الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » "الإنترنت" سلاح يهدد شبكات الفساد

"الإنترنت" سلاح يهدد شبكات الفساد

هذه “السطوة” والقدرة على نقل المعلومات والصور وسرعة التواصل جعلت من الإنترنت “سلاحا” مرنا في أيدي المتعاركين على “مسرح الحياة” الكبير. غيرت، بصورة مدهشة، موازين القوة، فقوي بها الضعفاء وضعف بها الأقوياء

“الإنترنت” ولدت في معامل الجيش وعملت “جندياً” سرياً في منظومة القوة الحربية.. كانت تتخفى عن الحياة المدنية ولا تنشغل بهمومها ووظائفها لأنها كانت “قناة سرية” تضمن سرعة الوصول والربط بين المعلومات الخادمة للصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة.

لكن هذا “الجندي” الخفي الذي تولى مسؤولية نقل الرسائل السرية ما لبث أن تطلع إلى الحياة المدنية ورغب في معرفة تفاصيلها الصغيرة ومشاغباتها المتكررة وشغفها بكشف الأسرار.. وما لبث هذا “العميل السري” أن تسلل إلى الإعلام والاقتصاد والعلوم فإذا به بعد سنوات قليلة، الإعلامي المحترف والاقتصادي الماهر والمحاسب الذكي والباحث المتابع والمحلل المطلع على محركات الاقتصاد ومراكز التأثير.

هذا الجندي الآتي من ثكنات الجيش المرهق بقوانين السرية وصرامة الانضباط عشق الحياة المدنية وافتتن ببساطتها و”علانيتها” وتفاصيلها الصغيرة فإذا به مشاغب بين يدي المراهقين الأغرار والحسان الغواني والمتصابين اللاعبين، فأصبح لعبة مسلية تنقل عبث هؤلاء ودلال أولئك وسفه المراهقة المتأخرة تلك..

فسدت أخلاق “الجندي السري” واضطرب انضباطه فأمسى مغرماً بالفضائح شغوفا بالتسلل إلى المخادع السرية والتلصص على الأبواب الموصدة، يدس أنفه في جيوب الأثرياء يقرأ أرصدتهم ويتتبع منابعها ومجاري تدفقاتها.

وأصبحت هذه الشبكة “غابة” يلتقي في مستنقعاتها وأوديتها المختلفون والمتفقون، المتناقضون والمتشابهون، الأصدقاء والأعداء، الصادقون والأفاقون، أرباب السياسة وأهل المال، تجار المبادئ والأفكار وخبراء الأسهم والاستثمار، كل يستخدمها لأغراضه، ويستفيد منها لأهدافه، فهي تغري الجميع بقدرتها على تلبية حاجاتهم من خلال برامجها المتطورة وحلولها المبتكرة الحاضرة.

لكن أخطر ما في هذه “الغابة” أن أغصانها الممتدة في جميع أنحاء العالم وجذورها المتشعبة المتغلغلة في شرايين الحياة المعاصرة وأوراقها المتراكمة لديها القدرة على “حفظ” أسرار داخليها كما تملك الشجاعة والجرأة على كشف “مستورات” الجميع حين يستخدمها من يملك مفاتيح أسرارها ضد الآخرين لابتزازهم أو تسخيرهم أو إذلالهم.

وهذه “السطوة” والقدرة على نقل المعلومات والصور وسرعة التواصل جعلت من الإنترنت “سلاحا” مرنا في أيدي المتعاركين على “مسرح الحياة” الكبير. غيرت، بصورة مدهشة، موازين القوة، فقوي بها الضعفاء وضعف بها الأقوياء.

وما لعبته الإنترنت على الساحة العربية، منذ “ثورة الياسمين” في تونس وحتى آخر صور رقص “البواسل” على أجساد النساء في سورية يؤكد خطورة هذه الشبكة التي يمكن أن يقع في حبائلها كل الخاطئين الذين غابت ضمائرهم وغلبتهم شهواتهم على إذلال الناس وسلب حقوقهم، فلم يعد الطغاة ووسائل تعذيبهم بمنجاة من الكشف عن التفاصيل المخزية التي يقترفونها ولم يعد سراق المال العام واللاعبون على الحبال يأمنون على أن خططهم ودسائسهم في الجلسات الخاصة ضد أصدقائهم وأولياء نعمتهم في مأمن.

