الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السلفية المصرية وخلط في المفاهيم

السلفية المصرية وخلط في المفاهيم

يخلط الكثير من المثقفين والكتاب اليوم بين التيارات السلفية المختلفة، فتراهم ينزلونهم كلهم منزلة واحدة، وهذا الخلط لا أعتقد أن له مبررًا في عصر السماوات المفتوحة، فلا نستطيع أن نعذر كاتبًا مثل عبد الرحمن يوسف القرضاوي مثلاً لخلطه الواضح بين التيارات السلفية المختلفة؛ إن لم يكن بسبب انتشار المعلومة، وإن لم يكن بسبب توضيح السلفيين لأنفسهم في أكثر من محفل، فلأن والده على الأقل شيخ جليل يعلم الغث من السمين، ويستطيع أن يوضح له الفروقات ما بين التيارات السلفية المختلفة المتواجدة على الساحة المصرية.
 
فمعظم هذا التيار من الصحفيين والكتاب يرى السلفيين كلهم على أنهم ممن كانوا يحابون النظام السابق وأنهم كانوا فرعًا لأمن الدولة المنحل في مصر، وأنهم كانوا يحرمون التظاهر ويجرمونه، وكتب عبد الرحمن يوسف في اليوم السابع مقالين يهاجم فيهما التيار السلفي ويطالبهم بالاعتذار عن مواقفهم قبل الثورة، ولا يعلم أن التيارات السلفية ليست كيانًا واحدًا، ولا يعلم أن السجون المصرية كانت تأوي عشرات الآلاف منهم ممن عارضوا النظام السابق، وأن أمن الدولة المنحل كان يشن غارات ليلية بصفة دورية عليهم من أجل أن يفكك عرى تنظيمهم ومن أجل أن يبقيهم جماعات منفصلة بدون هيكلية أو تنظيم هرمي أو أي نوع من التنسيق، وأن تيارات إصلاحية كثيرة منهم عارضت النظام وانتقدته، بل إن كثيرًا منهم انشق على الدولة المصرية ورفع السلاح في وجهها، وهؤلاء أيضًا خرجوا من رحم الحركة السلفية وكانوا منتسبين إليها، وقد راجعوا أفكارهم بعد ذلك وتراجعوا عن العنف واستخدامه ضد الدولة.
 
والمشكلة الأساسية في ذلك الفهم من أولئك الكتاب كان ممارسات النظام السابق الذي أراد تصوير السلفيين في صورة الموالين لحكم مبارك، وكان يظهر رموزهم في وسائل الإعلام المختلفة، ويستكتب أقطابهم في الصحف الحكومية الصفراء آنذاك، وحتى في البرامج الحوارية لمواجهة الصوفية أو غيرها ويبرزون رموز هذا التيار الذي لا شعبية تذكر له في المجمل، واستمر ذلك في مرحلة ما بعد الثورة لترسيخ تلك الصورة الذهنية عن الحركة السلفية، فكانت الصحف والبرامج الحوارية ذات التوجه المعادي للإسلاميين تظهر هؤلاء الرموز من أجل انسحاب تلك الصورة على كل سلفي أو ملتحي بصورة عامة من أجل تشويه صورتهم فيما يبدو وإقصائهم مبكرًا من المشهد السياسي.
 
والذي لا يعلمه عبد الرحمن يوسف وأقرانه من الكتاب هو أن الحركات التي لم تظهر عداءً واضحًا للنظام كانت ترى أن العمل في الدعوة والتربية هو الخيار الأمثل للإطاحة بهذا النظام الفاسد الظالم، وكانت وسليتهم في ذلك هي المساجد ومواقع الإنترنت وأشرطة الكاسيت والقنوات الفضائية لاحقًا وكل ما تقع عليه أيديهم من أجل تكثير سواد الإسلاميين.

