الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أتجعلون الغَرِْبيَّ كالبَدْرِيَّ ؟

أتجعلون الغَرِْبيَّ كالبَدْرِيَّ ؟

عندما عُثر على أحد الصحابة الذين شهدوا غزوة بدر الكبرى متلبساً بتزويد العدو بخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- احتدمت مشاعر الغيورين من الصحابة رضوان الله عليهم فاستأذنوا بقتله،

فلم يأذن لهم قائلاً: لعل الله تجلى لأهل بدر، وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

والذين أشربوا في قلوبهم حب الغرب يكادون يجعلونه أفراداً ومؤسسات من البدريين الذين لا يُسألون عما يفعلون، وجدير بكل عاقل سوي أن يتساءل مستنكراً: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، والتزكية المطلقة من المستغربين تجعلهم كلما ضج المعتدلون وناصحهم الوسطيون يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم ويتولون وهم يجمحون.

وكأن الغرب معصوم من الأخطاء مبرَّأ من العيوب، وما لجّوا في عتوهم ونفورهم إلا من بعد ما دبَّ في أوصالهم خدر الانبهار، فما عادوا يملكون القدرة على السماع، بل يكادون يتواصون باللغو لعلهم يغلبون، مع أن الغرب نفسه لا يتردد في نقد ذاته وتقويم اعوجاجه، وحكومات الظل وأحزاب المعارضة والأغلبية البرلمانية لا تستنكف من التنقيب عن مقترفات الحزب الفائز بمقاليد الأمور، وما يقال في الحملات الانتخابية من سخرية وتهكم وحرب نفسية لا يليق بالدهماء فضلاً عن النخب الفكرية والسياسية.

ثم إن النقد المنصف للغرب لا يتعدّى إلى شأنه الداخلي ولا يغمط منجزاته العلمية ولا يمس مؤسساته المدنية. ولكنه إذ مارس الوصاية على ما يسميه جوراً بالعالم المتخلف واقترف التعدي بخيله ورجله فإن من حق المغلوب على أمره أن يسائله عما يفعل؛ تطلعاً إلى اللطف بالفعل ولو تُرك القطا لنام)، وهل أحد يجهل تدخله ظلماً وعدواناً في الشأن العربي والإسلامي.

واستغلال خيرات الشعوب وتقييد الحريات المكفولة للإنسان من مختلف المنظمات العالمية ودعم الأنظمة المتسلطة على شعوبها والمساس بالسيادات المشروعة وإيقاظ الفتن الطائفية والعرقية والإثنية والإقليمية، وهذه الجنايات السافرة والتقلبات المصلحية المثيرة تجعل من حق كل ذي لُبّ أن يرصد حراكه وأن يقوّم اعوجاجه وأن يحذّر من مكائده، والنقد الموضوعي لا يتعارض مع الجنوح للسلام بوصفه خياراً إسلامياً ولا يمنع من تبادل المصالح والخبرات، كما أن النقد المتوازن ومواجهة الفكر غير الرشيد لا يعني تزكية الذات ولا الحيلولة دون التواصل الحضاري، كما لا يعني المفاضلة ولا تصدير الخطاب.

وقد ندب الحق سبحانه إلى القول: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، وهذا التوجيه الرباني لا يتعارض مع الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والدفع بالتي هي أحسن، ولست مع الذين يتمثلون خطاب التمكين ويتمسكون بآية السيف والادعاء بأنها نسخت مائة وأربع عشرة آية من القرآن، وحري بالأمة الإسلامية أن تستفيد مما سبقوا إليه من علوم وأنظمة ومؤسسات مدنية فاعلة وليست معطلة ولا شكلية، فبعض ما عند الغرب حق، والحق ضالة المؤمن أنى وجده فهو أحق به، ولا سيما أن العالم الثالث يفتقر إلى مؤسسات المجتمع المدني بضوابطها الشرعية وبالشكل الذي يكفل تحقيق حضارة الانتماء.

