الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » النظام الدولي وعودة الصراع التقليدي على مناطق النفوذ

النظام الدولي وعودة الصراع التقليدي على مناطق النفوذ

لا ينفك اليانكي الأمريكي من تذكيرنا بمآثره، فهو وحده الذي يستطيع حمايتنا من الغرب الاستعماري التقليدي، ومن الشيوعية التي تحولت إلى ثعبان هائج برؤوس متعددة. إنه باختصار منطق الإزاحة

خلال ما يقارب قرنا من الزمان، شهد الكوكب الأرضي مؤخرا تحولات تاريخية سياسية كبرى، لم تشهدها البشرية من قبل. بل لعلنا لا نجانب الصواب حين نقول إن التحولات التي شهدتها المئة عام المنصرمة، تعادل في ثقلها وقوة دفعها كل ما تحقق على هذا الكوكب، فيما هو مدون في سفر التاريخ المعلوم.

حدثان مجلجلان شهدتهما الكرة الأرضية، في النصف الأول من القرن المنصرم، هما الحرب الكونية الأولى في نهاية العقد الثاني من القرن، والحرب الكونية الثانية، التي ابتدأت مع بداية النصف الثاني من عقده الرابع، وانتهت باستسلام ألمانيا ولاحقا اليابان، عام 1945. في الحربين استخدم الإنسان وسائل تدميرية غير مسبوقة، عكست من جهة، حجم التطور الذي أحدثته العلوم في مجال التقنيات العسكرية، ومن جهة أخرى، عكست حجم التنافس المحموم بين القوى الكبرى من أجل الهيمنة على العالم.

ولأن الحروب هي صراع السياسة، وهي أحد الأوجه العملية لصراع الإرادات، فإن ما ينتج عنها بعد إزالة ركام الخراب والدمار، لا يكون عودة إلى الماضي، والسير بذات التراتبية التي سادت من قبل، فالتاريخ لا يعيد ذاته.

إن ما يحدث لا يمكن أن يكون إلا اتساقا مع المعطيات الجديدة التي خلقتها نتائج الحرب. وهنا يستخدم بقوة مصطلح النظام الدولي الجديد، تعبيرا عن عناصر القوة الجديدة الفاعلة في صناعة وتوجيه القرار السياسي في العالم بأسره.

بمعنى آخر، أن ما نطلق عليه “النظام الدولي الجديد”، هو في حقيقته اعتراف بانتقال مركز الجاذبية، في صناعة القوة. ولأنه كذلك، فإن شرط تحققه هو الانتقال من محطة تاريخية إلى محطة أخرى، مغايرة. تملك القدرة في التعبير عن ذاتها عبر آليات ومصطلحات ومفاعيل جديدة.

كان أهم ملمح، لنتائج الحرب الكونية الأولى هو صدور مجموعة من الوثائق الدولية، تعبر معظمها عن اتجاهات ما بعد الحرب، نختار من بينها أربع وثائق، لكل منها بصمة تشي بشكل جلي بالتوجهات المستقبلية.

الأولى وثائق عصبة الأمم التي وضعت المشرق العربي، تحت الانتداب والوصاية والحماية. وهي مسميات لها دلالاتها التاريخية. فما قبلها كان الاستعمار المباشر، غير المقنع بأي أغطية. استعمار يتماهى مع ما كان معروفا قبل استقلال دول البلقان وسقوط السلطنة العثمانية، والمتمثل في حق الفتح. فالقانون المعترف به دوليا هو قانون القوة. وحق الفتح يعني بداهة، أن من يتمكن من الاستيلاء على الدول بقوة السلاح، يملك حق فرض نفوذه عليها، إلا أن يأتي من ينازعه هذا الحق، بذات منطق القوة التي تعبر عن القانون السائد في مرحلة ما قبل الحرب الكونية الأولى.

