الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القذافي بين مطرقة الجنايات الدولية وسندان الثوار

القذافي بين مطرقة الجنايات الدولية وسندان الثوار

قبل أكثر من أربعة عقود وتحديداً في الأول من سبتمر 1966 استولى معمر القذافي على الحكم في ليبيا ليطيح بنظام الملك إدريس السنوسي الذي كان خارج البلاد في فترة نقاهة في تركيا.

القذافي المثير للجدل يظهر أن سياسته وأسلوبه الشاذ وحياته الغامضة وأزياءه الغريبة وتصريحاته الهزيلة وخطاباته التي تعكس إفلاسه السياسي والعسكري بل والثقافي والاقتصادي، ونظرياته التي دونها بكتابه (الأسود) الذي اسماه (الأخضر)، وشخصيته المتناقضة ومواقفه التي لا تعرف وجهتها، وآراءه المتناقضة في مجمل السياسات الداخلية لبلاده، وانتقاداته المستمرة للقادة العرب بل والعالم (ماعدا نفسه) وهو الوحيد الذي لم يقدم لأهله والعرب سوى الدمار والخراب.

هذا الرجل الذي يعيش اضطرابات نفسية داخلية قرر أن يكون حراسه من النساء جلبهم على الأكثر من خارج بلاده، وهو يحكم ليبيا بالحديد والنار لا يجعلها تشم رائحة الاستقرار والأمن، ففي شهر مارس 1977 ومع زيادة أسعار النفط شعرت نفسه المريضة بالعظمة والعلو فأعلن أن جمهوريته هي الجمهورية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى.

ومع هذه النرجسية في الحكم، وهذه التسمية (العظمى) أدخل بلاده في متاهات لا حدود لها منها أنه نصب نفسه عدواً للغرب بعد كارثة طائرة تابعة لشركة بانام الأمريكية التي انفجرت فوق بلدة لوكربي في اسكتلندا راح ضحيتها 270 قتيلا، ثم كارثة طائرة فرنسية سقطت فوق صحراء في النيجر ضحايها (176) قتيلاً.

القذافي الذي أعلن نفسه ملك ملوك إفريقيا وعميد الحكام العرب وجمهوريته أسماها (عظمى) تطوق عنقه جرائم ارتكبها ضد مواطنيه لن يفلت من عقابها عاجلا أم آجلا وهذا هو جزاء من يقتل شعبه ويحكمه بالحديد والنار بل ويصف ذلك الشعب العربي (بالجرذان) وأنهم ضحية حبوب (هلوسة) وأنه سيشن عليهم حربه شارعا شارعا بيتا بيتا (زنقه زنقه).. الخ، وهذا هو غاية الجنون!

وفي نفس الوقت يخضع للأجنبي يملي عليه ما يريد، وهذا ما فعل بالقذافي المتعالي على شعبه بل وأمنه، فأخضعه الغرب أولا بأن يدفع مبالغ فلكية بتعويضات جزاء ما ارتكبه من جرائم لطائرتين لشركات طيران أمريكية وفرنسية، ثم أجبرته عنوة الإدارة الأمريكية في عام 2003 تخليه عن برامجه السرية للتسلح وسلم ما بحوزته من أسرار للإدارة الأمريكية لينجو (بنفسه) كما قال (لا أريد أن ألقى نفس مصير صدام) أرأيتم إلى أين وصل الجبن بالقذافي؟!!

التاريخ العربي للأسف يزخر بمن استهوتهم السلطة فقفزوا إليها، فكم من رئيس جاء إليها على ظهر دبابة معللاً ذلك بأنه جاء لنشر الديمقراطية وضمان الحريات والقضاء على الفساد والبطالة والفقر، ولكن الأيام تكشف أن الأمر لا يعدو كونه نظاما سياسيا دكتاتوريا جديدا ليتحسر الناس على أيام الحكم السابق ولسان حالهم يقول: (رب يوم بكيت منه فلما مضى بكيت عليه) بعد أن تأكد لهم أن نظامهم السياسي الجديد بعيد كل البعد عن خدمة قضاياهم وهمه الأول والأخير ضمان استمراره متمسكا ومتشبثا بالسلطة وليذهب الشعب إلى الجحيم.