ومن أجل تقوية القاعدة الأساسية لهرم التيار الإسلامي، في حين كانت تعمل جماعات أخرى مثل الأخوان المسلمين على تقوية الهرم من قمته بالدخول في النقابات والأحزاب والمؤسسات الرسمية في الدولة، من أجل العمل على تقوية الجبهة الإسلامية بصورة عامة، وقد التقت قمة الهرم مع قاعدته في ميدان التحرير، بالإضافة إلى الطبقة المتوسطة العامة التي شكلت الجسم الأوسط لذلك الهرم وسواده الأعظم، وهي جموع المصريين الشرفاء بالإضافة إلى الطبقة التي ربتها أيضًا رموز إسلامية خرجت من رحم الحركة الإسلامية الإصلاحية في مجملها، مثل تيار عمرو خالد من الشباب والذي استطاع أن يجيش بدوره فئة لم يستطع أي من الفصيلين الآخرين ـ الأخوان والسلفيون ـ أن يجيشوها، فالتقت الطبقات الثلاثة في ميدان التحرير وفي ميادين عواصم المحافظات في جمعة الغضب للإطاحة بهذا النظام.

وكان ديدن المشهد العام في كل مدن مصر هو هؤلاء الساجدون في أوقات الصلوات، الثابتون أمام جيوش البلطجية، والشهداء الذين كانوا درة تاج تلك الثورة المباركة، الذين كان كثيرًا منهم من أبناء الحركة الإسلامية بما فيهم من التيار السلفي الذين قضوا نحبهم إلى جانب إخوانهم من كافة أطياف المجتمع المصري.
 
إن دور الحركة الإسلامية في تلك الثورة المصرية العظيمة كان واضحًا للعيان، ولا يستطيع عبد الرحمن يوسف أو غيره أن يتجاهلوا المد السلفي الذي استطاع شيوخ السلفية أن يحققوه من خلال الفضائيات وغيرها، وأدى ذلك الانتشار المجتمعي للسلفية إلى خلق حالة ـ قد تكون غير مرئية لعبد الرحمن يوسف وغيره ـ من الرفض والشجب للأوضاع الحالية.

 وكان البياض الناصع الذي يظهره شيوخ الدعوة السلفية في برامجهم يظهر مدى بشاعة وسواد الأوضاع السابقة، وهذا أدى إلى مزاج عام من الاعتراض على الأوضاع في اللاشعور الجمعي للمنتسبين للحركات الإسلامية بكافة طوائفها، وكذلك بين طوائف الشعب التي اجتذبها الخطاب السلفي من تلك الفضائيات التي برغم ضعف إمكاناتها إلا أنها حققت نسبة عالية من المشاهدة، مما أدى إلى تمهيد الساحة للرفض لذلك النظام البائد، وكما وضع الأخوان وحركات المجتمع المدني لبنات في جدار الثورة، فإن الحركة السلفية وضعت لبناتها هي أيضًا، بالرغم من أنها كانت بصورة غير مباشرة، فلم يستطيعوا في ذلك الوقت أن يعلنوا رفضهم للأوضاع أو انتقادهم للحكام لأسباب يعلمها الجميع.
 
فإذا كان للأخوان صحف وقادة وبرلمانيون وإعلاميون يدافعون عنهم، وإذا كان لليبراليين واليسارين والقوميين وحركات كفاية وغيرها من يدافع عنهم في وسائل الإعلام وحتى من جماعات حقوق الإنسان المحلية والدولية بل وأيضًا حكومات الدول الغربية، فإن السلفيين كان لا بواكي لهم في العصر البائد، وكان يُنكّل بهم في السجون في صمت، وحادثة سيد بلال تكشف عن ذلك، فلا يعلم عبد الرحمن يوسف وغيره أولئك الشباب الصغار الذين قضوا عشرات السنوات في سجون مبارك وخرجوا شيوخًا، فقط لأنهم كانوا يقولون ربي الله، وإذا كان النظام لا يخشاهم وهم موالون له فلماذا سجنهم؟! فقد كان النظام يعلم أنهم يمثلون خطرًا كبيرًا على بقائه، فحتى محفظي القرآن كانوا يمثلون خطرًا على بقاء نظام مبارك، لأنهم كانوا في صمت ينشئون أجيالاً من المصلين وحملة القرآن الذين سيصبحون بالضرورة تيارًا معارضًا وقنبلة موقوتة تنفجر في المستقبل، وهذا بالفعل ما حدث في ثورة 25 يناير.
 