مفردات الحماية والانتداب والوصاية، هي إذاً خطوة متقدمة على قانون الغاب السابق. إنها مفردات تعني استمرار الهيمنة، لكن بتعابير أخلاقية، حيث الهدف هو النهوض بالشعوب المتخلفة.. تمدينها و”دمقرطتها”، وجعلها قادرة على الدخول بسرعة في عصر التنوير والتحديث الأوروبيين.
محطة أخرى، هي اتفاقية سايكس ـ بيكو وقد تم تعديلها في عصبة الأمم، وفقا لما أوضحناه، ومع سايكس بيكو، كان وعد بلفور بوطن قومي لليهود. وقد سارع الكونجرس الأمريكي، للاعتراف بهذا الوعد، ومطالبة الرئيس ويلسون بالعمل على تحقيقه، من منظور يتسق مع الموقف من حق الشعوب في تقرير المصير والاعتراف بحقوق الإنسان. وحقوق الإنسان والاعتراف بحق تقرير المصير للأمم تجرنا إلى المحطتين الثالثة والرابعة في النظام الدولي الجديد الذي تأسس بعد الحرب الكونية الأولى.

إنها محطة انتقال، في عناصر القوة، من القوى الاستعمارية التقليدية التي سادت قبل الحرب: إيطالية وبرتغالية وإسبانية وفرنسية وبريطانية، إلى القوة الصاعدة الجديدة، غير المثقلة بعبء الاحتلال للدول الأخرى، والتي ترفع شعار الحرية والديمقراطية عاليا في وجه الشيوعية: القوة الصاعدة الجديدة، التي عبر “ويدرو ويلسون” عن مشروعها الإمبراطوري الصاعد أفضل تعبير. فالهدف إذن ليس الحرية أو حق تقرير المصير، في حد ذاتهما، ولكن كبح جماح القوى التقليدية التي أنهكتها الحرب. والتيسير لعملية الاستلام والتسليم المزمع حدوثها في ظرف أفضل، وفي مستقبل قريب. فليس بعد الوصاية أو الحماية أو الانتداب سوى الاستقلال.

والأمريكيون لديهم خبرة تاريخية كبيرة في هذا المجال، فقد خاضوا حربا ضروسا من قبل لتحرير العبيد، بقيادة أبراهام لينكولن، كان من نتائجها إفراغ الولايات الجنوبية من الرقيق الذين يعملون في المزارع، ونقلهم إلى الولايات الشمالية، ليعملوا في المصانع، بطريقة لا تختلف كثيرا، من حيث المعاناة والانسحاق الإنساني، عن تلك التي كان السود يعانون منها أثناء استرقاقهم. ولم تجانب رواية “ذهب مع الريح”، الحقيقة كثيرا، وهي تحكي لنا بشكل أخاذ تفاصيل تلك المرحلة.

هنا أيضا في الوطن العربي، تأخذ تعابير الحرية والديمقراطية، التي يطرحها اليانكي الأمريكي، أشكالا تقترب من التجربة الأمريكية، التي مثلتها الحرب الأهلية. فقربان حقوق الإنسان والتحديث هو تشريد شعب فلسطين عن أرضه، وإقامة كيان مصطنع يكون من جهة، عازلا بين العالم العربي المتوحش، وبين أوروبا المتحضرة، ويعزل من جهة أخرى، شرق الوطن العربي عن مغربه.

وفي هذه التحولات، لا ينفك اليانكي من تذكيرنا بمآثره، فهو وحده الذي يستطيع حمايتنا من الغرب الاستعماري التقليدي، ومن الشيوعية التي تحولت إلى ثعبان هائج برؤوس متعددة.

إنه باختصار منطق الإزاحة.. منطق إزاحة الخصوم والحلفاء في آن معا عن الطريق. وهذا المنطق هو الذي سرع في استقلال عدد من البلدان العربية، بعد الحرب الكونية الأولى مباشرة، لتسقط وإن بأشكال مغايرة في حظيرة التبعية للقوة الدولية الصاعدة.

 تلك هي بعض ملامح النظام العالمي بعد الحرب الكونية الأولى، فما هي إسقاطات هذه الملامح على نظام ما بعد الحرب الكونية الثانية؟ وما علاقة ذلك بما يجري في المنطقة العربية الآن، في ما يعرف مجازا بربيع الثورات العربية؟ أسئلة ستكون محاور للمناقشة في الأحاديث القادمة.

-- الوطن أونلاين :يوسف عبدا لله مكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*