ويصدر النظام الجديد دستورا ويسن قوانين تضمن له البقاء على رأس السلطة إلى أجل غير مسمى ومن ينتقده من أجل الإصلاح يوصم بالخيانة ويلاقي الويلات، وما على الجميع سوى القبول والرضوخ لما يمليه هذا النظام الجديد، وتكمم الأفواه وتقمع الأصوات الخيرة التي تريد الإصلاح فلا يسمع إلا صوت المنافقين والمنتفعين.

وهذه الحال هي التي جعلت الشعب الليبي يثور في وجه معمر القذافي لإسقاطه، الذي تحول إلى دكتاتور يحكم بالحديد ويكمم الأفواه ومن تجرأ وتكلم وأشار إلى مواطن الخلل كان مصيره الحبس والتعذيب، فأصبح الشعب الليبي ينام على الخوف ويصحو على القهر، وهكذا أصبح المواطن في ذلك البلد بين خيارات أحلاها مر، فإما أن يتكلم ويكون مصيره السجن والتعذيب بل الموت، وإما أن يسكت خوفا على نفسه وأهله والشعور بالقهر والهوان والظلم يقطع نياط قلبه ويمزق كبده، فالقذافي حكم البلاد حكما مستبدا غاشما فكمم أفواه المواطنين وألجم مفكري ليبيا ومثقفيها ومؤسساتها المدنية وأمسك الرجل ونجله سيف الإسلام بكل خيوط حركة السياسة والاقتصاد بل والفكر.

لم يستفد الرجل من دروس وعبر التاريخ، فجعل من نظامه السياسي أداة قهر لشعبه فبدلاً من الانصراف إلى بناء البلاد وإسعاد العباد انصرف إلى القهر والبطش وأطبق على السلطات فكانت النتيجة فساداً ورشوة ومحسوبية، وانتشر الفقر والبطالة رغم أن ليبيا واحدة من أغنى الدول النفطية يبلغ احتياطيها أكثر من 47 مليار برميل وإنتاجها أكثر من 1.7 مليون ب/ ي وهي ليست كثيفة بالسكان فشعبها حوالي (7) ملايين نسمة وبالإضافة إلى غنى البلاد في الثروات والسياحة فإنها غنية بالعنصر البشري المؤهل ورغم ذلك عانى الليبيون من الفقر والبطالة، وسوء الحال ولكن للصبر حدود والضغط يولد الانفجار فانفجروا مرددين قول الشاعر أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة********فلا بد أن يستجيب القدر

وكان واضحا منذ اليوم الأول للثورة أن الشعب الليبي اتخذ قراراً حازماً إما أن يعيش بعزة أو يموت بكرامة، وانه كان مصراً أن يزيل الطاغية عن كرسيه مهما كان الثمن، ولم يفهم القذافي أن إرادة الشعب هذه المرة لن بقهرها الرصاص ولن يثنيها الحديد فاستمر في غيه فشن حربا ضروسا على الشعب الأعزل فسقط الآلاف موتا وجرحى ودمرت البنية الأساسية في ذلك البلد العربي ليشهد العالم القذافي بعد ان حكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود وهو يحرق أهل وطنه من أطفال ونساء ورجال وشيوخ ويعلن أنه لن يغادر السلطة في طرابلس إلا (ميتا).

