الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مع ابن تيمية.. مرة أخرى!

مع ابن تيمية.. مرة أخرى!

أدرك ابن تيمية في زمن مبكر، وقبل أن تدرك أوروبا ومفكروها قيمة التجربة والحس، فوسع من مصادر المعرفة، حتى إنه بالغ في الحسية كمصدر للمعرفة، وجعل التجربة من المصادر المعرفية

في الأسبوع الماضي كتبت (ابن تيمية رائداً للنهضة)، وكنت أظن أن مجرد ذكر فكرة ابن تيمية في انتظام الدليل العقلي والدليل السمعي في الدليل الشرعي كفيل بأن يكون دافعاً إلى انطلاقة حضارية كبرى، وحينما يكون القرآن ومقرراته دافعا ورافدا للنهضة المنشودة، فجاءتني الكثير من الرسائل تطلب التوضيح أكثر حول إسهامات ابن تيمية في النهضة، وكيف جعلت منه رائداً لها، وما هو مفهوم النهضة التي أتحدث عنه؟

وحتى نكون على بينة من هذا، فإن المتابع للحراك الفكري البشري يجد أن ابن تيمية عاش في مرحلة تعد نقلة في الفكر الإنساني من التعلق الكبير في الفضاء الفلسفي بالمنطق الصوري الأرسطو طاليسي، والذي يعلي من شأن العقل باعتباره مصدرا للمعرفة الإنسانية.

ويغرق في التصور التجريدي للعقلانية، ويضخم من منطق أرسطو في أهميته كمعيار للعلوم وطريق موصل إلى التصديقات والتصورات عبر حدوده ومسائله، إلا أن ابن تيمية جاء لينقضّ على معيارية المنطق الأرسطو طاليسي وينقضه، ويبين عوار حصر المعرفة الإنسانية فيه، بل ويرى أنه منطق لا ينتفع منه البليد ولا يحتاجه الذكي، ويصفه بأنه “كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سمين فينتقى، ولا سهل فيرتقى”.

ولم يكن كلام ابن تيمية رحمه الله عن المنطق كلام الإنشاء التعميمي، بل كلام المحقق العارف الذي وقف مع مسائله وقوانينه وقواعده، مستخدما في هذا النقض مقررات القرآن والشريعة، ومسلمات العقل البشري، وبهذا ينقل الفكر الإنساني من التعلق بالمنطق الأرسطي الصوري والذي فتن فيه أئمة كبار وجعلوه معيارا للعلم كما فعل الإمام الحجة أبو حامد الغزالي رحمه الله، إلى أن يجعل المنطلق في تلمس المعرفة واكتشاف سنن الكون كامنة في كتاب الله تعالى الذي أرسى قواعد المعرفة الإنسانية!

 حسنا.. كيف يمكن لنقض المنطق الأرسطي أن يكون انطلاقة نهضوية في التفكير الإنساني؟ لقد كانت المشكلة التي واجهها الفكر الإنساني هي في تعلقه بالمنطق الصوري، الذي لا أثر له في الواقع، وجعل المقدمات العقلية حاكمة على سلامة النتائج دون أن يدرك العقلانيون قيمة فحص المقدمات والتأكد منها لغياب الحس والتجربة عن المصدرية المعرفية.

فكان أرسطو مثلا يرى مركزية الأرض في الكون بناء على انجذاب النيازك والشهب إليها، ثم جعل النتيجة للمقدمة مركزية الأرض باعتبار أن الصغير ينجذب إلى الكبير، ولأن أرسطو لم يفحص المقدمة جيدا جاءت نتائجه خاطئة، فبمجرد اكتشاف الجاذبية علم أن مقدمة أرسطو خاطئة، وعليه فنتائجه خاطئة كذلك، وقس على هذا الكثير من مقررات المنطق الأرسطي، وليس هذا تقريراً لخطأ كل المقدمات العقلية أبدا بل المشكلة الكبرى هي في معيارية المنطق وحصر المعرفة فيه، ومن ثم جعله الطريق الموصل إلى التصورات والتصديقات.

لقد أدرك ابن تيمية في زمن مبكر، وقبل أن تدرك أوروبا ومفكروها قيمة التجربة والحس، فوسع من مصادر المعرفة، حتى إنه بالغ في الحسية كمصدر للمعرفة، وجعل التجربة من المصادر المعرفية، بل وقلل من أهمية المنطق الصوري في وصول الإنسان إلى التصورات والتصديقات.

فجعل الفطرة والبديهة والمسائل القبلية تقرر للإنسان قضايا لا يحتاج أن يصل إليها لركوب المنطق، وكل ذلك أصله من نظرة القرآن ومقرراته للأدلة العقلية التي تجعل السمع والبصر والفؤاد طريقا لمعرفة الكون وأسراره وتجلياته، بل ونقض أهمية الحد المنطقي من ثمانية وعشرين وجها كما في كتابه نقض المنطق، وبهذا يفتح الطريق أمام المعرفة الإنسانية لتعزيز أهمية التجربة والحس في الوصول إلى المعارف.

