الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أكاذيب إعلامية (1) :العلماء ورفض افتتاح مدارس البنات

أكاذيب إعلامية (1) :العلماء ورفض افتتاح مدارس البنات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، أما بعد:

فقد أثبتت الأيام أن الحملة التي يقودها “بعض” الإعلاميين ضد العلماء وطلاب العلم غير أخلاقية -بكل ما تحمل هذه الجملة من معنى- وهذا الوصف ليس فيه تجنٍ أو مبالغة؛ إذ إنهم يستخدمون-وقد أعيتهم الحجة- أي سلاح تأباه الشيم، وتأنف منه المروءة.

ومن أمضى تلك الأسلحة: “سلاح الكذب” الذي يجيدون استعماله بكل اقتدار!

وليس أمام المتابع المسكين الذي ابتلي بطلعتهم البائسة أمام ناظريه كل يوم إلا أن يدقق في كل معلومة يقولونها، ولو تمالأوا عليها.

وقد ذكرت في مقال سابق أن القوم أحسنوا تطبيق قاعدتهم الأثيرة: (اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس!)

وهذا ما نراه اليوم رأي عين، وسأقف في هذا المقال مع قضية كرروها حتى أصابونا بالغثاء! واجترها مِن بعدهم بعض البسطاء دون تمحيص.

ذلكم أنهم يمهدون لأي مشروع تغريبي جديد برمي أهل العلم فينا -وهم الصخرة التي تتكسر عندها أمواج التغريب والانفلات- بالتشبع بثقافة الممانعة والتخوف من كل جديد، ويضربون لذلك مثلا بـ: “تعليم البنات”.

من شواهد ذلك: قضية الساعة (قيادة المرأة للسيارة) -التي يقاتلون دونها؛ لعلمهم أنها ستخطوا بهم إلى مآربهم خطوات بعيدة- فإنهم يواجهون فتاوى العلماء المؤصلة بأن يربتوا على أكتاف السذج قائلين: “لا عليكم! هكذا هم دائما؛ يثورون رافضين أمام كل جديد، ثم مع مرور الوقت يرضخون؛ فحين أريد افتتاح مدارس البنات في المملكة صرخوا بالممانعة كصراخهم اليوم بمنع القيادة، ثم بعد مدة انتقلوا -تحت ضغط الواقع- إلى الجهة المقابلة؛ فامشوا واصبروا، ولا تلتفتوا إليهم!”

وهذا الكلام لا رصيد له من الحقيقة، ولو سألت أحدهم أن يوثق هذه المعلومة من مصدر أصيل لنظر إليك ببلادة ولم يجب، إلا أن يقول: هكذا يقال! .. فما أقبح الكذب الرخيص!

إن الحقيقة التي لا يجهلها منصف أن الإسلام لا يمنع تعليم المرأة العلم النافع، وهذه بدهية لا تحتاج إلى إطناب؛ وتأسيسا على هذا فإن علماءنا -الذين لهم الكلمة، وإليهم المرجع- لم يقفوا في وجه ذلك البتة؛ بل هم مع تعليمها الذي يسير جنبا إلى جنب مع الطهارة والفضيلة، وينضبط بأحكام الشريعة وآدابها.

فهذا سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله -مفتي البلاد وأكبر علمائها في وقته، والمسئول الأول عن تعليم البنات منذ افتتاح مدارسها- وقد سئل عن تعليم الفتاة، وهل له حد؟ ومتى تكف عن الدراسة؟ فأجاب: (ليس للدراسة حد في ابتدائها ولا في انتهائها، فما دامت الفتاة تستفيد من دراستها علما نافعا، ولا يترتب عليه أي مفسدة: فلا مانع من مواصلتها الدراسة، وإذا كانت الدراسة لا تزيدها إلا نقصا في دينها، وانحلالا في أخلاقها، وتبرجا وتهتكا: تعين حينئذ منعها منها) (فتاويه 12/223).

وهذا سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله -مفتي البلاد وأكبر علمائها في وقته- يُسأل: هل ترى بوجود حد لتعليم البنات؟ فيجيب: (لا، ليس هناك حد، بل يتعلمن حتى أعلى المراحل ليستفدن ويفدن) (مجموع فتاويه 8/35).

وبقية العلماء سائرون في ركاب شيخيهم؛ فمتى صادم العلماء تعليم المرأة يا هؤلاء؟

إن لم يكن صدقٌ؛ ألا حياء؟!

بل سأذهب إلى أبعد من هذا فأقول: إن العلماء هم الدعاة إلى إنشاء مدارس البنات،وهم الذين رغبوا إلى الملك سعود رحمه الله في افتتاحها! وهذا ليس كلامي ولا كلام أحد من العلماء؛ بل هو كلام الملك سعود نفسه!

وإذا لم تر الهلال فسلِّم لأناس رأوه بالأبصارِ

فنصُ المرسوم الملكي بافتتاح مدارس البنات (الصادر في 21/4/1379، جريدة أم القرى 1790): (الحمد لله وحده، وبعد:فلقد صحت عزيمتنا على تنفيذ رغبة علماء الدين الحنيف في المملكة في فتح مدارس لتعليم البنات العلوم الدينية من قرآن وعقائد وفقه، وغير ذلك من العلوم التي تتماشى مع عقائدنا الدينية، كإدارة المنزل وتربية الأولاد وتأديبهم، مما لا يخشى منه عاجلا أو آجلا أي تغيير على معتقداتنا، لتكون هذه المدارس في منأى عن كل شبهة من المؤثرات التي تؤثر على النشء في أخلاقهم وصحة عقيدتهم وتقاليدهم، وقد أمرنا بتشكيل هيئة من كبار العلماء الذين يتحلون بالغيرة على الدين لتشرف على نشء المسلمين في تنظيم هذه المدارس ووضع برامجها بمراقبة حسن سيرها فيما أنشئت له، وتكون هذه الهيئة مرتبطة بوالدهم حضرة صاحب السماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، على أن تختار المدرسات من أهل المملكة أو غيرهن اللواتي يتحقق فيهن حسن العقيدة والإيمان …).

وحُق لي أن أسأل هؤلاء: إذا كان الملك سعود -رحمه الله- يقول: العلماء رغبوا في فتح مدارس البنات، وقلتم أنتم: رفضوا! فمن الصادق ومن الكاذب؟! ومن نصدق ومن نكذب؟! وهل يُعقل أن يرفضوا شيئا ويعينهم الملك مؤسسين ومنظمين ومشرفين عليه؟!

أكرر أيضا: إن لم يكن صدقٌ؛ ألا حياء؟!

والخلاصة التي أريد أن أصل إليها: أن القراءة الصحيحة لموقف العلماء من القضايا الجديدة ليست كما يدعي أهل التلبيس المكشوف؛ فليس من شأن الراسخين في العلم ولا من نهجهم رفض الجديد لكونه جديدا، ولا التخوف والتشكيك، كلا؛ إنما الشأن عندهم في الميزان الدقيق الذي يزنون به كل شيء، ويدورون معه حيث دار: (الكتاب والسنة)، ثم إنهم يصدعون بالحق الذي ظهر لهم؛ وافق أهواء الناس أم لا.

وإن ارتفع الصراخ من حولهم نظروا نظرة هادئة مشفقة .. ثم مضوا في طريقهم بثبات.

وصلى الله وسلم على سيد ولد آدم، وآله وصحبه.

*:الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية بالمدينة

-- *د.صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*