الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اليمن بين موارد لم تستغل وعبث شبه مقصود

اليمن بين موارد لم تستغل وعبث شبه مقصود

هناك مثل عربي يكاد يمثل قاعدة ذهبية في علم الاقتصاد وهو تعريف الاقتصاد بأنه حسن التدبير وهذا المثل يمكن لنا أن نضيف عليه مثل يمني اقتصادي أيضا وهو (القرش يحتاج رطل عقل يديره) وهذان المثلان أردت البدء بهما في مدخل حديثي عن الوضع الاقتصادي في اليمن

هذا البلد الذي يحتل الصدارة في قائمة الدول الأكثر فقرا على مستوى العالم رغم تعدد موارده.

وأستميح القارئ الكريم عذرا بالعودة إلى التاريخ لنقف أمام بلد أنشأ حضارة قوامها الاقتصاد المتمثل بالزراعة حتى ذكر الله هذه الحضارة في كتابه الكريم بجنتي سبأ إضافة إلى تسمية اليمن بالعربية السعيدة أو بلاد العرب السعيدة من قبل الحضارات المعاصرة وتقول المصادر التاريخية ان عدد سكان اليمن في أوج الازدهار السبئي تجاوز الثلاثين مليونا كانوا يعيشون في حالة من الرخاء لم يكونوا يأكلون القمح لثقله وعصورة هضمه بل كانوا يأكلون خبز العلس وهو ألين بكثير من القمح ولا زال يزرع حتى اليوم في بعض مناطق اليمن. فهل يعقل ان يكون هذا البلد يعيش اليوم هذه الحالة المزرية من الفقر وهل نضبت موارده حتى لم تعد تكفي ولو بحاجة بعض من سكانه أسئلة تتطلب الإجابة عليها الوقوف أمام جملة من الحقائق الماثلة في الأسلوب الذي تدار به موارد وإمكانات البلد من زراعة ونفط وغاز وسياحة ومغتربين وموقع استراتيجي ومساعدات ومعونات خارجية.

وإذا كان الاقتصاد هو حسن التدبيركما أسلفنا وفق المثل العربي فإن سوء التدبيركفيل بتدمير البلد بكل مقوماته وفي مقدمتها الاقتصاد. وأبدأ من آخر مصدر من مصادر الثروة وهو الغاز الذي عول عليه اليمنيون كثيرا وتفاءلوا بالرخاء من ورائه، ولم يكونوا واهمين فالغازكمياته كبيرة ونوعه جيد لكن سوء التدبير أضاع هذه الثروة في إدراج الرياح اذ تم بيع الغاز بثمن بخس لا يتجاوز ربع قيمته في الأسواق العالمية إذ بيع بثلاثة دولارات للتر المكعب، بينما الغاز القطري يباع بأحد عشر دولارا ومن حق الناس ان تتساءل أين الفارق وهل ذهب هدية للكوريين ام دخل في الحسابات الشخصية.

عندما تولى الرئيس علي عبد الله صالح الحكم في ثمانية وسبعين كان اليمن قد أنجز برنامجا إنمائيا ثلاثيا وخطة خمسية أولى في عهد الرئيس الحمدي وكان معدل النمو مشجعا للغاية، وكانت الخطة الخماسية الثانية في بدايتها وقد ركزت في برامجها على تنمية الإنسان أو ما يسمى اليوم باقتصاد المعرفة، لكن الخطة توقفت برامجها وكان المبرر الرئيسي هو زلزال ذمار الذي احتاج لتوجيه كافة الإمكانات لمواجهة آثاره ولم يعدد للتخطيط أي وجود فاعل غيرخطط تكتب ولا تنفذ، فمرة تعد الخطط من قبل المجالس المحلية في جلسات القات التي يغلب عليها المزاج الرائق، ومرة بأسلوب مشابه ونتيجة لذلك شهد اليمن مزيدا من التدهور الاقتصادي حتى ارتفع سعر الدولار من أربعة ريالات ونصف في عام 78 إلى أكثر من مائتين وعشرين ريالا في 2011. على صعيد الموارد المتاحة دعونا نقف أمام هذه الموارد اعتبارا من عام 90 وهو العام الذي تحققت فيه الوحدة اليمنية وتكاملت إمكانيات اليمن وأجمع كل المحللين بمختلف مدارسهم إن الرخاء قادم إلى اليمن لكن الواقع يقول العكس فلماذا وما هي تلك الموارد التي كان يعول عليها وأذكر هنا أهمها فيما يلي:

1- الثروة السمكية فاليمن يمتلك ساحلاً يمتد لأكثر من ألفين وأربعمائة كيلو متر مربع غني بكل أنواع الأسماك وعلى البحرين العربي والأحمر ومواسم اصطياد على مدار العام وتفيد الدراسات الخاصة بعلوم البحار ان اليمن بإمكانه ان يصدر سنويا قرابة المليون طن من الأسماك ومنها أسماك ذات قيمة نقدية عالية مثل اسماك الجبار واللوبستر والجمبري ناهيك عن أنواع التونة المتعددة والتي تعد الأجود عالميا لكن لم يصل التصدير إلى مائتي ألف طن والسبب احتكار شركات أو شركة اصطياد يمتلكها احد أقارب الرئيس لعملية الاصطياد والوقوف حجر عثرة أمام كل مستثمر يحاول الدخول في هذا المجال.

