الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دول الخليج تدخلت في البحرين لمنع التدخل الدولي

دول الخليج تدخلت في البحرين لمنع التدخل الدولي

رفعت البحرين حالة الطوارئ، لكن هاجس دول الخليج من إيران لا يزال كبيرا، خصوصا أن التحقيقات قد أثبتت أن يد إيران موجودة بقوة في سوريا، وموجودة بقوة في البحرين. في البحرين، توضحت معالم استراتيجية دول مجلس التعاون الخليجي. وتجدر الإشارة إلى أن تعامل دول المجلس مع أي حركة احتجاجية في دول الجزيرة العربية سواء كانت في البحرين، أو عُمان، أو اليمن، على أنها حركة مشروعة، يجب أن لا يبدأ بالمحور الأمني.

والدليل على ذلك المبادرات التي اقترحتها على الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لنقل السلطة بطريقة تمنع نشوب حرب أهلية في اليمن. أيضا عندما بدأت القلاقل في البحرين، اجتمع وزراء خارجية مجلس التعاون في المنامة وتحدثوا عن الحاجة إلى إصلاح سياسي والبدء بالحوار الوطني. يومها كانت القيادة البحرينية تشعر بالضغط والقلق مع انفتاحها الواسع على قضية الحوار السياسي الوطني (نسفه لاحقا طرف من المعارضة). عندها اجتمعت دول مجلس التعاون الخليجي ثانية وقدمت دعما ماليا بقيمة 10 مليارات دولار للبحرين ومثله لعُمان.

المتظاهرون لم يتوقفوا، بل زاد الزخم لديهم، والمعروف أن الخليجيين يعملون في التجارة الحرة ويراقبون أسعار البورصة، وعندما وجد البحرينيون والخليجيون أن السوق المالية في البحرين بدأت تهبط ثم توقفت، عرفوا أن الحركة المعارضة ليست حركة احتجاجية من قبل سنة وشيعة البحرين كما أشيع، بل هي أبعد من ذلك. لذلك، لوحظ أن الأعضاء المستقلين في البرلمان البحريني، عندما انسحبت «جبهة الوفاق»، هم الذين رجحوا التصويت في البرلمان على فرض حالة الطوارئ، لأن المسألة الاقتصادية كانت مسألة ملحة. وهنا تدخل مجلس التعاون الخليجي عسكريا.

يوضح الدكتور سامي الفرج رئيس «مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية» والمستشار في مجلس التعاون الخليجي، هذا الدور، ويقول: «لنبدأ بالكويت، فهي لا تريد أي التحام، لذلك اختارت أن تكون مهمتها حماية المركز الاستراتيجي، أي الميناء».

في الأساس، دعت الكويت البحرينيين إلى الحوار والمصالحة والاقتداء بالنمط الكويتي، أي نمط التعايش، حيث الحقوق الأساسية مؤمنة للجميع عبر تطور سياسي وصلوا إليه حقيقة في الكويت. فمثلا، تمثيل الشيعة في البرلمان ارتفع من نسبة 4% إلى نسبة 10% وصاروا الآن يمثلون حجمهم الأساسي في المجتمع. لكن عندما رفضت البحرين الحلول السلمية، ورفضت استقبال الوفد الكويتي، وجدت الكويت كدولة أنها يجب أن تطبق الاتفاقية الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي، خاصة أنها كانت الطرف الأول الذي طالب بتطبيق هذه الاتفاقية عام 1990 عندما غزا العراق أرضها.

بالنسبة لدور الإمارات العربية المتحدة، يقول الدكتور الفرج، إنها اختارت أن تحل محل قوات بحرينية (500 عنصر) في ما يتعلق بالأمن الداخلي، فاستطاعت البحرين فرز قواتها الأمنية من مهام اعتيادية ومكتبية لتحل محلها القوات الإماراتية.

أما الدور القطري، فتمثل في إرسال ضباط استطلاع ومراقبين. لكن الدور السعودي كان دورا أمنيا صرفا، وحاول أن يتفادى الالتحام بالمتظاهرين، وإن كان هذا في بعض الحالات بدا غير ممكن. يقول الدكتور الفرج: «يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هاجس السعودية يختلف عن هاجس الدول الثلاث الأخرى؛ فالبحرين قريبة من المنطقة الشرقية، والسعودية تخشى العدوى».

يشرح أكثر فيضيف: «عندما نتكلم عن البحرين، فليس كما نتكلم عن تونس.. البحرين قريبة من راس تنورة، أكبر ميناء تصدير في العالم، قدرته على التصدير تمثل 13 مليون برميل نفط يوميا، وهذا ما يجعل السعودية بلدا مرجحا».

يواصل: «إذا نظرنا إلى البحرين من الساحل السعودي، هناك الإخوة الشيعة في المنطقة الشرقية، وكلهم يعملون في القطاع النفطي. إذا وضعنا البحرين في الوسط، هناك راس تنورة على اليمين، وعلى اليسار مدينة الجبيل، المركز الصناعي الكبير. إذا سرنا مسافة ساعة، نصل إلى أكبر حقل بحري في العالم، السفانية، وإذا أكملنا مسافة ساعة أخرى، ندخل الكويت ونصل إلى أكبر حقل بري في العالم وهو حقل بركان.

