الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » «وَقِفُوهُمْ إِنهُمْ مَسْئُولُون»… القلم مثالاً

«وَقِفُوهُمْ إِنهُمْ مَسْئُولُون»… القلم مثالاً

عندما تكتب تكتشف أشياء كثيرة. فالكاتب لا يبدأ مقاله بجهل، وإنما بدراية أو رواية، وإلاَّ فإن القلم سيتثلَّم على صفيح الورق وينكسر؛ لأنه وباختصار لا يملك شيئاً يكتبه.

لقد علَّمتنا التجربة أن الكتابة الجادَّة والمسئولة تسبقها عملية شاقة من القراءة المُعمَّقة والنقاشات الجماعية وحتى الذاتية. وقد كان العالِم النمساوي الشهير لودفيغ فيتغنشتاين يقول بأن: «الفيلسوف الذي لا يُشارك في مناقشات، مثله مثل الملاكِم الذي لا يذهب أبداً إلى الحلبة».

أكثر ما يُفسِد القلم هو أن لا يكون لصاحبه رأي أو وجهة نظر. بل الأكثر من ذلك، ليس عند هذا الحدّ في أن يكون له رأي أو لا يكون، وإنما القدرة على دَحْض ذلك الرأي وإعادة النظر فيه من قِبَل صاحبه متى ما تطلَّب العقل والضمير ذلك. يَخشى كثيرون في الكُتَّاب والمفكِّرون من أن يُعيدوا قراءة الأمور من جديد فيستبدلوا رأياً بآخر.

 بعضهم قد يستحي أن يُعيَّر أو أن يُقال عنه أنه متقافز لا يلوي على شيء، لكن الثابت أن القرآن الكريم كان فيه ناسخ ومنسوخ حتى ولو كان في الأوامر والنواهي الشرعية دون الاعتقادات. فالأصل في الأمور هو التغيير وليس الثبات السلبي فضلاً عن كون ذلك الإصرار والثبات هو على الزَّلل أو الزَّلل المُركَّب.

فالأفكار كالأجساد، تحتاج دائماً إلى فحص دَورِي ومُعاينة. وعندما توضَع الأفكار على خط المقاربات والتمحيص يجِد المرء أن هذه الفكرة لم تعُد صالحة، أو أن ترميمها أو هدمها صار واجباً. حتى فقهاء الشريعة الإسلامية يُبدِّلون بعض الفتاوَى التي أقاموا عليها دليل العقل أو النقل.

 وللعلم فإن الأفكار في حقيقتها كأي شكل مادي تنعقد نطفتها ثم تولَد فتنمو فتزدهر ثم تموت فتتحَجَّر مثلما كان يقول الفيلسوف الإنجليزي آرلنولد توينبي عن الحضارات.

 فالأفكار تظهِرها الأحداث وتكوِّنها الظروف. وعندما تتبدَّل هذه الظروف والأحداث يجب على الأفكار أيضاً أن تتبدَّل وإلاَّ أصبحت بلا موضوع وبلا معنى.

أكثر الأشياء التي يُخشَى منها على الكاتب هو أن يُصبح أسيراً لنظام أفكار لا تتغيَّر. والخشية التالية (وهي الأشد) هي أن يتحوَّل الكاتب إلى أداة في إحدى معارك الجنون السياسي أو الاجتماعي.

فالكاتب مثله مثل البشر الآخرين، يعيش في بيئة متجاذبة الأطراف والانتماءات، وبالتالي فهو صناعة أصيلة من تلك التربة غير المتَّزِنة، وهو ما يجعله في مهَبِّ رياحها عندما يختلط حابلُ الأفكار بنابِل العواطف والأهواء والانتماءات الجُدُوديَّة/ العِرقيَّة فتضيع من يده البوصلة حتى يُميِّل سنانه فيشدّ على هذا وعلى ذاك دون أن يُبصر.

في كثير من الأحيان يفرض نظام المصالح السياسي والاجتماعي والطائفي نفسه على الأفكار والأقلام؛ فيشعر الكاتب أنه كالأسير في مركب على موجٍ هائج يقوده أشخاص لهم من القوّة والنفوذ ما ليس لدى غيرهم، وبالتالي لا يستطيع أن يقول صاحب الأفكار أو القلم أكثر مما يريد هؤلاء، وإلاَّ تمَّ حرمانه من الامتيازات التي يُقدمها هؤلاء حصرياً للمريدين، أو التخلّص منه عبر رميه في البحر ليذهب إلى المجهول.

فلا يفيد الخِراف أن يمرِّروا قرارات داعمة للامتناع عن أكل اللحوم إذا ظلَّ الذئب على رأي آخر كما كان يقول القِسّ الإنجليزي وليم رالف إنغ، فقسوة البشر على أنفسهم لا تضاهيها أيّ قسوة أخرى.

ولكن وأمام تلك المعادلة الصعبة التي تتلاعب بموازينها كفَّتا القوّة والضعف، رأينا من التاريخ أن كثيراً من أصحاب الأفكار والأقلام كانت لهم القدرة على قول وفعل ما يُغاير قراصنة المركب.

بل إنهم استطاعوا أن يُعمِّموا نظاماً للأفكار يدعمه العقل والمنطق في الوقت الذي كانت تعاديه الغرائز والدَّهْمائِيَّة. ففي أوروبا وأثناء الحروب المذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت كان لـ سيباستيان فرانك وغاسبار شفنكفيلد أفكار عارَضَها الكرسي الرسولي والحبر الأعظم ومن ورائهم الأباطرة الظالِمون، لكن التاريخ أثبت للجميع أن ما قالوه وفعلوه هؤلاء الكتَّاب كان هو الصواب والآخرين مخطئون.

وعلى عكس ذلك، فإن كتابات أوسياندر وميلانختون وبوغنهاغن وكروتزيغر إبَّان الأناباتيست أظهرت أنهم جزء من المشكلة الطائفية الأوروبية في ذلك الأوان وأداة رئيسية في تكريس الكراهية بين الناس، حين شرَّعوا للتحريض على الانتقام والقتل بحق طوائف الأناباتيست دون هوادة أو تمييز، ودون أن يكون لهم حتى رأي مستقل.

فالحقيقة تكسَب من أخطاء الذي يُفكر بنفسه بعد دراسة وتحضير أكثر مما تكسبه من الآراء الصائبة لمن يعتنقونها بسبب أنهم لا يريدون تكبّد عناء التفكير مثلما قال جون ستيوارت ميل.

في كل الأحوال، فلا عذر لقلَمٍ لا يُدرك حقيقة الأشياء كما هي. ولا عذر لقلَمٍ إن اعتقد بأن الحقيقة حصريَّة في حبره وقرطاسه والآخرين في شَطَطْ، وإلاّ أصبح في مرتبة أسمى من البشر.

فقيمة القلم من قيمة ما يخطه من نثر به أعلى درجات الموضوعية والذوق البشري وتقييم الأشياء وتقويمها دون الانزلاق في كتابات الهجاء، فأقرب موارد العدل القياس على النفس كما كان يقول جمال الدين الأفغاني

-- صحيفة الوسط الالكترونية : محمد عبدالله محمد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*