فالثوار الساجدون في ميادين المحافظات تأثروا ولا ريب بتلك الأطياف المختلفة من الحركة الإسلامية، بما فيها الحركة السلفية التي كان لها قوة ناعمة غير مرئية في المجتمع المصري، وانتشر الحجاب ومظاهر التدين ـ التي كانت تزعج الكثيرين ـ ، وبدأت حملات ممنهجة من النظام السابق على السلفيين كان حظر النقاب في الواجهة منها.

وما كان هذا إلا استشعارًا من النظام البائد لخطورة وقوة تأثيرهم في الشارع المصري، فالتأثير المجتمعي لا يشترط أن يكون ظاهرًا بلافتات معارضة للنظام، فاللحية في شوارع القاهرة كانت بمثابة إعلان متحرك عن الثورة على الأوضاع السابقة، وكانت استراتيجية السلفيين بصورة عامة هي التربية والدعوة وتوطيد دعائم القاعدة الواسعة التي تقوم بالتغيير بعد ذلك، وهو ما حدث بأن تلاقت أهداف ورغبات وأفعال الشرائح الثلاثة للهرم المجتمعي ـ كما أشرت سابقًا ـ في ميدان التحرير.
 
ولكن في النهاية فإن حديثي موجه إلى عبد الرحمن يوسف وأقرانه ممن لا يقرأون الواقع على حقيقته ويتهجمون على الحركة السلفية باعتبارها كانت موالية للنظام، فإذا كان للحركة السلفية أخطاؤها مثل غيرها من الحركات والجماعات، فهذا لا يعني أن نهيل عليها التراب، وأن نضعهم كلهم في بوتقة واحدة مع النظام السابق أو أنهم ارتكبوا ما يتوجب الاعتذار عنه، لأن ذلك ينسحب على جميع الفصائل المعارضة في عصر مبارك فكان كل منهم له داءه ومثالبه.

وهناك جماعات معارضة كثيرة اقتربت وتحالفت مع النظام بدرجات متفاوتة، وراهنت ودخلت في مواءمات وصفقات، وكان لذلك أسبابه من أهمها القبضة الحديدية التي كانت تمسك بخناق المجتمع بكافة أطيافه؛ فإذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب توحيدًا للجهود لبناء مصر الحديثة.

فيجب أن يتسم الكتاب وقادة الرأي بالبصيرة وبالمعرفة وبالحد الأدنى من الإنصاف والعدالة، لكي نمهد الأرض لبناء مجتمع جديد يقوم على التكافل والإخلاص والإيمان والعدالة وتضافر كافة الجهود لدفع عجلة التنمية، وألا نتجاهل الأيادي البيضاء للحركة السلفية التي شهد بها القريب والبعيد، فهم ما أن رأوا مجالاً مواتيًا لهم في العمل المجتمعي حتى أفادوا أحياءهم وقاموا بعمل مشروعات لتوزيع الخبر وأنابيب الغاز، وغيرها من المبادرات في خطوات محمودة من أجل كسر احتكار التجار وجشعهم.

لذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب الروية ومحاولة التوافق بعد الاتفاق: التوافق على الحد الأدنى من المشترك من أجل بناء الدولة، بعد اتفاق الجميع على رفض النظام السابق.. بمن في ذلك، دون أدنى شك، أبناء الحركة السلفية بسوادها الأعظم.

-- مفكرة الإسلام :محمد سليمان الزواوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*