ثم إن الحاجة الماسة إلى مصحاته وجامعاته ومكتشفاته وصناعاته وتلقي العلم في أرضه وطلب تأييده عند الأزمات لا يحول شيء من ذلك دون موضعته ومكاشفته ومواجهته بالحق وحمله على كف أذاه وتقويم اعوجاجه، إن للغرب أخطاءه الفادحة وتصرفاته الجامحة وخرافاته المضحكة، وله في مقابل ذلك مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي يفتقر إلى مثلها العالم الثالث، كما أن أبناءه يتمتعون داخل أرضهم بالحرية والمساواة وتكافؤء الفرص وتداول المسؤولية على ضوء الكفاءة فيما لا يوجد أيسر ذلك لدى شعوب العالم الثالث التي عاشت تحت طائلة التخريب باسم التجريب واستزلها شيطان اثورات الدموية.

ونقد الغرب ليس مبادرة ولا تعدياً، وليس هو من باب الفضول إنه حاجة قائمة وفريضة غائبة لأنه متواصل مع العالم العربي تواصلاً لا يخلو من العنت والجور وهضم الحقوق والحيلولة دون استشراف المستقبل، كما أن النقد المطلوب ليس موجهاً لمنجزاته العلمية ومكتشفاته المذهلة وأنظمته ودساتيره وقوانينه المتسيدة داخل أرضه، والمستغربون بفعلهم يكادون يستعدون على شعوبهم ومقدراتهم وكأنه مناط عزهم وتمكينهم، إن خطاب النخب تأليب واستعداء وشرعنة لسلب الحريات.

والغرب الذي ضرب بسهم في الحضارة الإنسانية وأخذ بقسط وافر من المدنية بأمس الحاجة إلى النظرة الإنسانية واحترام كرامة الإنسان أياً كانت لغته أو جنسه أو لونه أو ديانته.. وليس من حق القارئ لحضارات الأمم أن يعتقد التلازم بين الكفر والتقدم ولا بين التدين والتخلف، وإن انعتق الغرب بعلمانيته الشاملة، وتقدمه لن يضار لو أن دينه سماوي لم يحرف، وعرقلة مسيرة الحياة ناتج الفهم البشري السقيم والتطبيق الإنساني الخاطئ، ولقد أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن تفرق الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذا التفرق معوق حضاري ومدني، وهو منتج إنساني وليس وحياً ربانياً، ومن المسيء أن الذين يقدسون الغرب ويذبون عن عجيزته يحيلون نجاحاته إلى تخلصه من الدين، وهم محقون لو وقفوا عند هذا، ولكنهم يستحثون العالم الإسلامي على التخلص من دينه باعتناق العلمانية الشاملة اقتداء بالغرب وتمثلاً لمناهجه دون تحفظ أو تفريق.

والغرب الذي يزكيه لفيف من المفكرين والإعلاميين يقع في مآزق الأخطاء الفادحة شأنه في ذلك شأن أي متصدر لزعامة العالم، ولسنا نشك أن الفشل الذريع الذي تتعرض له الممارسات السياسية والعسكرية لا يعني تفوق الآخر، وتفكيك الوقوعات غير السوية لا يحول دون التفاعل الإيجابي معه ما أمكن ذلك. والعاقل من وعظ بغيره، فالمغامرات الغربية التي تقودها أمريكا لا يكشف خطلها ولا يبين عورها المتجرع لمراراتها وإنما يتقصاها ويجليها لوقتها الغرب نفسه.

فهو الذي لا يجد غضاضة من تقويم ذاته ومساءلتها، وهذه الجرأة الواثقة من مؤشرات القوة، فالنقد المواكب يحول دون تراكم الأخطاء واستعصائها، وداء العالم الثالث المغالطة الكاذبة وادعاء الزكاء والنماء في زمن الدنس والإخفاق وما اضاع مثمنات الشعوب إلا المديح الكاذب.

ونظراً لخطورته على الأمة جاء في الحديث: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) ومن الابتسار والاكراه ولوي أعناق النصوص تفسير الحثو بالأعطيات والاستشهاد لهذه القراءة الغرائبية بالبردة التي خلعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الشاعر كعب بن زهير، وكم هو الفرق بين من يعرف الفضل لذويه ومن يفتري الكذب، والشاهد بما يعلم وشاهد الزور، ولما حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من بعض الموبقات وجاء على ذكر شهادة الزور كان متكئاً فجلس وردد التحذير لخطورة الموقف.

