الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المغرب بحاجة إلى الملكية القوية

المغرب بحاجة إلى الملكية القوية

إن النقاش السياسي والفكري الذي أثاره مشروع الدستور ، خاصة فيما يتعلق بمسألة الهوية ، ينبغي الإنصات إليه بكل جدية وتلمس أبعاده المعلنة والمبطنة حتى تدرك الأطراف المعنية بالنقاش والتعديل الدستوري ، وخاصة قوى الحداثة والديمقراطية.
المخاطر التي  تتهدد مشروعها المجتمعي ووحدة الشعب المغربي واستقراره .

لا غرو أن هذه القوى الديمقراطية ، رغم ما راكمته من تجارب نضالية كلفتها الكثير من أجل تعبيد طريق الحرية والكرامة والمساواة ،ترتكب أخطاء على مستوى التكتيك والتنسيق .

إذ كلما خاضت هذه القوى معاركها من أجل الإصلاح والتغيير ، فإنها تخوضها وهي إما منقسمة على ذاتها  أو مختلفة من حيث ترتيب الأولويات .

وهذا ما حصل خلال مراحل مراجعة الدستور وما رافقه من نقاش على ضوء المذكرات المطلبية التي تقدمت بها مكونات التيار الحداثي الديمقراطي إلى لجنة السيد لمنوني رئيس اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور .

فكل هذه القوى ركزت مطالبها على تقليص صلاحيات الملكية ،من جهة ، ومن أخرى، على توسيع صلاحيات الحكومة والوزير الأول .
وكلها مطالب تتطلع إلى الملكية البرلمانية كإطار سياسي يضمن فصل السلط ويقلص إلى الحدود الدنيا صلاحيات الملك وسلطاته .
ولم تنتبه إلى ما تشكله مكونات التيار المحافظ من قوة ضاغطة ، ليس بعددها ولكن بحسن تنظيمها ودقة تدبيرها لما تشترطه المعركة الدستورية من يقظة وذكاء سياسي .

وليس عبثا أن تركز مكونات التيار المحافظ معركتها الدستورية على مسألة الهوية وتجعلها حجر الزاوية ، بل الشرط الرئيس للموافقة على مشروع الدستور .

لهذه الغاية ، استثمرت هذه المكونات كل إمكانياتها السياسية والتنظيمية للضغط من أجل التنصيص على إسلامية الدولة وسمو التشريع الإسلامي على كل المواثيق الدولية .

ويكفي هذا التيار أن ينتزع دسترة سمو التشريع الإسلامي عن غيره من التشريعات حتى يتصدى لكل المكاسب الحقوقية والسياسية التي تتخذ من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا مرجعيتها الأساس .

بالتأكيد أن مكونات التيار الحداثي الديمقراطي تقر بالهوية الإسلامية للمجتمع المغربي وليس لديها أدنى مشكل مع التنصيص عليها دستوريا كهوية للشعب المغربي .

ذلك أن الإشكال ليس في الدين الإسلامي كشريعة وعقيدة ارتضاه المغاربة وحرصوا على التمسك به وإشاعة قيمه ، بل الإشكال في الفهم البشري لهذه الشريعة وتعاليمها السمحة ، ومن ثمة المشاكل التي ترتبط بالفهم المتشدد والمغالي في الدين ، والتي من شأنها أن تصادم بين الدين وبين تطلعات المجتمع إلى الحرية والكرامة والمساواة .

لأن كل غلو يجعل الدين عاجزا عن استيعاب حركية المجتمع وانفتاحه على حاجيات الشعب ومطالبه وفق ما يتطلبه العصر الذي يحياه .

ولنا في المعارك الحقوقية التي خاضتها الهيئات النسائية الديمقراطية من أجل تعديل مدونة الأحوال الشخصية ، سواء سنة 1992 أو 2000   ، مثال عن تصدي التيار المحافظ للمطالب النسائية باسم الدين .

بل وباسم التعاليم السمحة التي جاءت لتكريم بني آدم ذكورا وإناثا ، ظل التيار المحافظ يصر على تأبيد الاضطهاد والقهر والتمييز وكل أشكال العنف ضد المرأة  بعد أن اعتبر هذه الممارسات شريعة ربانية وكل مخالفة لها هي مصادمة للشرع واعتداء على الله تعالى ورسوله محمد (ص) .

ولو استجاب الملك ، بصفته أمير المؤمنين ، للضغوط التي مارسها التيار المحافظ ، لظلت المرأة المغربية ضحية النخاسة والاستعباد باسم الدين .

ولا شك أن معاناة المرأة في أفغانستان تحت حكم الطالبان بمنعها من الدراسة والوظيفة وحتى العلاج على يد الأطباء الذكور باسم الشريعة الإسلامية ، دليل واضح عن خطورة الغلو في الدين على المجتمع برمته .

وما يقال عن مناهضة حقوق المرأة باسم سمو التشريعات الإسلامية على ما عداها من القوانين والمواثيق ، يقال أيضا عن حقوق الإنسان التي يجتهد التيار المحافظ في إيجاد المسوغات ، إما لرفضها أو التحفظ عليها كأضعف الإيمان .

وتكفي الإشارة هنا إلى الخطورة الحقيقية التي يشكلها دعاة الغلو والتطرف الذين تحالفوا مع التيار المحافظ في معركته من أجل دسترة سمو التشريعات الإسلامية ، ليس فقط على حقوق الإنسان ، ولكن أساسا على المشروع المجتمعي الحداثي وقيمه الإنسانية والأخلاقية السامية .

