السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا تلقي إيران بثقلها خلف النظام السوري؟!

لماذا تلقي إيران بثقلها خلف النظام السوري؟!

  
 
نقول إيران تلقي بثقلها خلف النظام السوري، وليس النظام الإيراني، ربما لأننا نشك في أن مثل هذا الملف سيكون موضع خلاف بين المحافظين والإصلاحيين، ليس فقط لأن صلاحيات المرشد تتفوق على أي منهما حين يكون في السلطة، بل أيضا لأن مسألة الحضور الإيراني في المنطقة، خاصة في بعدها الإستراتيجي ليست جزءًا من الصراع بين الطرفين.

بدليل الموقف من الملف العراقي الذي لم يدخل في النزاع، وانحصر الخطاب الإصلاحي على مقولة (لا غزة ولا لبنان، كلنا فداء إيران)، مع أن الجميع يعلم أن ما صرفته إيران من أجل تثبيت وضعها في العراق هو أضعاف أضعاف ما صرفته في لبنان وفلسطين، كما أن طرح ملفي غزة ولبنان من قبل الإصلاحيين في النزاع لا يعني أنهم سيغيرون سياستهم حيالهما (لو كان بوسعهم ذلك)، ولكن النزاع على الشارع يستدعي استخدام جميع الأسلحة.


ما يجري اليوم لم يعد يمنح المراقب ولو قليلا من الشك في أن إيران تقف بقضها وقضيضها، بأموالها وأسلحتها وخبراتها وإعلامها خلف النظام السوري

أيا يكن الأمر، وحتى لو كانت المقاربة الإستراتيجية التي تجعل سوريا في قلب المشروع الإيراني (سنظل نؤكد على أن المشروع الأميركي الصهيوني أكثر خطرا من المشروع الإيراني)، حتى لو كانت جزءا من برنامج المحافظين فقط، فإن ما يجري اليوم لم يعد يمنح المراقب ولو قليلا من الشك في أن إيران تقف بقضها وقضيضها، بأموالها وأسلحتها وخبراتها وإعلامها خلف النظام السوري.

الشيء الوحيد الذي لم تدخل إيران على خطه في مواجهة الاحتجاجات الشعبية السورية هو الاشتباك المباشر مع المحتجين في الشوارع، ليس فقط لانتفاء الحاجة الماسة لذلك، أقله إلى الآن، بل للخشية من أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد المذهبي في الصراع، وبالتالي حشر النظام السوري في إطار طائفي فاقع يشطب ما تبقى من تعاطف عربي (سني) معه (ينحصر في صفوف بعض القوميين واليساريين)، فيما يؤدي من جهة أخرى إلى حسم حالة التردد التي تعيشها فئات شعبية سورية (سنّية بالطبع) لم تنخرط في المعركة إلى الآن.

من المؤكد أن المشروع الإيراني من دون سوريا سيفقد معظم طموحاته في التمدد، وستعود إيران إلى دورها الطبيعي دولة قومية ضمن نطاق إستراتيجي فيه الكثير من القوى ذات الثقل. لا نعني تركيا فقط بصعودها الملحوظ إقليميا في ظل حزب العدالة والتنمية، بل نعني الوضع العربي كحالة عامة إذا نجح في تعزيز التعاون والخطاب المشترك، كما نعني مصر كدولة كبيرة وذات ثقل بعد تخلصها من إرث حسني مبارك الذي رهن البلاد للعبة التوريث، وأضاع دورها وحضورها الإقليمي الذي كان مختلفا طيلة المراحل الماضية على تفاوت بين مرحلة وأخرى.

بخروج سوريا من المعسكر الإيراني لن يكون بوسع إيران الحضور لاعبا كبيرا ومؤثرا في المنطقة كما هو حالها الآن، وسيكون أول المتأثرين بذلك حزب الله الذي سيغدو ظهره مكشوفا أمام الشعور السنّي بطغيانه على الوضع اللبناني.

أما الحضور الإيراني في العراق فسيتأثر بدوره أيضا، وبالطبع لأن الحضور العربي والتركي في ذلك الملف سيتصاعد بتراجع الدور الإقليمي الإيراني، وإذا كان التدخل المحدود الذي برز في الانتخابات الماضية قد حجّم أو كاد يحجم التفرد الإيراني في الشأن العراقي، فما بالك لو تغير الفضاء السياسي برمته في غير صالح إيران.