والشيطنة الخرساء ليست بأقبح من افتراء الكذب، فالذين يكتمون الحق وهم يعلمونه والذين يجترحون السيئات سواء، والمشهد الإعلامي يتسع لهؤلاء وأولئك، ومتى تشكل وعي الأمة على عين هذه الطوائف أصبحت الرؤى زائفة.

والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة، وذلك ما نشهده ونعايشه، ولسنا بصدد التزكية ولا التحريم ولكننا نود أن نشهد ولو على أنفسنا والوالدين وليس هناك ما يمنع من التلميح إن كان في التصريح إيذاء أو ضرر، ولقد قيل: إذا كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب، وما نوده من حملة الأقلام امتلاك الجرأة والمصداقية مع الذات ومع الغير.

وعلى كل متردد في مواجهة الغرب بأخطائه الفادحة ومغامراته المجنونة أن يستدعي ما تفضي به مؤسساته ذات المهمات الإحصائية أو الشورية التي لا تداهن ولا تخشى بالحق لومة لائم، وتلك المواجهت الواثقة هي التي مكنته من تفادي الأخطاء أولاً بأول، وحملت أي مسؤول على الصدق والإخلاص والنزاهة لعلمه أن الجزاء من جنس العمل، ومن أمن العقاب أساء الأدب، ولو كان حملة الأقلام على مستوى المسؤولية لما اضطرت الدولة إلى إنشاء هيئة لمكافحة الفساد، ولما رصدت بعض الأحداث ولاحقت الأطراف المتهمة بها.

ولكي نقدم شاهداً من الأهل نشير إلى ما توصل إليه الباحثون في (جامعة براون) الأمريكية وليست العربية؛ لقد ساءهم ما توصلوا إليه من معلومات تهز الضمير العالمي مارسها الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا ولم يستطع أن يتخلص منها الحزب الديمقراطي الذي وعد بمراجعة كل القرارات اللا إنسانية بعد فوزه في الانتخابات.

لقد اهتاجت أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر من عام ألفين وواحد ميلادي، وخاضت معارك واحتلت دولاً واسقطت أنظمة وطاردت جماعات وأحزاباً وتكبدت وكبدت خسائر فادحة لا يتصورها العقل الإنساني، والمؤذي أن المنبهرين بها لم ينبسوا ببنت شفة، ولم تتمعَّر وجوههم من أجل الإنسانية المعذبة بلا جريرة.

هذه الجامعة وباحثوها الغربيون، لا المستغربون، قدموا نقداً لاذعاً بلغة الأرقام التي تقطع قول كل خطيب.

وخلاصة التقرير أن المواجهة العنيفة التي خاضتها الولايات المتحدة بكل آلياتها العسكرية وإمكاناتها الاستخباراتية ومؤسساتها النيابية كبدتها وحدها ثلاثة آلاف وسبعمائة مليار دولار، وكبدتها مع العالم كله المستهدف والمشارك بالتبعية نصف مليون قتيل، وضعف ذلك جريح أو معوق، ولم تحقق حتى الآن أي مكاسب، بل كسبت سُبَّةَ الدهر وعار التاريخ، ولمَّا تزل تواصل عنادها وتصر على بقائها في المناطق الساخنة، ولو أن هذه المغامرة الطائشة اقترفتها دولة نامية ماذا سيقوله عنها الصامتون المخدرون بعشق الغرب.

إنني بهذه الإشارات لا أدعو إلى المواجهة ولا إلى المقاطعة، ولا أنكر ما حققه الغرب في مجالات كثيرة ولا أزكي النفس ولا أدخل في لعبة المفاضلة وتصدير المبادئ، ولكنني أود من المبهورين الصامتين والمسبِّحِين بحمد الغرب أن يتفسَّحوا لغيرهم في المشاهد وأن يعرفوا أن في بني عمهم رماحا، إن علينا جميعاً أن نملك شجاعة الغربي ومصداقيته وحرصه على مواجهة منتخبيه بلغة الأرقام، فلا خير فينا إن لم نقل كلمة الحق ولا خير فينا إن لم نسمعها بثقة ورحابة صدر {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ}، {أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ}.

أرجو ألا يكون فينا ولا منا من قصد بهذه الآيات.

-- صحيفة الجزيرة : حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*