وتنادى المجتمع الدولي محاولاً حماية المدنيين الليبيين من جبروت (الطاغية) فكان قرار حلف الناتو دعم المقاومة بحماية جوية دون التدخل على الأرض، إلا أن الآلة العسكرية للقذافي لا زالت تبطش بالشعب فتدمر البيوت على رؤوس ساكنيها ليرتكب جرائم إبادة، جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم قتل وتشريد للسكان، جرائم مهاجمة المدنيين العزل عمدا، جرائم مهاجمة الجامعات والمستشفيات والمدارس الخيرية.. الخ.

هذه الجرائم البشعة لها عقوبات محددة يجب أن توقع على مرتكبيها بعد أن خرق القذافي وأعوانه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقات جنيف لحماية المدنيين، ولذا أعلنت المحكمة الجنائية الدولية الثلاثاء الماضي إصدار مذكرة توقيف بحق معمر القذافي ونجله سيف الإسلام ورئيس الاستخبارات عبد الله السنوسي بناء على طلب مدعي المحكمة لويس مورينو اوكامبو بتاريخ 16 مايو لارتكابهم عمليات قتل واضطهاد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وسقوط آلاف القتلى والجرحى ونزوح أكثر من (650) ألف ليبي فراراً من الحرب إلى الخارج إضافة إلى نزوح (243) ألف إلى مناطق داخل البلاد.

وإذا تأملنا بعض نصوص مواد قانون المحكمة الجنائية الدولية ومنها المادة الخامسة التي حددت الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة وكذلك المواد: السادسة والسابعة والثامنة التي شرحت تفصيلاً المفهوم القانوني لجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وكذلك جرائم الحرب وغيرها من الجرائم، إذا استعرضنا تلك المواد نجد أن جميع الجرائم التي ورد النص عليها، بل أكثر منها قد ارتكبها القذافي ونجله ورئيس استخباراته ضد الليبيين العزّل بلا وازع من خلق ولا رادع من ضمير.

والمادة الـ 58 من قانون المحكمة تمنح الدائرة التمهيدية بناءً على طلب المدعي العام إصدار أمر بالقبض على الشخص إذا وجدت أسبابا معقولة للاعتقاد بأنه ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة وأن القبض عليه ضروري لضمان حضوره أمام المحكمة.

إن على العرب ممثلين في الجامعة العربية التي طالبت المجتمع الدولي حماية المدنيين الليبيين ومنظماتهم المدنية وغير المدنية العمل من أجل إثبات الجرائم السابقة التي لا تسقط بالتقادم، ضد هؤلاء المجرمين المحترفين وطرق كل الأبواب، ومنها المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت قرارها الشهير بإيقاف القذافي ونجله ورئيس الاستخبارات، وكذلك هيئات حقوق الإنسان في العالم.

كما أن الباب مفتوح أمام العرب من خلال بوابة جامعتهم لمطالبة الأمم المتحدة بتكوين محاكم خاصة لمحاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى على غرار المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون، وكل تلك المحاكم أنشئت لمحاكمة مجرمين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية ونص نظام تلك المحاكم على مقاضاة الأشخاص الذين يتحملون العبء الأكبر من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانونهم الداخلي.

ولما كانت هذه المحاكم أنشئت لمحاكمة مجرمين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وإيقاع العقاب عليهم وللمحافظة على السلم والأمن الدوليين، فإنه أصبح واجباً مفروضاً على جامعتنا العربية استخدام قوة القانون الدولي ونصوص الاتفاقات الدولية أمام المحاكم والمنظمات المختصة لينتصروا لإخوانهم في ليبيا وكذلك لتأكيد حقهم المسلوب على يد القذافي الذي ثار عليه شعبه وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرا بالقبض عليه ليصبح اليوم من نصب نفسه ملكا لملوك افريقيا وعميدا للحكام العرب واقعا بين مطرقة المحكمة الجنائية الدولية وسندان الثوار الليبيين، وهذا هو مصير الطغاة!!

رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الإستراتيجية

dreidaljhani@hotmail.com

-- صحيفة الجزيلرة: عيد بن مسعود الجهني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*