سيقول البعض إن حماس والجهاد سيتأثران سلبيا بضعف النفوذ الإيراني، وهو ما قد يبدو صحيحا في المدى القريب في حال قررت إيران التوقف عن تقديم أي دعم لهما، لكن الوضع على المدى المتوسط والبعيد سيحمل أخبارا طيبة للملف الفلسطيني ومن ضمنه القوى الإسلامية وتتمثل في وضع عربي أفضل يدعم برنامج المقاومة والصمود، فضلا عن دور تركي أكثر قوة، من دون أن يعني ذلك توقف إيران عن الدعم في حال التوصل إلى تفاهمات عربية إيرانية تركية تصب في مصلحة الجميع، وتفوت الفرصة على العدو المشترك للأمة.

سيقال هنا إن جبهة المقاومة والممانعة ستتفكك، وهو أمر قد يبدو صحيحا بقدر ما، لكن محور الاعتدال سيتفكك أيضا، أو أخذ في التفكك عمليا بغياب نظام مبارك، والنتيجة هي بروز حالة جديدة قد تكون أفضل في المدى المتوسط، وربما قبل ذلك، أما الأهم فهو أن الشارع العربي وقواه الحية التي شكلت أحد أهم أركان محور المقاومة والممانعة ستواصل دورها في دعم الثورات وخطاب الممانعة الذي سيؤدي في الختام إلى بروز وضع جديد يتفوق فيه برنامج الممانعة والمقاومة على البرنامج الآخر، بعد أن كان الطرفان ندين في المرحلة السابقة.

هناك بالطبع التأثير الإيراني في الأقليات الشيعية في الخليج، وهو تأثير سيتراجع أيضا بتراجع منسوب النفوذ الإيراني في المنطقة، أما في حال أصاب مسلسل التغيير الحالي دول الخليج، وتوفرت بالتدريج صيغة مواطنة وتعددية معقولة، فإن فرصة التدخل الإيراني ستضعف أكثر، فيما سيكون صعود النفوذ التركي وتماسك الوضع العربي بقيادة مصر قادرا على لجم أي تدخل زائد عن الحد، مع إمكانية التفاهم لمصلحة الجميع كما أشير آنفا.


بالدور الذي تلعبه إيران في سوريا لن تنجح في حماية النظام السوري من جهة، لكنها ستجيش من جهة أخرى العالم العربي السني، وربما الإسلامي أيضا ضدها كما لم تفعل من قبل

كل ذلك لا يبرر ما تفعله إيران في سوريا، ذلك الذي فضحته تقارير كثيرة من داخل سوريا نقلتها الكثير من وسائل الإعلام، ذلك أن استمرار هذا الدعم سيؤدي إلى تطويل أمد المعركة وزيادة عدد الضحايا بعد منحها الصبغة المذهبية، لكنه لن يؤدي إلى انتصار النظام السوري على شعبه، والنتيجة أن إيران بهذا الدور الذي تلعبه في سوريا لن تنجح في حماية النظام السوري من جهة، لكنها ستجيش من جهة أخرى العالم العربي السني، وربما الإسلامي أيضا ضدها كما لم تفعل من قبل.

وبذلك يمكن القول إن وقوف إيران إلى جانب النظام السوري في هذه المعركة لن يكون في مصلحتها بحال، وكان أولى بها أن تنصحه بتقديم التنازلات لشعبه بدل الرد عليه بإطلاق الرصاص، أو بمبادرات فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع.

هنا أيضا يبرز موقف حزب الله الذي لا يتوقع منه التورط في أي تدخل مباشر في النزاع، لكن المشاركة من اللون الذي أشرنا إليه في حالة إيران تبقى واردة، وإن كفته إيران مثل هذا الدور نظرا لخبرتها في مجال قمع الاحتجاجات من زاوية السلاح والتكنولوجيا والتكتيكات التي تستخدم في القمع ومواجهة النشاط الإلكتروني للمعارضة، فضلا عن المواجهات المسلحة داخل المدن إذا اضطر النظام إليها لاحقا (حدث ذلك في جسر الشغور بسبب تمرد قطاعات من الجيش كما نقلت مصادر المعارضة).