وما كتبه  الفيزازي ،أحد شيوخ التطرف ، عن مشروع الدستور بخصوص إشكالية “إسلامية الدولة” يمثل أحد هذه المخاطر كالتالي (لا بد من حمل القوانين الكونية العامة والتي صادقت عليها الدولة المغربية طوعا على القوانين الخاصة المحلية التي تجعل هذه الدولة إسلامية اسما على مسمى، وليس حبرا على ورق.فقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] ..

كل هذا وغيره من النصوص القطعية المحكمة تظهر بما لا مزيد عليه سبق الإسلام في مفهوم حرية الاعتقاد. لكن ما ذنب وضاءة النهار ومفاتن الألوان الزاهية إذا كانت عين المرء تشكو من رمد؟

هذه المعاني التي أوردتها في الآيات القرآنية، وغيرها في معناها كثير في الأحاديث النبوية تندرج جميعها في الأحكام الخاصة بإسلامية الدولة وإمارة المؤمنين، وكذا بما تعارفت عليه المواثيق الدولية. أي لا مشكلة.

لكن، عندما تتجاوز الموثايق البشرية هذا القدر لتجعل حرية الردة من حرية الاعتقاد، هنا نقول هذا الأمر إذا كان يوافق غيرنا فلا يوافقنا نحن المسلمين، لأن دولتنا دولة إسلامية والردة عندها خيانة عظمى.

والدولة عندنا مذهبها مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وفي هذا المذهب كما هو مدون في الموطأ ما يلي: [ 18 – باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام  18 / 1408 – حدثنا يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غير دينه فاضربوا عنقه».

قلت: هذه خصوصية مغربية خالصة، وهي متناقضة تماما مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1948 لا سيما في مادته الثامنة عشرة والذي صادقت عليه المملكة.

والقاعدة الأصولية مرة أخرى هي حمل العام على الخاص، أي قبول ما صادقت عليه الدولة وفق الخصوصية المغربية. وما نقلته هنا عن الإمام مالك في شرحه للحديث الصحيح يقطع دابر كل معارض أو معترض، ذلك لأن الاستشهاد بما في المذهب الرسمي للدولة هو عين الصواب وروح الحكمة).

الإشكال هنا مركب: فقهي يتعلق بسند الحديث ، وإيديولوجي يتعلق بتكفير الآخرين واتهامهم بالردة لأسباب فكرية أو سياسية كما حدث على امتداد التاريخ الإسلامي وإلى اليوم .

من هنا يمكن القول إن مكونات التيار الحداثي ترتكب خطأ جسيما على مستويين :

 ــ الأول إما بتشديدها على تقليص صلاحيات الملك أو بجعله “يسود ولا يحكم” في الوقت الذي تزيد الحاجة إلى مؤسسة ملكية قوية لحفظ التوازن ولجم التيار المحافظ منعا لأي ردة حضارية وحقوقية . وهذا ما نفهمه من تصريح الأستاذ الطوزي عضو اللجنة الملكفة بمراجعة الدستور جاء فيه : “لولا التحكيم الملكي لتم التراجع عن العديد من النقط التي وردت في المسودة الأولى للدستور التي سلمت إلى الأحزاب السياسية والنقابات” . وكما تدخل الملك ــ بصفته أمير المؤمنين ــ لإقرار إصلاحات جوهرية في مدونة الأسرة ضدا على اعتراض التيار المحافظ ، تدخل أيضا لتكريس عدد من المطالب وتحصينها دستوريا حتى لا ينقلب عليها المحافظون ، وعلى رأسها الخيار الديمقراطي الذي غدا ثابتا يُجرَّم كل من يجحده أو يناهضه .

ــ الثاني غياب التنسيق بين مكونات التيار الحداثي وضعف ردود فعله على الضغوط التي مارسها المحافظون على لجنة مراجعة الدستور .

وهذا ما نبه إليه الأستاذ الطوزي في حديثه لجريدة الأحداث المغربية (20/6/2011)  بقوله إن ” اللجنة كانت قد أشارت إلى موضوع الدولة المدنية وأنه بعد الضغوطات التي مارستها حركة التوحيد والإصلاح وتهديدات بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وأيضا تصريحات للقيادي البارز في حزب الاستقلال امحمد الخليفة ، فقد أدى للتراجع عنها .

ويكمن السبب في ذلك في ضعف رد القوى التقدمية والحداثية التي كان يفترض أن تضغط لفرض عدم التراجع عن تلك المطالب ” .  ونفس الأمر أثار استغراب الأستاذة أمينة بوعياش ، عضو اللجنة الملكية لمراجعة الدستور ، التي عبرت عن تفاجئها لغياب ردود فعل قوية على مواقف حزب العدالة والتنمية من موضوع الهوية.

بل إنها أرجعت أسباب هذا الغياب إلى كون “التفكير السياسي حول الاختيار المجتمعي ليس واضحا لدى الفاعلين السياسيين المغاربة..

كما أن المشروع المجتمعي لم يكن حاضرا في شعارات ولافتات الحراك الشبابي، ورد الفعل الوحيد كان من ائتلاف عدد من الجمعيات أصدرت بيانا يدافع عن الهوية الحداثية”. .

واضح إذن ، أن الإصلاحات الدستورية ، بقدر ما تفتح آفاقا نحو التغيير ، تفتح أيضا منافذ يمكن أن تستغلها القوى المحافظة لحجز أي إصلاح حقيقي . ومن أجل تحصين المكاسب الحقوقية وتقوية المؤسسات الدستورية ، بات  محتما على الدولة أن تسرع وتيرة الإصلاحات السياسية وتحمي الحريات والحقوق كما يقرها الدستور الجديد .

-- خاص بالسكينة : سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*