الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تأملات في الثورة العربية

تأملات في الثورة العربية

حدوث الثورة في الدول العربية يجعلنا نعيد النظر في العامل الثقافي المتعلق بتطور الديمقراطية في المجتمعات. الباحثون الغربيون يركزون على ثقافة المجتمع عند شرحهم لتطور مفهوم الديمقراطية في المجتمعات العربية.

اذ يرى الباحثون أن البنية الثقافية للمجتمعات العربية تقوض أي بذرة للديمقراطية. فهي مجتمعات (جمعية) قائمة على الانصياع والمركزية واللاعقلانية وتعادي القيم والحرية الفردية. ولكن ما حدث ربما يجعلنا نعيد التفكير كثيرا.

لعل أكبر خطأ يرتكبه الباحث وربما الانسان العادي بأن ينظر الى قيم وثقافة المجتمعات بأنها سكونية وجامدة..

والواقع يقول لنا خلاف ذلك وما هو غير معقول اليوم قد يصبح معقولا وواقعا بالغد..ولكن مهلا المسألة ليست سحرا أو صدفة..

هي عوامل متعددة وتغيرات تراكمية لا نشعر بها…ولكننا لا بد أن نتجاوز مرحلة التفكير الطفولي هنا، فعدم ادراكنا لوجود الشيء ليس مبررا لنا لإنكار وجوده!!.

لا شك أن هناك دورا ينتظر المشتغلين بعلم الاجتماع والانثربولوجيا وعلم النفس والسياسة، فالمساعدة على قراءة وتفسير ما حدث..لا نريد أن يسبقنا الآخرون في العالم المتقدم!! ما يحدث الآن في الدول العربية يشكل منطقة بحثية ذات غنى ومغرية لكل باحث..

وقبل ان نرمي الباحثين بالكسل والركود العلمي لا بد أن نتنبه لظروف تحقق هذا النشاط البحثي المأمول.

يجب أن تتوفر للباحث حرية البحث العلمي بكامل شروطها.

ومرونة التفكير بداية بالجامعة والمراكز البحثية حتى نصل الى أعلى السلطات في المجتمع.

وعندما أقول إن هناك دوراً فليس هذا من قبيل الترف العلمي بل هذا الدور مهم وخطير.

وسأضرب مثالا بما سمي مشروع كامليوت Camelotعام 1946وهوعبارة عن لجنة تشكلت من الباحثين في علوم النفس والاجتماع أمثال لويس كوزر وجيس برنار ومن العسكريين كذلك.

وكان هدفها التخطيط لإجهاض الحركات الثورية في كوبا وتشيلي.

كما صرح أحد الباحثين وهو لوسيان باي بأن بحثه “جذور العصيان وحركات التحرر” هدفه كان مساعدة الحكومات على التعامل مع الثوار والمتمردين.

طبعا هنا ثار جدل واسع- وليس تفصيله الآن- حول أخلاقيات العلم والبحث العلمي ومدى تورط وارتباط البحث في العلوم الإنسانية بالقوى السياسية والعسكرية.

ولكن الفكرة هنا مدى الدور الحيوي والمغيب للأسف الذي يلعبه البحث في العلوم الاجتماعية في مثل هكذا تغيرات تعيشها المجتمعات العربية.

من اللافت أيضا أنه بعد الثورة ستعاد قراءة كثير من المفاهيم.

من قبيل مفهوم الأزمة ومشكلة التخلف في العالم العربي..الخ.

كنا نملأ الخانة الفارغة التي تسبق كلمة الحل بكلمات شتى. الدين هو الحل..

المجتمع المدني هو الحل الخ.

بالنسبة للدين لم يكن له ولا للمنتمين للأحزاب الإسلامية دور كبير في الثورة كما يرى المحللون. وهذا يجعلنا نعيد النظر في التبشير الذي كانت ولازالت تقوم به الأحزاب الإسلامية في الدول العربية بأن على يديها سيكون الإخلاص والإصلاح.

لقد اتكأت هذه الأحزاب طويلا على مقولة (مثالية النموذج”الاسلام”وخلل التطبيق على أيدي الأفراد).

وهذا سيثير جدلا خصبا في علاقة الحركات الدينية بالثورة الآن وبالمجتمع.

وهل ستغير أجندتها..

هناك حركات وأنظمة دينية تعزز الابداع والابتكار وتمضي قدماً لتحقيق مفهوم(الاستخلاف في الأرض) كما أراده الله.

وأخرى تكبل العقل وتحجره ولديها خلل في ترتيب الأولويات.

أتذكر حادثة طريفة وقعت في ميدان التحرير؛ أثناء الاعتصام والمظاهرة..

أحدهم تحدث مع امرأة عن حجابها وشدد على أهميته فقالت حسنا أنا مستعدة لنقاش موضوع حجابي ولكن دعني أناقش معك بطالتي وفقري أولا!!.

هناك سؤال حاسم ومهم ويقلقني كثيرا..

وهو الثورة العربية التي حدثت ضد ماذا؟!

الاجابة ربما أسهل ما تكون وهي أن الثورة حدثت ضد أنظمة قمعية..شمولية..

ظالمة ولك أن تضع قائمة بصفات طويلة!!.

إذن الثورة وقعت بسبب واقع مادي محسوس..

فلا وظائف مثلا ..

لا نظاما صحيا جيدا..

لا مدارس جيدة..

فروق طبقية هائلة..

طبقات تتضخم ثرواتها وطبقات مسحوقة الخ..

ولكن هل الثورة طالت المنظومة المعرفية أو الاجتماعية والثقافية الذهنية التي أفرزت هذه الظروف القهرية!! أعتقد أن الاجابة لا!!.

لنعد للثورة الفرنسية وغيرها من الثورات الغربية تحديدا..

كانت ثورة ليست على واقع محسوس وإنما أيضا على الإنغلاقات الذهنية وقيود العقل.

إذن الثورة هنا شملت ما يحرك الفرد وهو الفكر..

وبالتالي ضمنت تدفق الفعل واستمراريته..

والنهضة والحداثة الغربية لو تأملناها قليلا فإنها تعود أيضا للثورات الفكرية والهزات الحقيقة التي حدثت في البنى المعرفية لأفراد تلك المجتمعات لا التغيرات في الواقع البائس فقط.

ختاما بالنسبة لي أزمة العربي- في جزء منها على أقل تقدير- أزمة فكرية بالأساس..

أزمة انسان..

وأزمة فعل حضاري..

أزمة فردية ُمهددة..

وعقل مكبل وحس أخلاقي غائب.

لا أنسى ما أوردته محطة “السي.ان.ان”.

إن هناك حدثا غير مسبوق في نظر المراقبين. فبعد رحيل الرئيس المصري..خرج الشعب لتنظيف الشارع..

عندها علق مذيع “السي.ان.ان”:( لأول مرة في التاريخ نرى شعبا يقوم بثورة ثم ينظف الشوارع بعدها) وكم أتمنى أن يترافق مع هذا التطهير المادي.. تنقية وتطهير فكري للعقل العربي!!.

* قسم علم النفس”علم نفس اجتماعي”/ جامعة الملك سعود

-- الرياض: منى محمد الشدي*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*