إذا اتجهنا مباشرة من البحرين، نصل أيضا إلى حقل بري كبير جدا هو الغوار في السعودية، وإذا كنا في البحرين ونظرنا إلى الساحل السعودي نجد على اليمين السفانية، وبعدها الكويت ومرافئ التصدير الكويتية التي تمثل 3 مليارات دولار. أما إذا اتجهنا شمالا من البحرين، فغير راس تنورة، نجد أكبر مرفأ لتصدير الغاز المسال في العالم، بعد روسيا، في قطر».

بعد هذا الشرح، ندرك أن المسألة ليست مسألة احتجاجات شعبية، ومن حق السعودية ودول الخليج العربية أن تحمي مصالحها، ومصالحها ليست فقط في حماية مراكزها الاستراتيجية؛ وإنما في حماية مسؤولياتها، ومن مسؤولياتها العقود التي تربطها بتزويد الدول بالنفط، وعليها حماية هذه العقود. إنها التزامات استراتيجية، منها: الالتزام مع الصين، دولة نووية، عضو في مجلس الأمن، والالتزام مع الهند، دولة عملاقة نووية، والالتزام مع اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والالتزام مع باكستان.

كيف تحاول إيران أن تؤثر على ذلك؟ يوضح الدكتور الفرج: «عندما تحدد دول الخليج عقودا، وتتغير الأحوال ويعم اللااستقرار المنطقة، ترتفع بوليصات التأمين. من يتحملها؟ نحن. وإذا كنا نصدر للربح، فإن هذا الربح يتقلص».

نمط إيران في التفكير، لا يزال كما كان؛ «أنا أخسر، فليخسروا معي». حدث هذا عام 1986.. قصف صدام حسين الرئيس العراقي الأسبق جزيرة «خرج»، مرفأ التصدير الرئيسي لإيران، فرد الإيرانيون بإطلاق الصواريخ على ناقلات النفط الكويتية والسعودية، وبدأت أزمة حرب الناقلات.

من قضية الخسائر إلى قضية الالتزامات. خسارة الخليج الكبرى أن يفقد نفوذه في العالم ويتجه الآخرون إلى أماكن أكثر استقرارا في أفريقيا، أو المكسيك، أو أميركا الجنوبية، أو ليبيا عندما تستعيد استقرارها، أو الجزائر التي لا تزال تصدر، أو نيجيريا وغرب أفريقيا، فيفقد الخليج زبائن قد لا يعودون.

يقول الدكتور الفرج: «إذا أردنا أن نمارس دورنا، فيجب أن نحمي زبائننا ونحمي أنفسنا من زيادة الأعباء».

يعطي مثلا للمقارنة من زاوية أخرى.. كانت ليبيا تنتج 1.6 مليون برميل نفط يوميا. كان العقيد معمر القذافي يخزن النفط، لم يكن يريد بيع كميات أكثر. النفط الليبي أغلى؛ خفيف، وتعتمد عيه دول أوروبا الشرقية. بدأت المشكلات، فنزل الإنتاج إلى 700 ألف برميل، وظلت المناقشات بين الدول محتدمة، هل يتدخل الحلف الأطلسي، وهل تُفرض منطقة حظر جوي؟ وكان المعارض الرئيسي لكل هذه الإجراءات الولايات المتحدة الأميركية. ظلت فرنسا تضغط ومعها بريطانيا، وظلت أميركا ترفض. هبط الإنتاج إلى 300 ألف برميل ولم تتحرك أميركا.. هبط إلى الصفر، صوتت أميركا على القرار الدولي 1973.

يقول الدكتور الفرج: «تصوري لو يحدث السيناريو نفسه في الخليج، فلن تأتي فقط قوات الأطلسي؛ بل الصين، والهند، وكل دولة شرق الخليج». يضيف: «ما أريد أن أقوله، أن الخطوة الخليجية بالتدخل في البحرين، ربما يمتعض منها الآخرون. نحن أيضا شعرنا بارتباك لأننا لسنا دولا عسكرية، بل نعتمد على القدرات المالية والاقتصادية والدبلوماسية، وقمنا بذلك اضطرارا وخوفا من أن تحتدم المسألة ويحصل تدخل دولي على أساس: (أنتم في الخليج غير قادرين. نحن قادرون). إذا كان 1.6 مليون برميل نفط يومي أوصلوا إلى قرار دولي بالتدخل عسكريا، فماذا بالنسبة لملايين البراميل؟ إنتاج أبوظبي 3 ملايين، والكويت 3 ملايين، والسعودية 13 مليونا؟!».

عندما نتكلم عن نفط الخليج، نتكلم عن شريان حياة للعالم. أما بالنسبة للبحرين، فقد أعاد التدخل الاستقرار للسوق المالية وأظهر النية الجدية لمجلس التعاون الخليجي بأنه قرر أن يحمي نفسه.

-- الشرق الاوسط: هدى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*