 قد لا يدرك الإنسان للوهلة الأولى قيمة أن تكون الحواس والتجربة من مصادر المعرفة، وأن الإنسان باستخدامه لحواسه قد يعرف الكثير ويتعلم المزيد، ولكن بالرجوع إلى التراكم المعرفي الإنساني يدرك ما لهذا التقرير من قيمة كبرى في الوصول إلى النهضة.

فإن الغرب لم يدخل في عصر النهضة والتقنية والتقدم الحضاري إلا حين كسر المنطق الصوري، وتوجه إلى المنهج التجريبي، وإن كان هذا قد أغرقهم في المادية التي ارتكسوا فيها فسلبت منهم جزءا من إنسانيتهم، إلا أنهم حققوا منها تقدما مشهودا لا يماري فيه عاقل، وقد كان أبو العقلانية الغربية ” ديكارت ” الذي أعاد قيمة الفكر، وفحص المقدمات العقلية حلقة مهمة في تدشين عصر النهضة في أوروبا.

إلا أن النهضة الحقيقة جاءت مع فرانسيس بيكون الذي أدخل النظريات إلى المعامل، وبدأ العصر التجريبي يغزو أوروبا، مستفيدا من أستاذه روجر بيكون، وهؤلاء جميعا قد سبقهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بثلاثة قرون، بل إن الدراسات تشير إلى استفادة ديكارت من ابن تيمية وكذا روجر بيكون باعتبار وصول التراث الإسلامي إلى أوروبا من طريق مركز الإشعاع الحضاري في الأندلس، وهذا الأمر ذكره السيد الطبطبائي في كتابه أثر العلماء المسلمين في الفكر اليوناني.

فكان لابن تيمية أسبقية النقض والموقف النقدي العميق لفكرة أرسطو التي كبلت العقول مئات السنين، وقبل المسلمون هذا المنطق على عواهنه، بل ووقعوا في حمئته حتى جاء العقل الفذ الفريد ليقدم للإنسانية أنموذجا رائعا في الدراسة المعرفية الجادة، وتصديه لأفكار طغت وتجذرت في الوعي الإنساني، فامتلك زمام المعرفة مع الشجاعة المشهودة.

إن التخلف الذي لحق عصر ابن تيمية هو الذي قطع الطريق على المسلمين في أن يستفيدوا من مقررات المنهج الحسي والتجريبي الذي رسخه ابن تيمية، فالمذهبية المتعصبة، والخلافات الطائفية، والتشاحن السياسي، وكسر الرموز الكبيرة والتآلب عليها في زمنه ساهمت في إخفاء هذا التراث العظيم، وكذلك تقزيم القراءة لابن تيمية وحصره في مسائل معدودة، هو الذي أخر المسلمين عن تكميل الحلقة المعرفية التي ابتدأها ابن تيمية رحمه الله.

ولقد كان النبوغ الحقيقي يكمن في النظرة المتوازنة التي تعلي من قيمة العقل الإنساني، والإدراك البشري، مع صفائية أخلاقية ودينية، وتوجيه الناس إلى الخالق العظيم، وحل المعضلات الفلسفية التي تدور حول النشأة والمبدأ والسيرورة والمعاد، وهي القضايا التي شكلت عبث العقول.

وغياب القيمة من الحياة، والعدمية الارتكاسية التي شوهت الإنسانية، والتفسخ الأخلاقي الذي هو نتيجة رفض دعوة الأنبياء، إضافة إلى منهجية وحدوية كانت هي خلاصة فكر هذا العالم الفذ، فقد قال تلميذ ابن تيمية عمر بن علي البزار: (حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في أقاويل المتكلمين؛ لإصابة الثواب وتمييز القشر من اللباب أن كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم وأنه لم يستقر في قلبه منها قول ولم يبن له من مضمونها حق بل رآها كلها موقعة في الحيرة والتضليل وجلها ممعن بتكلف الأدلة والتعليل وأنه كان خائفا على نفسه من الوقوع بسببها في التشكيك والتعطيل حتى منّ الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام أحمد ابن تيمية شيخ الإسلام وما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام فما هو إلا أن وقف عليها وفهمها فرآها موافقة للعقل السليم وعلمها حتى انجلى ما كان قد غشيه من أقوال المتكلمين من الظلام وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر بالمرام.

ومن أراد اختبار صحة ما قلته فليقف بعين الإنصاف العرية عن الحسد والانحراف إن شاء على مختصراته في هذا الشأن، كـ”شرح الأصبهانية” ونحوها، وإن شاء على مطولاته؛ كـ”تخليص التلبيس من تأسيس التقديس” و”الموافقة بين العقل والنقل” و “منهاج الاستقامة والاعتدال”؛ فإنه والله يظفر بالحق والبيان ويستمسك بأوضح برهان ويزن حينئذ في ذلك بأصح ميزان.) أ.هـ

-- الوطن أونلاين: بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*