيب تلفزيونية تومئ من بعيد الى امكانية تغييرات في بلداننا نصبح بها داخل حركة التقدم في العالم لا في الألاعيب التلفزيونية بل في التغيير الجدي نحو الأفضل. ألم يقل لنا ديننا السماوي: كنتم خير أمة أخرجت للناس؟

منذ مدة وأعداد متزايدة من الساسة والمثقفين والقراء العاديين تتابع أخبار ما أُطلق عليه اسم الثورات في العالم العربي، البعض يفعل ذلك من قبيل السلوى، والبعض من قبيل تلبية الفضول الاخباري، والبعض آخذاً بالحكمة القائلة: إن المرء حيث وضع نفسه.

الآن يكاد لا يكون مؤكداً عند عدد غير قليل من الناس إلا شيء واحد هو أن المايسترو المحرك وراء ظاهرة الثورات سواء شخصاً كان أو مؤسسة عامة ليس حيادياً على بعدٍ واحد أو قربٍ واحد من كل الأشخاص أو الجهات أو الوقائع التي يرمي عليها شباكه. قد يكون دافعه سياسياً او مزاجياً أو مصلحياً، وقد لا يكون. ولكنه بلاشك ليس هو بلا مواقف ولا بلا مزاج، ولا هو بلا خيارات! وبلا ميول وحتى مجرد بوصلة. والوعي العربي اقوى من ان يُخدع في اكثر الاوقات.

هكذا فإن ما أسماه الإعلام وغير الإعلام بالثورات قد يكون الأفضل تسميته التجييش الشعبي الوطني أو الفعاليات أو حركات الضغط والتغيير، أو حتى آليات القصف المدفعي وغير المدفعي أحيانا، فالمقصود القوة الانسانية والعسكرية فارضة الذات وميزان القوة على الآخر المطلوب إزاحته، وما سمي بالثورات في ليبيا لا يزيد على حالات استنفار شعبي وسياسي وعسكري أطلق عليها القائد اسم الثورة بل الثورات.

النجاح السياسي او إخلاء الساحة: هكذا تتعامل واشنطن مع قيادات صديقة لها تتعثر في ادارة شؤون أوطانها فكما يتعامل حكم المباراة مع من تتكرر أخطاؤه في لعبة كرة القدم، كذلك تعطي الولايات المتحدة نفسها الحق احيانا في أن تتدخل إزاء بعض أصدقائها مرتكبي الأخطاء في تسيير أمور بلادهم.

طبعاً لا ترى أميركا تصرفها هذا تدخلاً في شؤون الغير. وتروي الروايات انه قد نشأ مرة خلاف حاد بين حزبين سياسيين في بلاد المكسيك في أميركا الجنوبية سالت فيه دماء كثيرة اضطر معها سفير الولايات المتحدة الى التحرك لوقف نار الفتنة بين الفريقين المتخاصمين، ولم يعجب هذا التدخل بطبيعة الحال الفريق الذي كان يتصور أنه الأقرب الى تحقيق النصر، فقام من يسأل السفير والغضب العقائدي يشع من عينيه هل أنت مع فريق اليسار أو اليمين؟ فما كان من السفير متلقي السؤال إلا أن أجاب: أنا لست من اليسار ولا من اليمين أنا من فوق!

هذا الانسحاب الى فوق كان دائماً سر التميز الذي أتقنه في رحلة التحرر بعض الزعماء السوريين واللبنانيين في أثناء المعركة الاستقلالية ضد فرنسا، فقد عرفوا كيف يطرحون أنفسهم لا كممثلي طوائف أو طبقات، ولا كطلاب كراسي في الحكم، بل كزعماء سياسيين أولاً وآخراً، متوجهين الى اللبنانيين كلهم من غير استثناء انطلاقاً من الشارع السياسي الوطني لمدن الساحل الثلاث بيروت وطرابلس وصيدا..

-- الرياض : منـح الصـلح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*