ويبقى التورط الإعلامي حيث تبرز وسائل إعلام الحزب كجبهة متقدمة في نصرة النظام ضد شعبه، ومحاولة تصوير الاحتجاجات على أنها مؤامرة خارجية ضد نهج المقاومة والممانعة الذي تتبناه، مع تجييش النخب التي لها دالة عليها عربيا في هذا السياق.

أسوأ ما في هذا الموقف من إيران وحزب الله هو فضحه لمقولة دعم الثورات الشعبية، والقبض عليهما متلبسين بالتناقض بين دعم المطالب الشيعية في البحرين وهجاء من ترددوا في دعمها للاعتبار المذهبي، وبين الإصرار على حكم علوي (يُصنف أقرب إلى الشيعة من السنّة) في سوريا، مع فارق كبير من حيث النسبة والتناسب (العلويون أقل من 12% في سوريا، بينما يندلع جدل حول نسبة الشيعة الذي يصرون على أنهم الثلثان، وهو ما يرفضه الطرف الآخر)، ما أدى إلى بروز الطرفين كحالة مذهبية أكثر منهما جبهة مقاومة وممانعة، وهو ما سيكون من الطبيعي أن يستفز العالم العربي السنّي.

ربما صحّ أن هناك ترددا في الأوساط السنية حيال مطالب الشيعة في البحرين، رغم أن الكثير منها صحيح ومشروع، لكن ذلك جزء لا يتجزأ من المخاوف التي تنشرها السياسات الإيرانية في المنطقة، ومنها التبشير المذهبي والتصرف بروحية مذهبية (يتورط الطرف السني في خطاب مذهبي أيضا)، وعموما فإن الأصل هو الحرية الدينية والمذهبية بعيدا عن روحية الإقصاء.

من الضروري الإشارة هنا إلى أن دعم بعض الدول العربية للخطاب المذهبي السني مقابل الشيعي لا يأتي في سياق المواجهة مع إيران، على أهمية إضعافها لاعتبارات تأثير ذلك على الأقليات الشيعية في الخليج، بقدر ما يأتي في سياق إقناع الشارع الراغب في التغيير بوجود أولوية أخرى تتمثل في مواجهة الزحف المذهبي الشيعي. والنتيجة هي تسخير الدين أو المذهب لتحقيق أهداف سياسية في الحالتين.


سقوط النظام السوري وتواضع إيران في طموحاتها الإقليمية والمذهبية واستعادة مصر لدورها سيعزز القواسم المشتركة في مواجهة التحالف الأميركي الصهيوني

من الضروري الإشارة هنا إلى أن الشارع السوري لم يتورط في الخطاب المذهبي، وحين قرر قادته إقامة جمعة باسم الشيخ صالح العلي (أحد رموز الطائفة العلوية وقائد الثورة السورية ضد الفرنسيين في جبال اللاذقية)، فقد أرادوا من خلال ذلك نفي الطابع المذهبي للحراك الشعبي، لكن النظام هو الذي يدفع الأوضاع دفعا نحو صراع مذهبي سيزيد كلفة المعركة وقد يدفعها دفعا نحو حرب أهلية، لكن سقوطه في كل الأحوال لم يعد موضع شك مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.

ثمة بعد بالغ الأهمية هنا يتعلق بالوضع الإقليمي، إذ يبدو واضحا حجم التوتر بين تركيا وإيران على خلفية الموقف من الوضع السوري، ولنا أن نتخيل معنى تلك التصريحات الصادرة من طهران، والتي تهدد أنقرة بأن تدخلها عسكريا في سوريا سيدفع إيران إلى استهداف القواعد الأميركية في تركيا.

هو مجرد تهديد لا أكثر، وتركيا تقرأ الموقف بعناية ودقة، ولن تتورط إلا حين يكون الموقف ناضجا تماما. ويبقى القول إن سقوط النظام السوري وتواضع إيران في طموحاتها الإقليمية (والمذهبية أيضا) واستعادة مصر لدورها مع نجاح المزيد من الثورات العربية سيفتح الباب أمام حوار بين هذه الأطراف يقوم على الاحترام المتبادل وتعزيز القواسم المشتركة في مواجهة التحالف الأميركي الصهيوني، وهو ما سيكون في خدمة جميع المسلمين بعيدا عن نزاعات المذاهب المدمرة.

-- الجزيرة نت : ياسر الزعاترة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*