الجميع مهددون بكشف العورات وفضح الخيانات وتعرية الأكاذيب وبث خفايا ما كان يظن أنه أسرار تدفن مع أصحابها.

 في الربع الأخير من عام 2010م شهد العالم “ثورة” ويكيليكس ورفع الغطاء عن “وحل” فساد الحياة السياسية في الكثير من أنحاء العالم، وقرأ الناس وشاهدوا عورات السياسة وانعدام أخلاقها ووجدوا شواهد على هواجسهم وتحليلاتهم على فساد الأنظمة وتورط القادة في العمل ضد مصالح أوطانهم وشعوبهم..

ووجدت أكبر دول العالم نفسها في “العراء” عارية من ثوب القيم تجاه أصدقائها واضطربت جوانح الكثير من قادة الدول التابعة لها والدائرة في فلكها إذ أدخل “ويكيليكس” نفسه في دواليب السياسة واطلع على “الملابس الداخلية” للكثير من الضمائر وفتح همس الغرف المغلقة. ومنذ ذلك الوقت والعالم تجتاحه حالة من الشك والريبة بين الدول.. كل يتوقع أن تفتح صفحته وينشر كتاب فضائحه ليقرأها الناس فلا يبقى من ورق التوت ما يستر خفاياه. وإذا كانت “الإنترنت” وبناتها “الفيس بوك” و”التويتر” وما سيتفاعل من أحفادها أحدث رعباً في عضلات وحش الفساد فإن الشبكة أضافت “بروتينات” إلى جسد النقاء وبراءة الذمة..

ويستطيع الذين يحاربون الفساد أن يستثمروا سرعة هذه الشبكة لتبادل المعلومات ورفع وتيرتها وملاحقة المفسدين في كل مكان..

وهناك جانب مفيد في هذا السياق هو زيادة “شهوة” الناشطين في الشبكة لضخ المعلومات مما دفع بعض “مواطن السر” إلى التقدم خطوات إلى الأمام لمجاراة هذا الاتجاه خروجاً من دائرة الاتهام إلى شرف المبادرة.

قبل فترة قرأنا أن سويسرا أعلنت عن أرصدة كبار الأثرياء العرب المتعاملين في مصارفها وأوردت الأرصدة بالأرقام فإذا بعض الذين كانوا “يتبجحون” بالنقاء ومحاربة الفساد وتوجيه النقد إلى الملوثين هم أنفسهم لم يسلموا من شبهة اختلاس المال العام لأن أرصدة مئات الملايين من الدولارات المسجلة بأسمائهم تضع علامات الاستفهام على مصادر ثروتهم، إذ يتعذر أن تكون من “فائض” رواتبهم مهما كان حجمها أو حجم الهبات التي تلقوها..

وبعيدا عن “تتبع” الفضائح وملاحقة الملوثين وقصد التشهير بهم: هل يمكن أن تكون “الإنترنت” وما تقدمه من خدمة التواصل بين شرائح المجتمع وسيلة فعالة في محاربة الفساد وملاحقة أهله وتوفير المعلومات المساعدة على الوقاية وحفظ المال العام بدلا من وسائل الرقابة التقليدية التي كانت، في أحسن أحوالها، تلاحق مظاهر الفساد بعد وقوعه؟.

كيف يمكن أن تكون مؤسسات المجتمع المدني من خلال وسائل التواصل الاجتماعي “ذراعا” لأجهزة الرقابة الرسمية تساند أعمالها وتقدم المعلومة الدقيقة الموثقة في الوقت والشكل المناسبين؟. أعتقد أن “الإعلام الحديث” لم يستثمر في مجتمعنا، حتى الآن، بحيث توجد علاقة “صحية” بين أجهزة الدولة والناشطين الاجتماعيين ويوظف النظرة الإيجابية بدلا من روح “الشكوك” الناتجة عن سوء الفهم.

-- الوطن أونلاين : محمد المختار الفال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*