2- ثروة القطن والذي يزرع في أراضي تهامة ولحج وأبين وكان يصدر من دلتا ابين وحدها عام 67(45) مليون رطل من القطن الجيد إلى أسواق العالم والآن لم نتجاوز آلافا من الأطنان والسبب احتكار شركة (ماس) ومالكها معروف لتجارة القطن وشراء المحصول من المزارعين قبل الزراعة بالثمن الذي يريد ومن لم يوافق فإن محصوله سيحرق أو تحل به كارثة وعزف المزارعون عن زراعة القطن وتعطل مصنعان في اليمن للغزل والنسيج.

3- الموقع الاستراتيجي لمنطقة عدن كمنطقة حرة تقع على ملتقى طرق القوافل التجارية بين شرق العالم ومغربه وإجماع الدول الصناعية على أهمية وحيوية الموقع بالنسبة للتجارة الدولية فقد صدر قرار عن قمة الدول الصناعية السبع عام 1992 ميلادية باعتبار عدن مركز توزيع تجارة الشرق الأوسط وتكرر نفس القرار عام 1994 م لكن اليمن لم يستجب ولم يبد أي تجاوب مع رغبات المستثمرين بمختلف جنسياتهم بل تم تجميد المنطقة الحرة في عدن لصالح مناطق تجارية منافسة في المنطقة مقابل رشا ومصالح خاصة.

4- الثروة السياحية فاليمن يمتلك مقومات سياحية نادرة سواء من الناحية التاريخية أو جمال الطبيعة أو مقومات المناخ المتعدد لكن التعامل اللامبالي مع ما يتعرض له السياح من اختطاف وإقلاق امني قضى على هذا المورد إلى جانب عدم اهتمام الحكومة بالترويج ولو بحده الأدنى.

5- على صعيد العنصر البشري كمورد وخاصة المغتربين والذين ينتشرون في الخليج وعدد من دول العالم وتصل مدخرات بعضهم إلى أن تكون قريبة من الثروات والتي يمكن لليمن الاستفادة منها لكن رغبة المغتربين بالاستثمار داخل بلدهم اليمن تصطدم دائما بعقبتين عقبة المشاركة من قبل مسئولين كبار بمبرر الحماية وعقبة نظام الجبايات المتعدد من ضرائب متنوعة وخلافه وغياب سيادة القانون الأمرالذي جعل الرأس المال اليمني يفر من داخل اليمن ناهيك عن استقطابها لرساميل من الخارج.

6- أما المساعدات الخارجية والقروض فحدث عنها ولا حرج فالإحصائيات تقول: ان ما يساوي 78% من إجمالي القروض والمساعدات التي تقدم لليمن لا يتم الاستفادة منها وكمثال على ذلك قدمت المملكة العربية السعودية عبر مجلس التنسيق السعودي اليمني مساعدة لبناء عشرين مركز تدريب فني ومهني ومنذ أكثر من خمسة عشر عاما لم ينفذ أي واحد منها والسبب يعود إلى الحكومة اليمنية، أما المساعدات الأخيرة التي رصدت عبر مؤتمرات المانحين من أصدقاء اليمن وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج فلم تكن هناك آلية حكومية قادرة على التعامل السليم والنزيه مع هذه المساعدات وحرمت اليمن منها.

لقد كشفت الأحداث الدائرة في اليمن عن كثير من جوانب الاختلال وعرت الفساد بأدلة دامغة ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما حدث في خليجي عشرين إذا ان المنشآت التي أقيمت والتي تم تحسينها لم تتجاوز التكلفة أربعة مليارات ريال يمني بينما ما تم صرفه او اعتماده وصرفه عشرين مليار ريال، ولا يعلم أين ذهبت بقية المليارات الـ16 إلا الراسخون في علم الفساد. وأمام كل هذه الحقائق التي هي عبارة عن عناوين لما يجري في اليمن أليس من حق اليمنيين ان يحلموا بالتغيير للبحث عن آلية أخرى تريح هذا الشعب من عناء التشرد والفقر والمعاناة التي لا تنتهي.

-- صحيفة الجزيرة: فيصل بن محمد العواضي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*